حمد بن جاسم اوّل الرؤوس المتدحرجة في قطر اثر تنحية حمد بن ثاني بقرار أمريكي


حمد بن جاسم اوّل الرؤوس المتدحرجة فی قطر اثر تنحیة حمد بن ثانی بقرار أمریکی

فاجأ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني امير قطر المخلوع امريكيا ، مواطنيه و كافة المهتمين بالشأن القطري عندما استعجل تسليم مقاليد السلطة الى وليّ العهد الشيخ تميم ، اذ كان هذا الحدث متوقّعا أن يحصل بعد عطلة عيد الفطر ، أي في منتصف آب المقبل .

لكنّ الشيخ حمد قام في نهاية المطاف بتقديم الموعد الى يوم الخامس والعشرين من حزيران الجاري ، قاطعا بذلك الطريق على أي تجاذبات أو مناورات يمكن أن يلجأ اليها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية المقال عمليا و الذي يعتبر أحد اشد المعترضين على تولي الشيخ تميم موقع الامير ، و هو موقع يجعل منه صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في الدولة . و تولى الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني وزير الدولة للشؤون للداخلية ، رئاسة الوزراء خلفا للشيخ حمد بن جاسم الذي طالما تصدر المشهد السياسي والإعلامي القطر ي، وقد تقدمه عدد من أفراد الأسرة الحاكمة في صور وزعتها وكالات الأنباء و لم يعرض التلفزيون حضوره في «أفواج البيعة» التي توافدت لتقديم ولائها للأمير الجديد الشيخ تميم . وكان متابعون للشأن القطري لاحظوا في الايام القليلة الماضية أنّ حمد بن جاسم ، الخاسر الاوّل من انتقال السلطة في قطر الى الشيخ تميم ، صار أقلّ تعاونا . فبعد أن تظاهر بأنّه متفهم للامر ، راح يطرح شروطا و يهدد بفتح ملفات في حال لم يحفظ له دور ما في تسيير شؤون البلد في عهد الامير الجديد الذي يكنّ له كرها شديدا . و كانت نتيجة ذلك التعجيل في عملية التسلّم والتسليم عن طريق دعوة أعضاء مجلس العائلة الى اجتماع لابلاغهم بقرار الشيح حمد بن خليفة. كذلك ، جرى الردّ على حمد بن جاسم بأن هناك أيضا ملفات كثيرة يمكن أن تفتح ، بما في ذلك الملفّ المرتبط بابن شقيقه الاكبر الشيخ جبر بن يوسف الذي تولى خلال مرحلة معيّنة (2006-2009) ملف لبنان وارتبط بعلاقات قويّة جدا مع اطراف في لبنان يعاونه فريق من اللبنانيين بينهم رجال اعمال موجودون في قطر وصحافيون من لون معيّن يقيمون بين الدوحة وبيروت. ويتضمن هذا الملف مخالفات يمكن أن توصف بأنّها ضخمة . و قد كان ممكنا التغاضي عن كلّ ما حصل لو لم تنته المغامرة اللبنانية لجبر بن يوسف بكارثة جرى تحميل مسؤوليتها لحمد بن جاسم نفسه ، علما أن التكليف جاء في البداية بمباركة من وليّ العهد وبموافقة حمد بن خليفة . وأمام هذا الواقع، فضّل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري ، المنتهية صلاحيته ، الصمت والابتعاد بهدوء عن الاضواء والرضوخ للارادة الاميرية مكتفيا بالمطالبة بضمانات شخصية له ولثروته في مرحلة ما بعد حمد بن خليفة . وكان السؤال الاساسي الذي طرح نفسه في الاوساط العربية والدولية في ضوء تولي الشيخ تميم ابن الـ 33 عاما السلطة بدعم واضح من والدته الشيخة موزة بنت ناصر المسند واشقائه وشقيقاته هو : هل سيترك الرجل بصماته على السياستين الداخلية والخارجية لقطر؟ .
و من الواضح أن عملية "قصقصة" جناحي حمد بن جاسم بدأت قبل ما يزيد على خمس سنوات . ولم يجد الشيخ تميم مقاومة تذكر له على الصعيد الداخلي وذلك بتشجيع من والدته ودعم من والده واشقائه وابناء العائلات الكبيرة. وهذا عائد أصلا الى أن حمد بن جاسم شخص غير محبوب . فهو من النوع الذي "لا يشبع" على حد تعبير عدد كبير من الذين عرفوه عن كثب . فضلا عن ذلك ، انه شخص متعجرف لا يحسن اقامة علاقات مع افراد العائلة الحاكمة في قطر أو مع افراد العائلات الاخرى النافذة مثل آل العطية . و كان من بين النوادر التي سرت في اوساط القطريين في السنوات الخمس الاخيرة أن هناك حاجة الى انتظار ستة أشهر للحصول على موعد مقابلة مع "أبو جبر" . و لعب سوء ادارة حمد بن جاسم لوزارة الخارجية دورا في مجال ابعاده عن الملفات المهمة بشكل تدريجي . فبحجة أن عليه الانصراف ، كرئيس للوزراء أيضا ، الى قضايا أكبر تهمّ الشأن العام و كلّ ملفات الدولة بما في ذلك الاستثمارات الخارجية ، جرى تعيين خالد العطيّة في منصب وزير دولة للشؤون الخارجية . و الاخير محسوب على الشيخ تميم الذي صار موجودا في عرين الاسد وشريكا اساسيا في تسيير العمل اليومي للخارجية عن طريق العطية . و ترافق تقليص حجم نفوذ حمد بن جاسم في الخارجية و حتى في الاعلام ، الذي كان مسيطرا على جزء منه عبر جبر بن يوسف . فقد قرر الشيخ تميم انشاء مؤسسات خاصة به . وبعض هذه المؤسسات مرتبط بالاستثمارات الخارجية وبعضها الآخر بالاعلام والثقافة والرياضة، وقد نافست في بعض الاحيان المؤسسات التي كانت تشرف عليها والدته . وكان ملفتا في هذا المجال اصرار وليّ العهد على التخلص من السيطرة الكاملة للاخوان المسلمين على قناة "الجزيرة" . و لعب دورا أساسيا في ابعاد القيادي الاخواني وضّاح خنفر ، و هو فلسطيني ، عن الموقع الاهمّ في "الجزيرة" التي تحوّلت الى ما يشبه محطة يتقاسم النفوذ فيها اخوان مسلمون وآخرون منتمون الى ما يسمّى بالتيار العروبي من بقايا بعثيين وقوميين عرب ...
اضافة الى ذلك كلّه ، أسس الشيخ تميم ، مستعينا بـ عزمي بشارة النائب السابق في الكنيست الصهيوني الذي أصبح يصف نفسه بـ"المفكّر"، مواقع اخبارية يمكن وصفها بأنّها ليبرالية . و أحد هذه المواقع يعمل من بيروت . وهناك من يتحدث حاليا عن صحيفة ليبرالية تنوي قطر- الشيخ تميم اطلاقها من القاهرة وهي موجهة الى الجمهور المصري والليبي والتونسي ولا تتماشى مع التوجه الاخواني الذي شجعته قطر في عهد الامير الاب . و كان في أساس احتضان حمد بن خليفة للاخوان المسلمين الرغبة في الافادة ، مخابراتيا ، من شبكتهم المنتشرة في كلّ انحاء العالم من جهة ، و التنافس مع المملكة العربية السعودية اسلاميا من جهة أخرى . لكنّ هذه السياسة لم تأت بالنتائج المرجوة، خصوصا مع التجارب الفاشلة للاخوان في كلّ من مصر و تونس و ليبيا و اكتشاف الدوحة أن لديهم اجندة خاصة بهم لا تتفق بالضرورة مع الاجندة القطرية . وهذا يجعل الشيخ تميم يفكر بطريقة مختلفة تقوم على المراهنة على أكثر من تيّار في الوقت ذاته . و لا شكّ أنه يستفيد في هذا المجال من تجربة والده الذي وظّف دائما من يعتبرون أنفسهم "عروبيين" معادين لـ «اسرائيل» في سياسة براغماتية مارسها على كلّ المستويات من اجل اقامة قنوات اتصال علنية وغير علنية معها . و من بين اطرف الامثلة على ذلك ، ارسال شخصية من آل الكواري شغلت موقع سفير في واشنطن ثم وزير في الحكومة القطرية لتمثيله في جنازة اسحق رابين ، علما أن هذه الشخصية تقدّم نفسها بأنها "عروبية" و ترفض أي تطبيع مع «اسرائيل» ! .
وستكون البراغماتية العنوان العريض لعهد تميم بن حمد في قطر ، و هي تحتم في المرحلة الراهنة ، خصوصا في ظلّ السياسة التي تمارسها الدوحة على الصعيد السوري ، تقاربا مع دول الخليج الفارسي على رأسها المملكة السعودية .

الأكثر قراءة الأخبار الدولي
أهم الأخبار الدولي
عناوين مختارة