بالتفاصيل ... الواقع المعيشي للمواطن السوري

تعصف الازمة المأساوية التي تشهدها سوريا بالمواطن السوري الذي يقف في وجه الارهاب والحرب الكونية المفروضة على بلاده من جهة، ويسعى بكل ما اوتي من قوة الى تامين حاجيات عائلته واطفاله والى مقاومة الحصار والوضع الاقتصادي المتردي من جهة اخرى.

شهد الاقتصاد السوري قبل اندلاع الاحداث في سوريا نموا وازدهارا جيدا، حيث ذكرت بيانات البنك الدولي ان نسبة نمو الاقتصاد السوري بين عامي 2006 و2010 كانت من اعلى النسب المسجلة في الشرق الاوسط وذلك بمعدل وسطي قدره 5%.

وفي 25 أبريل 2010 أعلنت سوريا أنها أغلقت بشكل كامل ملف الديون الخارجية، وذلك بعد توقيع اتفاقية تسوية مع بلغاريا لحل ديون تبلغ قيمتها 71 مليون دولار؛ وبتوقيع هذه الاتفاقية تكون دمشق قد "أغلقت ملف الديون الخارجية بشكل نهائي"، حيث كان الاتفاق يقضي بأن تدفع سوريا نحو 17 مليون دولار من أصل نحو 71 مليون دولار لبلغاريا كتسوية توافقية لتصفية الدين.

لكن منذ اندلاع الازمة السورية عام  2011 استهدفت الدول المتآمرة على سوريا الاقتصاد السوري والبنى التحتية والخدمية وذلك عن طريق توجيه اذرعها الارهابية في الداخل لتقوم بتدمير المنشآة الحيوية والخدمية وتخريب المنشآة الاقتصادية والصناعية بالاضافة الى السيطرة على المنشاة النفطية.

علمت تلك الدول ان هذه الطريقة ستكون ورقة ضغط قوية على الدولة السورية التي سيقع على عاتقها تعويض الخسائر وتامين مستلزمات الحياة الاساسية للمواطنين بالاضافة الى محاربة المجموعات الارهابية التى تسعى الى الانتشار والتمدد بغرض اسقاط الدولة السورية.

وكان على مدى ست سنوات من الحرب المستمرة على سوريا ومن الحصار الاقتصادي المفروض عليها من قبل الدول الاوروبية وامريكا "هذا الحصار الذي ليس له من مبرر فهو يستهدف بشكل مباشر  الشعب الذي تدعي هذه الدول بانها تدافع عنه"  أثر  كبير على الاقتصاد السوري الذي عانى من صدمات وازمات كبيرة خلال هذه الحرب، الامر الذي انعكس بشكل مباشر على المواطن فبالاضافة الى معاناته من الارهاب الممنهج المدعوم من الخارج اصبح يعاني من الضيق المادي ومن خوف الجوع والمرض والتشرد.

فلو نحينا الارقام والاحصائيات الاقتصادية والدراسات الكثيرة التي قام بها الخبراء لتحديد حجم الخسائر الاقتصادية والمالية التي تكبدتها سوريا وركزنا على معاناة المواطن السوري الذي يسعى يوميا لتامين قوته، سنجد ان ابرز المشكلات التي يعاني منها المواطنون في سوريا هي النقص في المحروقات وغلاء الاسعار ومشاكل القطاعين التعليمي والصحي.

أزمة المحروقات:

تشكل المحروقات عصب الحياة فهي الاساس في توليد الكهرباء وفي النقل وفي عمل المعامل والمصانع، لذلك اي نقص او شح في كميات المحروقات سينعكس بشكل مباشر على المواطن،  ولهذا تتصدر ازمة المحروقات في سوريا الوضع المعيشي والاقتصادي للمواطن السوري.

تعاني كل المدن السورية من ساعات انقطاع طويلة للكهرباء خلال اليوم وذلك بسبب النقص في الغاز الذي يستخدم في توليد الكهرباء، فنظام التقنين في سوريا في هذه الايام ( 6الى 2 ) اي ست ساعات انقطاع وساعتين وصل وبسبب الضغط الكبير على الشبكة الكهربائية تحدث اعطال كثيرة تمنع المواطن حتى من الاستفادة من هاتين الساعتين المتاحتين له.

ادى هذا التقنين الى اجبار المواطنين على البحث عن سبل لتامين الكهرباء في المنزل وذلك للحاجة الماسة للكهرباء في الحياة اليومية  وخاصة في فترة الليل، فمنهم من اشترى المولدات والبطاريات لتامين الانارة واجهزة حفظ الطعام على الاقل، ومنهم من اشترك بخطوط الكهرباء الخاصة المسماة بالامبيرات مقابل قسط شهري.

وبالاضافة الى النقص في كميات الغاز يعاني المواطنين من النقص في مادتي البنزين والمازوت المستخدمات في وسائل النقل العامة والخاصة، وينتظر المواطنين ساعات امام محطات التزود بالوقود للحصول ولو على كمية قليلة من الوقود لعرباتهم.

يفيد احد المواطنين بانه ينتظر في طابور الدور لتعبئة سيارته بالوقود ساعات طويلة واحيانا لعدة ايام، لانه في اغلب الاوقات تنتهي كمية الوقود المخصصة لمحطة الوقود قبل ان تزود كل العربات المنتظرة بالوقود.

ومن الجدير بالذكر ان اغلب المواطنين في سوريا يستخدمون مادة المازوت للتدفئة، ولكن بسبب النقص الشديد في المادة وبسبب الشتاء القاسي الذي مر على سوريا، عانى المواطنين من البرد القارس والشديد في اغلب المناطق السورية واضطر قسم كبير منهم الى استخدام الحطب واغصان الاشجار للتدفئة.

وتعد سيطرة الارهابيين وبالاخص تنظيم داعش على اغلب حقول النفط والغاز في الشرق السوري السبب الاساسي للنقص في المحروقات، ويسعى الجيش السوري الى اعادة السيطرة على هذه الحقول وبالاخص حقول الغاز في صحراء تدمر لتامين الغاز الذي يزود محطات توليد الكهرباء في سوريا.

انخفاص قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الامريكي:

حدد البنك المركزي السوري وبحسب وكالة سانا آخر سعر صرف للدولار مقابل الليرة السورية ب 44ر517 ليرة كسعر وسطي للمصارف و42ر517 ليرة كسعر وسطي لمؤسسات الصرافة.

كما حدد المصرف في قائمة أسعار صرف العملات الأجنبية الصادرة عنه سعر صرف الدولار مقابل الليرة لتسليم الحوالات الشخصية ب85ر514 ليرة سورية.

هذه القيمة اكبر بعشر مرات مما كانت عليه قيمة الدولار قبل بدء الازمة السورية حيث كانت قيمة الدولار 45 ليرة سورية حتى نهاية عام 2010، وهناك اسباب عديدة لانخفاص قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الامريكي لعل اهمها انخفاض الناتج المحلي  بمستويات كبيرة نتيجة تعطل عجلة الإنتاج لأسباب كثيرة أهمها تدمير العديد من المنشآت الصناعية وخروج الأراضي الزراعية عن السيطرة. ومع انخفاض الإنتاج المحلي بات الحل الرئيسي المعتمد عليه،" الاستيراد لتغطية نقص المواد". وتكمن إشكالية الاستيراد في أنها لا تعوض نقص المواد الموجودة في السوق السورية بشكل كامل وهي تتطلب كميات كبيرة من العملة الأجنبية ما يعني طلباً متزايداً على الدولار في السوق، بالتالي ارتفاع سعره وانخفاض سعر الليرة.

يعتبر غلاء الاسعار اهم الاثار المترتبة على انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار والتي تمس المواطن بشكل مباشر، حيث ان متوسط دخل الفرد السوري في عام 2010 حسب مجلة "Global Finance" لاغنى وافقر دول في العالم، كان 5043 دولار في العام اي اكثر من 400 دولار شهريا، في حين ان متوسط دخل المواطن السوري في الوقت الحالي وبحسب مركز فيريل للدراسات في المانيا 24000 ليرة سورية اي اقل من 50 دولار امريكي.

هذا الانخفاض الكبير بمستوى دخل الفرد رافقه ارتفاع كبير في اسعار المواد والسلع الاستهلاكية والتي ترتبط بشكل مباشر بسعر الدولار، لان اغلب السلع يتم استيرادها من الخارج او يتم استيراد المواد التي تدخل في صناعتها من الخارج، مما جعل المواطن يعاني من ازمة حقيقة في تامين حاجيات واساسيات الحياة له ولاسرته.

التعليم والصحة:

تسعى الدولة السورية جاهدة لتامين كل مستلزمات قطاعي التعليم والصحة بسبب الاهمية الكبيرة لهذين القطاعين، لكن بالرغم من ذلك يعاني القطاعين من مصاعب كبيرة بسبب الحرب الدائرة في سوريا.

ففي قطاع التعليم تعاني اغلب المدارس والجامعات في المناطق الآمنة من الازدحام الشديد ومن عدد الطلاب الكبير في الصف الواحد، وذلك بسبب هجرة اغلب المواطنين السوريين الى المناطق الآمنة هربا من الارهابيين.

حيث تشير احدى الدراسات التي قامت بها جريدة تشرين السورية في عام 2016 ان مدارس منطقة جرمانا تعاني من الازدحام  الشديد،حيث يزيد عدد الطلاب في الصف الواحد عن 75 طالبا، وينطبق هذا الحال على اغلب المدارس السورية في المناطق الآمنة التي يقصدها المهجرون.

هذا الامر خلق مشكلة كبيرة لوزارة التربية التي تسعى لايجاد حلول لهذه المشكلة منها تقسيم الدوام الرسمي الى دوامين، ولكن المشكلة مستمرة في ظل استمرار تدفق الطلاب بشكل يومي الى المناطق الآمنة، الامر الذي يشكل ضغط كبير على اي عائلة سورية، تبحث عن مدرسة لارسال اولادها اليها في ظل هذا العدد الكبير جدا من الطلاب.

اما بالنسبة لقطاع الصحة فبعد ان كانت صناعة الدواء في سوريا عام 2010 الافضل على المستوى العربي حسب مركز فيريل للدراسات الالماني وكانت هذه الصناعة تغطي الاحتياجات المحلية ويتم تصدير 27.63 بالمئة منها، تراجعت الصناعة الدوائية في سوريا بشكل كبير بسبب تدمير العديد من المعامل على ايدي المجموعات الارهابية وبسبب الحصار الاقتصادي المفروض على هذه الدولة مما جعل من الصعب الحصول على المواد الاولية الاساسية لتصنيع الادوية.

الامر الذي دفع الحكومة الى السعي لايجاد حلول بديلة لتامين المواد الاولية والعمل على تشجيع افتتاح مصانع جديدة للادوية وتقديم كل التسهيلات لضمان ذلك بهدف الحفاظ على الامن الدوائي.

وفي ظل ذلك يعاني المواطن من نقص في عدد من الادوية كما انه يضر في اغلب الاوقات الى اللجوء للدواء المستورد او المهرب والذي يكون غالي الثمن.

/انتهى/