عبدالباري عطوان: الجبير بحاجة الى دروس في الجغرافيا الطبيعية والسياسية

وصف المحلل السياسي الفلسطيني عبدالباري عطوان الحالة السياسية التي تعيشها المؤسسة الحاكمة في السعودية بأنها حالة يغلب عليها الشعور بـ "التضخم" في الذات التي باتت تحكم مواقفها وسياساتها، خاصة طوال العام ونصف العام الاخيرين.

أفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء أن الصحافي الفلسطيني البارز ورئيس تحرير صحيفة " رأي اليوم " كتب مقالا عن الواقع الذي تعيشه السعودية وخلفيات السياسة التي تنتهجها في التعامل مع المنطقة وأزمات شرق الأوسط بشكل عام.

وبدأ عطوان مقاله بالقول "لم نفاجأ مطلقا بـ"الصفقة" التي عرضها السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي على روسيا، في الحديث الذي ادلى به اثناء تواجده في بروكسل الى صحيفة "بوليتيكو"الامريكية، واوحت اقواله انه يتحدث كوزير خارجية دولة عظمى، تملك ترسانة نووية هائلة، وتقرر مصير العالم بأسره".

وتابع المحلل السياسي الفلسطيني "قبل ان نشرح اسباب عدم شعورنا بعنصر "المفاجأة"، نود التعريج الى طبيعة هذه "الصفقة"، ومكوناتها، وما اذا كانت عملية، وبالتالي مقبولة، الى الطرف الروسي، وردود فعله، والدول الاقليمية الاخرى تجاهها".

السيد الجبير قال، وننقل هنا حرفيا عن الصحيفة:"مستعدون لاعطاء حصة لروسيا في منطقة الشرق الاوسط يمكن ان تحولها الى قوة اعظم بكثير بالمقارنة مع الاتحاد السوفيتي مقابل تخليها عن الرئيس الاسد"، مضيفا "ان ما يخدم مصالح موسكو هو تعزيز علاقاتها مع الرياض وليس مع الاسد".

هناك عدة نقاط يمكن استخلاصها من هذه المقابلة، ومن قراءة لما بين سطورها، والهدف من ورائها:

• اولا: يتحدث السيد الجبير كما لو ان بلاده هي "الشرق الاوسط"، وهي التي تهيمن عليه، وتتحكم بمصيره، وتتحدث باسم دوله، التي يزيد تعدادها عن ثلاثين دولة تقريبا، اذا اضفنا اليها دول شمال افريقيا.

• ثانيا: يخاطب السيد الجبير موسكو ويقدم لها العروض، عارضا عليها الصفقات من موقع النّد، والمساواة في الحجم، والقوة، والمساحة، والنفوذ.

• ثالثا: بات السيد الجبير وحكومة بلاده "مهووسة"، او "مسكونة" بمسألة بقاء الرئيس الاسد او عدمه، وتجعل من هذه المسألة "محور"سياستها الخارجية، وعلاقاتها مع الدول العظمى والاقليمية ايضا.

عندما نقول اننا لم نفاجأ بتصريحات السيد الجبير وصفقاته، فإننا ندرك جيدا، وبناء على رصد لمواقف "المؤسسة" السعودية الحاكمة، حالة "التضخم" في الذات التي باتت تحكم مواقفها وسياساتها، خاصة طوال العام ونصف العام الاخيرين.

فمنذ تولي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز السلطة، وانتدابه لابنه الامير محمد بن سلمان ولي ولي العهد، وزير الدفاع، لادارة شؤون الدولة، بدأت السياسة السعودية تتغير بشكل كلي، وبات اصحاب القرار يتصرفون كما لو انهم يحكمون منطقة الشرق الاوسط كلها، ويملكون مفاتيحها، وصناعة القرار فيها، انطلاقا مما يملكونه من اسلحة "مالية" جبارة قادرة على تركيع اكبر دولة او حكومة "تفكر" بالتمرد عليهم-حسب وصفه-، ومن اللافت ان دولا خليجية، تملك الكثير من المال ايضا، بينها الكويت ودولة الامارات العربية المتحدة، تماهت مع هذا الدور السعودي "كليا"، وتبنت كليا، او جزئيا، متطلباته وحروبه.

يبدو ان السيد الجبير بحاجة الى دروس في الجغرافيا الطبيعية والسياسية ايضا، فمنطقة الشرق الاوسط تشمل دولا اقليمية عظمى، مثل ايران ومصر وباكستان والعراق وتركيا، فهل اعطته هذه الدول تفويضا للحديث وطرح الصفقات بإسمها على روسيا او غيرها؟

نفهم، ولكننا لا نتفهم، عروض السيد الجبير هذه، لو انها جاءت قبل النتائج الكارثية لـ"عاصفة الحزم" التي اطلقت بلاده طائراتها ومرابضها لقصف اليمن، وقتل الآلاف من ابنائه، وتدمير البنية التحتية البدائية المعدمة، او قبل تأسيس "التحالف الاسلامي" الذي جرى تشكيله، والاعلان عنه، فجر احد الايام في مطار الرياض من قبل ولي ولي العهد السعودي، ولم يمت في حينها، بل قوبل بالإزدراء من الدول المعنية التي فوجئت به، وسمعت انباء عضويتها فيه من اجهزة الاعلام السعودية، التي كانت الوحيدة التي اطلعت على بعض عناوينه من مندوبيها الذين جلبوا على عجل، وقوبل بالرفض من الكثير من الدول المعنية، او قبل انهيار اسعار النفط، وتبخر جزء كبير من الاحتياطات المالية السعودية، واجراءات التقشف التي فُرضت على المواطن السعودي، والتدخل العسكري الروسي الذي غير معادلات القوة في ميادين القتال في سورية ، والمصالحة الروسية التركية.

القيادة الروسية لم تقل رأيها حول مدى قبول هذا العرض او رفضه، لانها قطعا لن تتوقف عنده، ولن تعيره اي اهتمام، مثل كل العروض السابقة التي حملها اليها مسؤولون سعوديون اعلى رتبه من السيد الجبير، ونخص منهم، الامير محمد بن سلمان، وقبله الامير بندر بن سلطان بن عبد العزيز، عندما كان رئيسا للمخابرات، ومجلس الامن القومي، والمسؤول عن ملف الازمة السورية وتسليح المعارضة.

نتمنى على السيد الجبير التحلي بالكثير من التواضع، ومعرفة حدود وقوة بلاده، وقدراتها السياسية، وتجنب الحديث باسم الآخرين، وعرض الصفقات، وكأنه المندوب السامي الذي يتحكم بمقدراتهم وشعوبهم.

نعلم جيدا ان السيد الجبير وحكومته لن يصغيا لتمنياتنا هذه، ولن يأخذا بها، ولكننا نقولها للتاريخ، لاننا سنعود اليها في "يوم ما"، ولعله قريب جدا، مثلما عدنا الى تحذيراتنا من المصير المظلم لـ"عاصفة الحزم" في اليمن في اليوم الاول لبدء غاراتها.
/انتهى/