ماذا جرى قبل قرار اوباما التراجع عن مهاجمة سوريا !
عشية عطلة نهاية الأسبوع المنصرم و بينما الجميع ينتظر و يترقب .. دعا الرئيس الامريكي مستشاريه الكبار ، بما فيهم مستشارته للأمن القومي سوزان رايس و نائباها أنتوني بلينكن و بنجامين رودز و رئيس أركان البيت الابيض دنيس ماكدونو ونائبه روب نيبورز وآخرين ، الى اجتماع في المكتب البيضاوي .
و في الاجتماع الذي استغرق ساعتين و شهد نقاشاً حاميا و حاداً ، أعلن أوباما أنه يريد التراجع و السعي الى الحصول على موافقة لخططه في شأن سوريا من كونغرس لم يتوان في السنوات الثلاث الاخيرة عن عرقلة خططه على كل الجبهات . أما حججه في ذلك فكثيرة بحسب مراسل “نيويورك تايمز” في البيت الابيض مارك لاندر ، بينها احساس بالعزلة بعد الانتكاسة القوية في مجلس العموم البريطاني ، اضافة الى أن تحركه وحيدا قد يضعفه في السنوات الثلاث المقبلة إذا احتاج فيها الى تفويض من الكونغرس لمواجهة عسكرية في الشرق الاوسط ، ربما مع ايران . هذا فضلا عن انباء اسقاط سوريا لطائرة امريكية من طراز الف 22 و 4 صواريخ من طراز "توماهوك" .
و قال مساعد كبير لاوباما أن “الرئيس لا يستطيع اتخاذ هذه القرارات بمعزل عن الشعب الاميركي والكونغرس … من يعرف ما سنواجه في السنوات الثلاث ونصف سنة المقبلة في الشرق الاوسط … إذا قرر ضرب سوريا من دون الكونغرس الان ، هل يحصل على (تأييد) الكونغرس عندما يحتاج اليه حقا؟”. لم يكن قرار اللجوء الى الكونغرس ما كان بعض المستشارين ، بمن فيهم رايس، يتوقعون سماعه، بعدما أيدوا ضربات صاروخية لمنشآت عسكرية في الايام المقبلة .
عمليا ، أنهى اجتماع المكتب البيضوي أحد أكثر الاسابيع غرابة في ادارة أوباما بدا فيه الرئيس الاميركي مضطراً للتحرك بعد شهد على “انتهاك” النظام السوري “الخط الاحمر” الذي رسمه له محذرا اياه من استخدام الاسلحة الكيميائية ضد شعبه .
لكن الصحيفة الاميركية نقلت عن مستشارين رئاسيين أنه حتى عندما هيأ أوباما نفسه لهجوم الاسبوع الماضي، كانت تساوره شكوك في شأن المبرر السياسي والقانوني للتحرك، نظرا الى أن مجلس الامن رفض اعطاء الضوء الاخضر للضربة . وزادت مناشدات نواب له لتصويت في الكونغرس شعوره بعزلة محتملة.
و في بيانه السبت في حديقه الورود الذي عكس غضبه من استخدام السلاح الكيميائي وتردده في التدخل العسكري ، أنهى أوباما أسبوعا بدأ السبت الماضي عندما دعا مجلسه للأمن القومي الى الاجتماع. في ذلك الاجتماع، قال أوباما بحسب أحد مساعديه :”لم أتخذ قرارا بعد في شأن عمل عسكري…ولكن عندما كنت أتحدث عن أسلحة كيميائية، هذا ما كنت أقصده”، في اشارة الى “الخط الاحمر” الذي رسمه للنظام السوري.ومذذاك،شرع البيت البيض يصوغ أقوى الحجج لتدخل عسكري.وعلى هذا الاساس، أصدر البيت الابيض في اليوم التالي بيانا يقلل الحاجة الى انتظار محققي الامم المتحدة لان “أدلتهم” شوهت بالقصف المستمر للمواقع التي تعرضت للأسلحة الكيميائية. والاثنين، ألقى وزير الخارجية جون كيري خطابا مدويا اتهم فيه بشار الاسد ب”وقاحة أخلاقية”. ومنتصف الاسبوع الماضي، نقل صحافيون مراراً عن مسؤولين في الادارة الاميركية أن الادارة لن ترتدع أمام الافتقار الى موافقة من مجلس الامن . ومع ذلك ، كان تردد أوباما واضحاً وعلنياً.فبينما قدم كيري الجمعة حججه الاقوى ضد الاسد،بدا أوباما حذراً يزين كلماته بتحذيرات في شأن المستوى المتواضع للعملية واقراره بارهاق الاميركيين من الحرب.
في غضون ذلك ، تابع مستشارو البيت الابيض بعصبية المأساة التي حصلت على الضفة المقابلة من الاطلسي . كانوا يعرفون أن محاولة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الفوز بتفويض مجلس العموم البريطاني لتدخل صعبة، الا أن سقوط الاقتراح في تصويت أولي شكل انتكاسة كبيرة.ومع أن مساعدين للرئيس قالوا قبل التصويت البريطاني إن أوباما مستعد لشن ضربة من دون انتظار التصويت البريطاني الثاني المقرر غدا الثلثاء، حرم غياب المباركة البريطانية واشنطن مستوى آخر من الشرعية . واستنادا الى صحف أميركية، كان أوباما منزعجاً مما اعتبره تعثر كاميرون وسوء ادارته الوضع، الا أنه لم يعلق علنا على هذا الامر.الا أن مساعدين نقلوا عنه الجمعة أن شكوكه زادت بعد قرار مجلس العموم، وبات مقتنعاً بوجوب الحصول على موافقة الكونغرس.وقال لهم:”نحن أيضاً لدينا شعب منهك من الحرب”. ويذكر أن دعم أوباما حملة حلف شمال الاطلسي ضد ليبيا ابان عهد معمر القذافي ترك أثرا سلبيا في أوساط الكثيرين في الكونغرس . و قد وقع نحو 140 نائبا من الجمهوريين والديموقراطيين رسالة تطالب أوباما بتصويت على ضرب سوريا. وإذ كانت حجة الادارة الاميركية ضرورة التحرك بسرعة في ليبيا لمنع مذبحة في حق الثوار في بنغازي، يقول مساعدون في البيت الابيض إن ذلك الالحاح لا ينطبق في وضع سوريا. ويوضح أحدهم أن رئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي أبلغ الى أوباما أن الضربة المحدودة التي يفكر فيها ستكون بالفاعلية نفسها إذا حصلت “في غضون ثلاثة أسابيع أو في غضون ثلاثة أيام”. وأبعد من مسألة الشرعية السياسية، نقل مساعدون عن أوباما الجمعه أنه منزعج من أن يكون سماحه بعمل عسكري آخر من دون اللجوء الى الكونغرس مناقضاً لروح خطابه في الربيع الماضي والذي حاول فيه رسم تحول من حال الحرب الدائمة في الولايات المتحدة منذ هجمات 11 أيلول 2001.
كل هذه الامور كانت بحسب مراسل “نيويورك تايمز” في بال أوباما عندما دعا رئيس أركان البيت الابيض الى نزهة مسائية مبكرة الجمعة في الحديقة الجنوبية للبيت الابيض.في حينه ، كان موظفو البيت الابيض في الجناح الغربي يأملون في العودة باكرا الى منازلهم لاعتقادهم أنهم سيمضون عطلة نهاية الاسبوع في العمل . لكن بعد ذلك بـ 45 دقيقة، أي قبل السابعة مساء بوقت قصير، دعا أوباما مستشاريه ليبلغ اليهم أنه قرر تنفيذ ضربة عسكرية ولكن بعد اللجوء الى الكونغرس.
كانت معارضة المجتمعين واضحة.أبدى مستشاروه السياسيون قلقهم من امكان خسارته التصويت ، على غرار ما حصل مع كاميرون، الامر الذي قد يعقد الاولويات التشريعية الاخرى للبيت الابيض.وجادل فريقه للأمن القومي بأن الدعم الدولي لعملية قد لا يتطور . التاسعة مساء ، رفع أوباما الاجتماع واتصل بكيري ووزير الدفاع تشاك هيغل ليبلغ اليهم خططه .




