وكالة «تسنيم» تنشر النص الكامل لخطاب الامام الخامنئي في إفتتاح المؤتمر العالمي لعلماء الدين والصحوة الإسلامية
حذر قائد الثورة الاسلامية سماحة اية الله العظمى الامام السيد علي الخامنئي من محاولات الاستكبار العالمي إثارة الفتن الطائفية ، و اعتبر في خطابه بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي لـ"علماء الدين و الصحوة الاسلامية" الذي بدأ اعماله اليوم الاثنين بطهران ، الصحوة الإسلامية بأنها تشكّل أولوية للعالم الإسلامي و للعالم قاطبة ، مؤكدا ان أبعاد الصحوة الإسلامية تمتد لأكثر من صعيد و مكان و معربا عن اعتقاده بانها ستكون بداية لسلسلة معجزات .
و فيما يلي نص الخطاب :
بسم الله الرحمن الرحيم
و الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى و آله الأطيبين وصحبه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أرحب بكم أيها الضيوف الأعزاء ، وأسأل الله العزيز والرحيم أن يبارك في هذا الجهد الجماعي ، وأن يجعله شوطاً فاعلاً على طريق حياة أفضل للمسلمين ، إنه سميع مجيب .
موضوع الصحوة الإسلامية الذي ستتناولونه في هذا المؤتمر هو اليوم في رأس قائمة قضايا العالم الإسلامي و الأمة الإسلامية .. إنه ظاهرة عظيمة ، و لو بقيت سليمة و تواصلت بإذن الله لاستطاعت أن تقيم الحضارة الإسلامية في أفق ليس ببعيد للعالم الإسلامي ومن ثَمّ للبشرية جمعاء .
إنّ البارز أمام أنظارنا اليوم ، ولا يستطيع أي إنسان مطّلع و ذي بصيرة أن ينكره ، هو أن الإسلام اليوم قد خرج من هامش المعادلات الاجتماعية و السياسية في العالم ، و اتخذ مكانة بارزة و ماثلة في مركز العناصر الفاعلة لحوادث العالم ، ليقدم رؤية جديدة على ساحة الحياة و السياسة و الحكم و التطورات الاجتماعية. ويشكل ذلك ، في عالمنا المعاصر الذي يعاني بعد هزيمة الشيوعية و الليبرالية ، من فراغ فكري و نظري عميق ، ظاهرةً ذات مغزى وأهمية بالغة . و هذا هو أول أثر تركته الاحداث السياسية و الثورية في شمال أفريقيا و المنطقة العربية على الصعيد العالمي ، و يبشّر بدوره ببروز حقائق أكبر في المستقبل . إنّ الصحوة الإسلامية التي يتجنب ذكرها المتحدثون باسم جبهة الاستكبار و الرجعية ، بل يخافون أن يجري اسمها على ألسنتهم ، هي حقيقة نرى معالمها اليوم في أرجاء العالم الإسلامي كافة . و أبرز معالمها تطلّع الرأي العام خاصة طبقة الشباب إلى إحياء مجد الإسلام وعظمته ، و وعيهم لحقيقة نظام الهيمنة العالمية ، وانكشاف الوجه الخبيث و الظالم و المستكبر لحكومات ودوائر أنشبت أظفارها الدامية لأكثر من قرنين في المشرق الإسلامي وغيرالإسلامي ، وجعلت مقدرات الشعوب عرضة لنزعتها الشرسة والعدوانية نحو الهيمنة ، وذلك بنقاب المدنية والحضارة .
ان أبعاد هذه الصحوة المباركة واسعة غاية السعة و ذات امتداد رمزي ، لكن ما حققته من حاضر العطاء في بعض بلدان شمال أفريقيا من شأنه أن يجعل القلوب واثقة بمعطيات مستقبلية كبرى وهائلة .
إن تحقق معاجز الوعود الإلهية يحمل دائماً معه دلالات أمل تبشّر بتحقق وعود أكبر . وما يحكيه القرآن الكريم عن الوعدين الالهيين لأم موسى هو نموذج من هذه السنة الربانية . إذ في تلك اللحظات العسيرة ، حيث صدر الأمر بإلقاء الصندوق حامل الرضيع في اليمّ ، جاء الخطاب الإلهي بالوعد : (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) . إن تحقق الوعد الأول ، وهو الوعد الآصغر الذي شد على قلب الأم ، أصبح منطلقًا لتحقق وعد الرسالة ، وهو أكبر بكثير ، و يستلزم طبعًا تحمل المشاق والمجاهدة والصبر الطويل : (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ...) هذا الوعد الحقّ هو تلك الرسالة الكبرى التي تحققت بعد سنين وغيّرت مسيرة التاريخ . ومن النماذج الاخرى التذكير بالقدرة الالهية الفائقة في قمع المهاجمين للكعبة ، و الذي ورد في القرآن بلسان الرسول الآعظم (ألم يجعل كيدهم في تضليل) ، و ذلك لتشجيع المخاطبين لامتثالهم الأمر الالهي : (فليعبدوا رب هذا البيت) . و في موضع آخر يذكّر سبحانه رسوله بما أغدقه عليه من نعم تشبه المعجزة : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) ليكون ذلك وسيلة لتقوية معنويات نبيّه الحبيب وإيمانه بالوعد الإلهي في قوله:(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) ومثل هذه الأمثلة كثيرة في القرآن الكريم .
و حين انتصر الإسلام في إيران ، واستطاع أن يفتح قلعة أمريكا والصهيونية في أحد أكثر البلدان حساسية من هذه المنطقة المهمة بامتياز ، عَلِم أهل العبرة والحكمة أنهم إذا انتهجوا الصبر والبصيرة فإن فتوحات أخرى ستتوالى ، وتوالت.
ان الحقائق الساطعة في الجمهورية الإسلامية التي يعترف بها الأعداء قد تحققت بأجمعها في ظل الثقة بالوعد الإلهي و الصبر و المقاومة و الاستمداد من ربّ العالمين . لقد كان شعبنا يرفع دائمًا صوته بالقول : (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) أمام وسوسة الضعفاء الذين كانوا يرددون في الفترات الحرجة : (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) .
و هذه التجربة الغالية ، اضحت اليوم في متناول الشعوب التي نهضت بوجه الاستكبار والاستبداد ، واستطاعت أن تسقط أو تزلزل عروش الحكومات الفاسدة الخاضعة والتابعة لأمريكا . كما ان الثبات و الصبر والبصيرة والثقة بالوعد الإلهي في قوله سبحانه: (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) بإمكانها أن تمهّد طريق العزّ هذا ، أمام الأمة الإسلامية حتى تصل إلى قمة الحضارة الإسلامية .
إنني في هذا الاجتماع الهام لعلماء الأمة بمختلف أقطارهم و مذاهبهم ، أرى من المناسب أن أوضح عدة نقاط ضرورية حول قضايا الصحوة الإسلامية :
الأولى : إن الأمواج الأولى للصحوة في بلدان هذه المنطقة ، و التي اقترنت ببدايات دخول الغزو الاستعماري ، قد انطلقت غالباً على يد علماء الدين والمصلحين الدينيين. لقد خلدت صفحات التاريخ وللأبد أسماء قادة وشخصيات بارزة من أمثال السيد جمال الدين الأسدآبادي ومحمد عبده و الميرزا الشيرازي والآخوند الخراساني و محمود الحسن و محمد علي و الشيخ فضل الله النوري والحاج آقا نور الله و أبي الأعلى المودودي بالاضافة الى العشرات من كبار علماء الدين المعروفين والمجاهدين والمتنفذين من إيران و مصر و الهند و العراق . و في عصرنا الراهن يبرز اسم الإمام الخميني العظيم ككوكب ساطع على جبين الثورة الإسلامية في إيران . و كان لمئات العلماء المعروفين وآلاف العلماء غير المعروفين في الحاضر والماضي دور في المشاريع الإصلاحية الكبيرة والصغيرة على ساحة مختلف البلدان . و قائمة المصلحين الدينيين من غير علماء الدين كحسن البنا و إقبال اللاهوري ، هي طويلة أيضاً و تثير الإعجاب . و كانت المرجعيّة الفكريّة لعلماء الدين ورجال الفكر الديني بدرجة وأخرى ، و في كل مكان . إنهم كانوا سنداً روحياً قوياً للجماهير ، و حيثما قامت قيامة التحولات الكبرى ظهروا في دور المرشد و الهادي ، و تقدموا لمواجهة الخطر في مقدمة صفوف الحراك الشعبي ، وازداد الارتباط الفكري بينهم وبين الناس ، وازداد معه تأثيرهم في دفع الناس نحو الطريق الصحيح. وهذا له من الفائدة والبركة لنهضة الصحوة الإسلامية بمقدار ما يجرّ على أعداء الأمة والحاقدين على الإسلام والمعارضين لسيادة القيم الإسلامية من انزعاج وامتعاض ما يدفعهم إلى محاولة إلغاء هذه المرجعية الفكرية للمؤسسات الدينية واستحداث أقطاب جديدة عرفوا بالتجربة أنها يمكن المساومة معها بسهولة على حساب المبادئ والقيم الدينية. وهذا ما لا يحدث إطلاقاً مع العلماء الأتقياء و رجال الدين الملتزمين . إن هذا يضاعف ثقل مسؤولية علماء الدين . و عليهم أن يسدّوا الطريق أمام الاختراق بفطنة ودقة متناهية وبمعرفة أساليب العدوّ الخادعة وحيله ، وأن يحبطوا مكائده. إن الانشداد الى الموائد الملونة بمتاع الدنيا يعد من أكبر الآفات ، والتلوث بهبات أصحاب المال والسلطة وعطاياهم ، والارتباط المادي بطواغيت الشهوة والقوة من أخطر عوامل الانفصال عن الناس والتفريط بثقتهم ومحبتهم ، فيما تشكل الأنانية وحبّ الجاه الذي يجرّ الضعفاء إلى أقطاب القوة ، أرضية خصبة للتلوث بالفساد والانحراف . و لابد أن نضع نصب أعيننا قوله سبحانه : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .
إننا اليوم ، في عصر حراك الصحوة الإسلامية و ما تبعثه في النفوس من أمل ، نشاهد أحيانًا مساعي خدم أمريكا و الصهيونية لاصطناع مرجعيات فكرية مشبوهة من ناحية ، ومساعي الغارقين في المال ومستنقع الشهوات لجرّ أهل الدين والتقوى إلى موائدهم المسمومة الملوثة من ناحية أخرى . فعلى علماء الدين و الرجال المؤمنين و المحافظين على الدين أن يراقبوا هذه الأمور بشدة ودقّة .
المسألة الثانية : ضرورة رسم هدف بعيد المدى للصحوة الإسلامية في البلدان المسلمة يوضع أمام الجماهير ليكون البوصلة في حركتها للوصول اليه . وبمعرفة هذا الهدف يمكن رسم خريطة الطريق و تحديد الأهداف القريبة و المتوسطة . هذا الهدف النهائي لا يمكن أن يكون أقل من إقامة «الحضارة الإسلامية المجيدة» . و لابد للأمة الإسلامية ، بكل أجزائها في إطار الشعوب و البلدان ، أن تعتلي مكانتها الحضارية التي يدعو إليها القرآن الكريم . إن من الخصائص الأصلية و العامة لهذه الحضارة استثمار أبناء البشر لجميع ما أودعه الله في عالم الطبيعة و في وجودهم من مواهب وطاقات مادية ومعنوية لتحقيق سعادتهم وسموّهم . و يمكن ، بل و ينبغي مشاهدة مظاهر هذه الحضارة في إقامة حكومة شعبية ، وفي قوانين مستلهمة من القرآن ، وفي الاجتهاد وتلبية الاحتياجات المستحدثة للبشر ، و في رفض الجمود الفكري والرجعية وناهيك عن البدعة والالتقاط ، وفي تحقيق الرفاه والثروة العامة ، و في استتباب العدل ، وفي التخلص من الاقتصاد القائم على الاستئثار و الربا و التكاثر ، و في إشاعة الأخلاق الإنسانية ، و في الدفاع عن المظلومين في العالم ، و في السعي والعمل والابداع . ومن مستلزمات هذا البناء الحضاري النظرة الاجتهادية والعلمية للساحات المختلفة بدء من العلوم الإنسانية ونظام التربية والتعليم الرسمي ، مروراً بالاقتصاد والنظام المصرفي ، وانتهاء بالانتاج الفني والتقني ووسائل الإعلام الحديثة والفن والسينما بالإضافة إلى العلاقات الدولية وغيرها من الساحات . وتدل التجربة أن كل ذلك ممكن وفي متناول مجتمعاتنا بطاقاتها المتوفرة . و لا يجوز أن ننظر إلى هذا الأفق بنظرة متسرعة أو متشائمة . فالتشاؤم في تقويم قدراتنا كفران بنعم الله ، والغفلة عن الإمداد الإلهي ودعم سنن الكون انزلاق في ورطة : (الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ).
اننا قادرون على أن نكسر حلقات الاحتكارات العلمية و الاقتصادية و السياسية لقوى الهيمنة ، وأن نجعل الأمة الإسلامية سبّاقة لإحقاق حقوق أكثرية شعوب العالم التي هي اليوم مقهورة أمام أقلية مستكبرة .
ان الحضارة الإسلامية بمقوماتها الإيمانية والعلمية والأخلاقية وعبر الجهاد الدائم قادرة أن تقدم للأمة الإسلامية وللبشرية المشاريع الفكرية المتطورة والأخلاق السامية ، و أن تكون منطلق الخلاص من مظالم الرؤية المادية للكون و من الأخلاق الغارقة في مستنقع الرذيلة التي تشكل أركان الحضارة الغربية القائمة.
المسألة الثالثة : في اطار حركات الصحوة الإسلامية يجب الاهتمام باستمرار بالتجربة المرّة والفظيعة التي تركتها التبعية للغرب على السياسة والأخلاق والسلوك ونمط الحياة . فالبلدان الإسلامية خلال أكثر من قرن من التبعية لثقافة الدول المستكبرة وسياستها قد مُنيت بآفات مهلكة مثل الذيلية والذلة السياسية والفقر الاقتصادي وتهاوي الأخلاق والفضيلة، والتخلف العلمي المخجل، بينما الأمة الإسلامية تمتلك تاريخاً مشرقاً من التقدم في جميع هذه المجالات . و هذا الكلام لا ينبغي اعتباره مناصبة العداء للغرب ، نحن لا نكن العداء لأية مجموعة إنسانية بسبب تمايزها الجغرافي . اننا تعلمنا من علي عليه السلام ما قاله عن الإنسان أنه : «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» . و اعتراضنا إنما هو على الظلم و الاستكبار و التحكم و العدوان و الفساد والانحطاط الاخلاقي والعملي الذي تمارسه القوى الاستعمارية والاستكبارية ضد شعوبنا . و نحن الآن نشاهد أيضاً تحكّم و تدخل و تعنّت أمريكا و بعض ذيولها في المنطقة داخل البلدان التي تحوّل فيها نسيم الصحوة إلى نهوض عاصف وإلى ثورة . وعود هؤلاء وتوعداتهم يجب أن لا تؤثر في قرارات ومبادرات النخب السياسية وفي الحركة الجماهيرية العظيمة . و هنا أيضاً يجب أن ناخذ الدروس من التجارب . فأولئك الذين انشدّت قلوبهم لسنوات طويلة بوعود أمريكا و جعلوا الركون إلى الظالم أساسًا لنهجهم و سياستهم ، لم يستطيعوا أن يحلّوا مشكلة من مشاكل شعبهم أو أن يبعدوا ظلمًا عنهم أو عن غيرهم.بل إن هؤلاء باستسلامهم لأمريكا لم يستطيعوا أن يحولوا دون هدم بيت فلسطيني واحد على الأقل في إرض هي ملك الفلسطينيين . و على الساسة و النخب المخدوعة بالتطميع أو المرعوبة بتهديد جبهة الاستكبار و الذين يخسرون فرصة الصحوة الإسلامية ، أن يخشوا ما وجهه الله سبحانه إليهم من تهديد إذ قال : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ " .
المسألة الرابعة : إن أخطر ما يواجه حركة الصحوة الاسلامية اليوم ، إثارة الخلافات ودفع هذا الحراك نحو صدامات دموية طائفية ومذهبية وقومية ومحلية. هذه المؤامرة تتابع أجهزة الجاسوسية الغربية و الصهيونية تنفيذها اليوم بجدٍ واهتمام في منطقة تمتد من شرق آسيا حتى شمال أفريقيا وخاصة في المنطقة العربية بدعم من دولارات النفط والساسة المأجورين . و الأموال التي يمكن استخدامها في تحقيق رفاه خلق الله ، تُنفق في التهديد والتكفير والاغتيال والتفجير وإراقة دم المسلمين وإضرام نيران الأحقاد الدفينة . و قد راى أولئك الذين يرون في قوة اتحاد المسلمين مانعًا لتطبيق أهدافهم الخبيثة رأوا في إثارة الخلافات داخل الأمة الإسلامية أيسر طريق لتنفيذ اغراضهم الشيطانية ، وجعلوا من اختلاف وجهات النظر في الفقه والكلام والتاريخ والحديث ، وهو اختلاف طبيعي لا يمكن اجتنابه ، ذريعة للتكفير وسفك الدماء والفتنة والفساد . و لعل نظرة فاحصة لساحة النزاعات الداخلية تكشف بوضوح ان يد العدوّ وراء هذه المآسي . و هذه اليد الغادرة تستثمر دون شك الجهل والعصبية والسطحية في مجتمعاتنا ، و تصبّ الزيت على النار ما يجعل مسؤولية المصلحين والنخب الدينية والسياسية في هذا الخضمّ ثقيلة جداً .
ان ليبيا ، تعاني اليوم بشكل او باخر في معرض المعاناة من هذه النيران الخطرة ، و كذا الحال بالنسبة لمصر و تونس و سوريا وباكستان و العراق و لبنان و لابدّ من المراقبة الشديدة والبحث عن العلاج . و لعل من السذاجة أن نعزو كل ذلك إلى عوامل و دوافع عقائدية أو قومية . فالدعاية الغربية والإعلام الإقليمي التابع والمأجور يصوّران الحرب المدمّرة في سوريا بأنها نزاع سنّي ــ شيعي ، ويوفران بذلك مساحة آمنة للصهاينة وأعداء المقاومة في سوريا ولبنان . بينما النزاع في سوريا ليس بين طرفين سنة و شيعة ، بل بين أنصار المقاومة ضد الصهيونية ومعارضي هذه المقاومة . فليست حكومة سوريا حكومة شيعية ، ولا المعارضة العلمانية المعادية للاسلام مجموعة سنية . إنما المنفذين لهذا السيناريو المأساوي كانوا بارعين في قدرتهم على استغلال المشاعر الدينية للسذج في هذا الحريق المهلك.نظرة إلى الساحة والفاعلين فيها على المستويات المختلفة توضّح هذه المسألة لكل إنسان منصف . و هذه الموجة الإعلامية تؤدي دورها بشكل آخر في البحرين لاختلاق الكذب و الخداع . ففي البحرين هناك أكثرية مظلومة محرومة لسنوات طويلة من حق التصويت وسائر الحقوق الأساسية للشعب، قد نهضت للمطالبة بحقها . ترى هل يصح أن نعتبر الصراع شيعيا سنياً لأن هذه الأكثرية المظلومة من الشيعة ، والحكومة المتجبرة العلمانية تتظاهر بالتسنّن ؟!
و بالطبع فان المستعمرين الأوربيين و الأمريكيين و من لفّ لفهم في المنطقة يريدون أن يصوّروا الأمر بهذا الشكل ، لكن أ هذه هي الحقيقة؟! و هذا ما يستدعي من جميع علماء الدين المصلحين والمنصفين أن يقفوا تجاهه بتأمل ودقة وشعور بالمسؤولية ، و يحتم عليه أن يعرفوا أهداف العدو في إثارة الخلافات الطائفية والقومية والحزبية .
المسألة الخامسة : إن سلامة مسيرة حركات الصحوة الإسلامية يجب أن نبحث عنها فيما نبحث في موقفها تجاه قضية فلسطين . فمنذ ستين عامًا ، و حتى الآن لم تنزل على قلب الأمة الإسلامية كارثة أكبر من اغتصاب فلسطين . ان مأساة فلسطين منذ اليوم الأول و حتى الآن كانت مزيجاً من القتل و الارهاب و الهدم والغصب والاساءة إلى المقدسات الإسلامية . و لعل الصمود والنضال أمام هذا العدو المحارب هو موضع اتفاق جميع المذاهب الإسلامية و محل إجماع كل التيارات الوطنية الصادقة والسليمة . إنّ كل تيار في البلدان الإسلامية يتناسى هذا الواجب الديني والوطني انصياعاً للإرادة الأمريكية المتعنتة أو بمبررات غير منطقية يجب أن لا يتوقع غير التشكيك في وفائه للإسلام وفي صدق ادعاءاته الوطنية . و هذا هو المحكّ . فكل من يرفض شعار تحرير القدس الشريف وإنقاذ الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين أو يجعلها مسألة ثانوية ويدير ظهره لجبهة المقاومة ، يقف في دائرة الاتّهام . و لابد للأمة الإسلامية أن تضع نصب عينيها هذا المؤشر والمعيار الواضح الأساسي في كل مكان وزمان .
أيها الضيوف الأعزاء .. أيها الإخوة والأخوات
لا تبعدوا عن أنظاركم كيد العدوّ ، فإن غفلتنا توفّر الفرصة للعدوّ . إنّ درس علي عليه السلام لنا هو : «من نام لم يُنَم عنه» . و تجربتنا في الجمهورية الإسلامية هي بدورها مليئة بدروس العبرة في هذا المجال . إذ بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، بدأت الحكومات الغربية والأمريكية المستكبرة التي كانت منذ أمد بعيد تسيطر على طواغيت إيران وتتحكم في المصير السياسي والاقتصادي والثقافي لبلدنا، وتستهين بالقوة الضخمة للايمان الإسلامي في داخل المجتمع ، و كانت غافلة عن قوة الإسلام والقرآن في التعبئة والتوجيه ، بدأت تفهم فجأة ما وقعت فيه من غفلة،فتحركت دوائرها السيادية وأجهزتها الاستخبارية ومراكز صنع القرار فيها لِتَجبُرَ ما مُنيت به من هزيمة فاحشة . و قد رأينا خلال هذه الأعوام الثلاثين و بضع الأعوام أنواع المؤامرات و المخططات ، والذي بدّد مكرهم أساسًا هو عاملان : الثبات على المبادئ الإسلامية و الحضور الجماهيري في الساحة . و هذان العاملان هما مفتاح الفتح و الفَرَج في كل مكان . فالعامل الأول يضمنه الإيمان الصادق بالوعد الإلهي ، فيما العامل الثاني سيبقى ببركة الجهود المخلصة والبيان الصادق . ان الشعب الذي يؤمن بصدقِ قادته و إخلاصهم يجعل الساحة فاعلة بحضوره المبارك . وأينما بقي الشعب في الساحة بعزم راسخ فإن أية قدرة ستكون عاجزة عن إنزال الهزيمة به . و هذه تجربة ناجحة لكل الشعوب التي صنعت بحضورها الصحوة الإسلامية .
أسأل الله تعالى لكم و لكل الشعوب أن يسددكم و يأخذ بناصركم ويعينكم ويغدق عليكم شآبيب رحمته إنه تعالى سميع مجيب .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته





