«الميدان» يُسقط حكم «الإخوان» والمصريون يستعيدون ثورتهم وطريقهم مليء بالتحديات


حقق الشعب المصري ، بملايينه التي ملأت "التحرير" و الميادين والشوارع والساحات ، في القاهرة و الإسكندرية وسائر المدن ومراكز المحافظات جميعاً، إنجازاً تاريخياً سيكون إيذاناً بفجر جديد و أسقط للمرة الثانية خلال عامين و نصف العام ، نظاماً سياسياً مستبداً بعد إسقاطه الطاغية المخلوع حسني مبارك و ذلك بعد ثلاثة أيام من صيحات «إرحل» التي ترددت أصداؤها في دنيا العرب كافة .

فقد استعاد المصريون ثورتهم العظيمة ثورة «25 يناير» و أعادوها إلى مسارها الطبيعي بعد يومين و ليلة ، وتوّجوا كفاح عام كامل لمواجهة المضي بثورتهم إلى مجهول كارثي النتائج . و بعد يومين من «الإنذار» العلني الذي وجهته القوات المسلحة بلسان قائدها الفريق أول عبد الفتاح السيسي إلى مرسي بضرورة تلبية المطالب الشعبية ، حسم الجيش الأمر مستنداً إلى الإرادة الشعبية ، فأعلن عزل مرسي وتكليف الرئيس الجديد للمحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور مهام رئيس الجمهورية مؤقتاً ، بانتظار انتخاب رئيس جديد وإنجاز دستور جديد . و تم الإعلان عن هذه القرارات التاريخية عبر لقاء نظمته قيادة الجيش في مقر الحرس الجمهوري و جمع أهم الرموز الدينية والسياسية لتوكيد الإجماع الوطني ، و هكذا تحدث ، بعد إعلان السيسي الخطوات التنفيذية للتغيير كل من : شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وبابا الكنيسة المرقصية تواضروس والدكتور محمد البرادعي ممثلاً جبهة الإنقاذ الوطني ومحمود بدر منسق حركة «تمرد» التي أثبتت خلال فترة الحسم قدرة تنظيمية لافتة على توحيد الشعارات والهتافات في مختلف الميادين. ومع إعلان هذه القرارات التاريخية تفجر الفرح مدوياً في مختلف أنحاء مصر ، بينما كانت طائرات الهليكوبتر العسكرية تراقب الوضع على الأرض .
في المقابل ساد صمت الخيبة ميدان رابعة العدوية الذي حشد فيه الإخوان جمهورهم منذ يوم الجمعة الماضي ، في حين اختفى معظم قياداتهم (أو أوقفت مع الرئيس المخلوع ، الذي أظهرته بعض الصور محاطاً بعدد من الضباط في مركز الحرس الجمهوري) .
و كان لافتاً أن العربية السعودية كانت أول دولة تبادر إلى تهنئة «الرئيس الجديد» ، بينما تريثت مختلف العواصم الدولية و العربية في إعلان موقفها . أما على المستوى الشعبي فقد عمت الفرحة مختلف الأقطار العربية وعبّر شبابها عن غبطتهم بهذا الإنجاز التاريخي الذي سيشكل نقطة تحول في اتجاه الغد الأفضل ، خصوصاً أن تأثيراته ستنعكس إيجاباً على حركة التغيير المتصاعد زخمها في العديد من الأقطار العربية الغارقة في مخاطر الحروب الأهلية أو المهددة بتفجرها عبر تغييب الوطنية في غياهب الحركات الدينية التي ثبت أنها لا تملك برنامجاً للتغيير ، كما ثبت ارتباطها الوثيق بالقرار الأميركي وتهاونها إلى حد التذلل مع العدو الصهيوني . و بعد ساعات من التوتر ، أعقبت انتهاء إنذار الساعات الثماني والأربعين ، التي أمهل خلالها الفريق أول عبد الفتاح السيسي القوى السياسية للاستجابة لمطالب الشعب ، أعلن وزير الدفاع المصري ، في كلمة متلفزة، أن «القوات المسلحة لم يكن بمقدورها أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب التي استدعت دورها الوطني وليس دورها السياسي». وأعلن السيسي عن «خريطة مستقبل» تتضمن خطوات أولية ، هي :
- تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت
- يؤدي رئيس المحكمة الدستورية العليـا اليميـن أمام الجمعية العامة للمحكمة
- إجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد
- لرئيس المحكمة الدستورية العليا سلطة إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية
- تشكيل حكومة كفاءات وطنية قوية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية
- تشكيل لجنة تضم الأطياف والخبرات كافة لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذي تم تعطيله مؤقتاً
- مناشدة المحكمة الدستورية العليا لسرعة إقرار مشروع قانون انتخابات مجلس النواب والبدء في إجراءات الإعداد للانتخابات البرلمانية
- وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن
- اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين الشباب ودمجهم في مؤسسات الدولة ليكون شريكاً في القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة
- تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات
و جاءت هذه التدابير ، في وقت اتخذت القوات المسلحة المصرية ، إجراءات مشددة على امتداد الأراضي المصرية لمنع أي إخلال بالأمن ، فيما تحدثت مصادر عسكرية عن صدور أوامر إلقاء قبض على 300 من قيادات الجماعة، بما فيهم المرشد العام محمد بديع و نائبه محمد البيومي و القيادي البارز خيرت الشاطر و رئيس «حزب الحرية العدالة» سعد الكتاتني ، وإدراجهم على قائمة الممنوعين من السفر .
و فيما سارع الملك السعودي عبد الله ودولة الإمارات الى الترحيب بالاطاحة بمرسي .. و لم يصدر أي شيء عن قطر ... أعرب الرئيس الامريكي باراك اوباما ، في بيان ، عن قلقه العميق لعزل مرسي و تعليق العمل بالدستور ، وطالب بعودة سريعة الى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً بأسرع ما يمكن . و قال اوباما إنه «أصدر توجيهات الى الاجهزة الاميركية المعنية لمراجعة أبعاد تدخل الجيش لتقرير هل سيكون لها أي تأثير على المعونة الأميركية لمصر». و حثّ اوباما «الجيش المصري على تفادي أي اعتقال تعسفي لمرسي وأنصاره» ، موضحاً انه «يتوقع ان يحمي الجيش الحق في التجمع السلمي». و حذر رئيس الاركان الاميركي الجنرال مارتن ديمبسي ، في مقابلة مع قناة CNN ، الجيش المصري اذا تبين أن ما قام به هو انقلاب على مرسي . و قال «هناك قوانين تحكم كيفية تعاطينا مع مثل هذه الأمور»، في اشارة الى إمكانية توقيف واشنطن مساعداتها العسكرية لمصر . من جانبه دعا وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ ، في بيان ، الى الهدوء في مصر ، لكنه لم يتحدث عن «انقلاب» مع تأكيده أنه ضد تدخل الجيش لتغيير النظام .
و جاء يوم أمس ليعيد إلى ثوار ميادين مصر روح ثورتهم و استقبل عشرات الملايين البيانات ، التي تلت بيان القوات المسلحة، بأمل كبير في تجنب خطايا المرحلة الانتقالية السابقة . و شعر المصريون باطمئنان و هم يرون عبر الشاشات شخصيات تمثل ثقلاَ معنوياً كبيراً ، تشارك في صنع ذلك الحدث التاريخي لإخراج الحل لمأزق إصرار الدكتور محمد مرسي على عدم الإصغاء لمطالب الشعب .
و كانت مصادر أكدت أن القوات المسلحة بحثت ، قبل نفاذ وقت المهلة التي حددتها ، سيناريوهات عدة :
• الأول يقضي بتجميد صلاحيات الرئيس وتشكيل حكومة ائتلافية ثم انتخابات رئاسية مبكرة
• الثاني فهو عزل الرئيس وفرض حالة الطوارئ في البلاد للسيطرة على أي أحداث تندلع عقب القرار الذي ستقوم القوات المسلحة باتخاذه
• الثالث قائم على تشكيل حكومة بصلاحيات رئيس جمهورية مع وجود رئيس الجمهورية من دون صلاحيات ، و انتخابات رئاسية مبكرة لا تتجاوز العام تترافق مع دستور يرضي الأطراف كافة

كما طرح أيضاً سيناريو تشكيل حكومة و تعديلات دستورية فقط ، والتقليل من صلاحيات الرئيس . كذلك تم التأكيد على أن القوات المسلحة «لن تكون طرفاً في الصراعات السياسية، وستعمل على التوافق بين القوى السياسية والأطراف كافة في مصر، وستكون حصناً لتأمين العملية الديمقراطية ، وإعادة الاتزان للبلاد». وذكرت المصادر أنه تم إبلاغ الحكومة الأميركية بأن المعونة العسكرية أمر غير مجدٍ ، و أن المؤسسة العسكرية أبدت استياءها من تهديدها بالمعونة، وأنها ترفض التهديدات بشأن ذلك .