"صبرا و شاتيلا" مجزرة العصر التي ارتكبها الصهاينة في ذكراها الـ 31
تصادف اليوم ، السادس عشر من ايلول ، الذكرى الـ 31 لمجازر مخيم صبرا و شاتيلا ، التي وقعت في العام 1982 ، تلك المجازر المروعة التي استمرت على مدى ثلاثة أيام و قتل خلالها ما بين 3500 إلى 5000 فلسطيني و لبناني من أصل عشرين ألف نسمة كانوا يسكنون المخيم وقت حدوث المجزرة ، معظمهم من الأطفال و النساء والشيوخ المدنيين العزل .
و تعود ذكرى مجازر "صبرا و شاتيلا" من جديد مشبّعة برائحة الموت التي لم تبرح المكان رغم مرور واحد و ثلاثين عاما ، حيث يستعيد شريط الأحداث التي سجلتها ثلاثة أيام من "أيلول أسود" جديد ، كما في كل عام ، ليحجز لنفسه مكاناً في الذاكرة الجماعية الفلسطينية و العربية و الاسلامية . ففي 16 أيلول بدأت المجزرة في مخيمي صبرا و شاتيلا للمشردين الفلسطينيين في بيروت و في 18 أيلول كان المشهد قد اكتمل : نساء وأطفال و كبار في السن ، انتشرت جثثهم في أزقة المخيم ، بل حتى الأجنة في أرحام الأمهات لم تسلم من وحشية مرتكبي ما بات يعرف بـ"مجزرة العصر" . و بدأت المجزرة بعد تطويق المخيم من قبل جيش الإحتلال الصهيوني الذي كان تحت قيادة الارهابي أرئيل شارون وزير الحرب آنذاك ، و إنزال مئات المسلحين بذريعة البحث عن 1500 مقاتل فلسطيني كانوا انذاك خارج المخيم في جبهات القتال ولم يكن في المخيم سوى الأطفال والشيوخ والنساء الذين باتوا هدفا للمسلحين الصهاينة الذين لم يرحمو ا الطفل الصغير ولا الشيخ الكبير ، وبعد ارتكاب المجزرة البشعة دخلت الجرافات «الإسرائيلية» لجرف المخيم وهدم المنازل.

واكد معظم المراقبين السياسيين ان المجزرة نفذت انتقاما من الفلسطينيين الذين صمدوا في مواجهة آلة الحرب الصهيونية خلال ثلاثة أشهر من الحصار الذي انتهى بضمانات دولية بحماية سكان المخيم العزل بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، لكن الدول الضامنة لم تفِ بالتزاماتها وتركت الأبرياء يواجهون مصيرهم قتلا وذبحا وبقرا للبطون ، ولبث الرعب في نفوس الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة خارج لبنان، وتأجيج الفتن الداخلية هناك، واستكمال الضربة التي وجهها الاجتياح الصهيوني عام 1982 للوجود الفلسطيني في لبنان، وتأليب الفلسطينيين ضد قيادتهم بذريعة أنها غادرت لبنان وتركتهم دون حماية.

وعلى أثر المجزرة أمرت حكومة الإحتلال المحكمة العليا بتشكيل لجنة تحقيق خاصة، وقرر رئيس المحكمة العليا إسحاق كاهان، أن يرأس اللجنة بنفسه، وسميت 'لجنة كاهان'، وأعلنت اللجنة عام 1983 نتائج البحث. حيث حملت وزير الحرب انذاك ارئيل شارون مسؤولية غير مباشرة عن المذبحة لتجاهله إمكانية وقوعها ولم يسع للحيلولة دونها، كما انتقدت اللجنة رئيس الوزراء مناحيم بيغن، ووزير الخارجية اسحق شامير، ورئيس أركان الجيش رفائيل ايتان وقادة المخابرات، موضحة أنهم لم يقوموا بما يكفي للحيلولة دون المذبحة أو لإيقافها حينما بدأت.

ولم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا أول المجازر الصهيونية التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني ، كما لن تكون آخرها بالتأكيد، فقد سبقتها مجازر قبية ودير ياسين والطنطورة، وتلتها مجزرة مخيم جنين، ومجازر غزة وغيرها، ورغم بشاعة ما جرى من قتل وتدمير في صبرا وشاتيلا، وهو ما شهده العالم أجمع، لا يزال الفاعلون طلقاء.

مشاهدات ميدانية
و هنا ننقل لكم ما رواه شهود عيان عن مجزرة صبرا وشاتيلا . فقد كتب المراسل الغربي المعروف ديفيد هرست مؤلف كتاب ( البندقية وغصن الزيتون) ، عن هذه المجزرة قائلا : ان اول مجموعة من مليشيات حزب قوات الكتائب وتضم 150 مسلحا دخلت مخيمي صبرا و شاتيلا بعد عبورها حاجز عسكري صهيوني وهي تحمل سكاكين اضافة الى سلاحها الناري . و استمرت المجزرة لمدة 48 ساعة وتواصلت حتى اثناء الليل ، بعدما اضاءت القوات الصهيونية اطراف ووسط المخيمين . واضاف ، ان مليشيات الكتائب المدعومة من قبل القوات الصهيوينة ، كانت تدخل البيوت عنوة وتقتل حتى من كان نائما ، والبعض من افراد تلك المليشيات كان يعذب الفلسطيني قبل قتله ، كأن يخرج حدقة العين من مكانها ، او يقطع اجزاء من جسم الفلسطيني وهو حي ، اويبقر بطنه ، ووصل بهم الحال الى الاعتداء على النساء ومن ثم اطلاق الرصاص عليهن لقتلهن ، والانكي من كل ذلك كانوا يقطعون جسد الطفل الصغير الى قسمين ثم يضربون راسه بالحائط . و اضاف هرست في معرض وصفه لجرائم الصهاينة و عملائهم في حزب الكتائب ، كانوا يسحلون الفلسطينيين بالشوارع بعد ربط ايديهم بسيارة ، كما قطعوا ايدي البعض لسرقة ما فيها من حلي . و بعد عدة ايام من ارتكاب المجزرة دخلت عدة بلدوزرات الى داخل المخيم لتدفن الضحايا وتدمر بيوتهم .
اما غازي خورشيد مؤلف كتاب ( الارهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة ) فقد كتب عن مجزرة صبرا وشاتيلا قائلا : شاهدت اجساد خمسة نساء وعدد من الاطفال مرمية على الارض ، واحدى النساء ملابسها ممزقة والى جانبها راس مقطوع لبنت وهي تنظر بنظرات غاضبة الى قاتليها ، كما شاهدت امراة شابة مطروحة على الارض وهي تحتضن طفلها الصغير والرصاص قد اخترق جسدها وجسد طفلها .
الى ذلك وصف الصحفي والمراسل الحربي البريطاني توني كليفتون الذي كان في تلك الايام في بيروت ، وصف في مذكراته "الصهاينة" بـ"الوحوش" ، فبعد تفقده مستشفى الاعصاب المدمر في مخيم صبرا ، قال ، هل يمكن اطلاق تسمية اخرى غير الوحشية على هذا العمل ؟ كما ذكر في كتابه (السماء تبكي ) ، الامر الذي هز اعماقي واثار شجوني هو مشاهدة شخص مطروحا على الارض واثار الحروق تغطي كل جسده ، ومن بعد اتضح ان مليشيات حزب الكتائب قد صبت عليه البنزين قبل احراقه وتحوله الى كتلة من الفحم .
من جهة اخرى ، استعرض ذوو بعض الضحايا جانبا اخر من اجرام القوات الصهيونية والكتائبية ، حيث قال البعض منهم ان المجرمين كانوا يستخدمون السكاكين الكبيرة في قتل الفلسطينيين وتمزيق اجسادهم ، ويعتدون على النساء قبل قتلهن ، ويبقرون بطون النساء الحوامل قبل صب البنزين عليهن وعلى اطفالهن لحرقهم . هذا فيما كشف شهود عيان اخرين ، ان الجنرال اموس يارون قائد القوات الصهيونية في لبنان ، كان يراقب من فوق سطح مبنى يقع على بعد 200 متر من المخيم احداث المجزرة المروعة ، وبعد ابلاغ الجنرال رافائيل ايتان رئيس اركان الجيش الصهيوني انذاك بتفاصيل المجزرة ، طلب من قواته مواصلة اجرامهم حتى الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي ، واضافوا بعد اتمام الجريمة ومغادرة القوات العسكرية المخيم دخلت البلدوزرات الصهيونية التي عمدت الى ايجاد الحفر لدفن الضحايا وحتى المزيد من الاحياء ، وقد شوهدت على اجساد البعض جروح عميقة بشكل صليب .
اما (جنات عبد اللطيف) احد الشهود الاحياء على دفن الضحايا في المقابر الجماعية ، فقد قالت : لجأت يوم الجمعة الى مستشفى غزة ، و صباح يوم السبت تم محاصرة المستشفى، القوات المحاصرة عمدت الى فصل النساء والاطفال الفلسطينيين عن غير الفلسطينيين ، نقلوا الفلسطينيين الى ملعب رياضي ، ثم وضعوهم في حفرة وطلبوا منهم ان يستلقوا على الارض ، وبعد دقائق شرعوا باطلاق النارعليهم ، ومن بعد القوا التراب عليهم لدفن القتلى والاحياء منهم .
اما مؤلف كتاب ( معارك بيروت ) ميكائيل جانسون ، فقد اشار الى ان عمليات تنفيذ المجزرة استمرت لاربعين ساعة ، وان البلدوزرات كانت اهم اداة للقتل والتدمير واخفاء معالم الجريمة . كذلك اشار ماك برايد مؤلف كتاب «اسرائيل في بيروت» الى دور البلدوزرات في ارتكاب القتل والتدمير واخفاء معالم الجريمة ، وقال بعد ارتكاب المجازر دخلت البلدوزرات المخيمين لتسارع في ايجاد الحفر الكبيرة والقاء اجساد الضحايا فيها . هذا فيما استعرض مراسلان امريكيان يعملان لمجلة نيوزويك جوانب اخرى من الجرائم التي ارتكبت في صبرا وشاتيلا بقولهما، ان مليشيات الكتائب كان تدخل غرف النوم ، وتقتل من تجده امامها ، وقد اشارا الى انهما شاهد جثث لزوج وزوجته واطفالهما ، وفي مكان اخر شاهدا عشرة جثث مكدسة فوق بعضها البعض والرصاص قد اخترق كل اجزاء اجسادهم . فيما قال صحفي اسكندنافي ان رائحة الدماء كانت تشم في كل مكان داخل المخيم ، و اضاف كنت اقف خلف احد الجدران وانظر بحذر لما يحدث امامي ، شاهدت بلدوزرات تدخل المخيم بعد فترة قصيرة من انقطاع اصوات الرصاص ، وشرعت بجمع الجثث وتكديسها فوق بعضها قبل نقلها الى مقابر جماعية اعدت لدفن تلك الجثث . و ذكرت صحيفة التايم اللندنية ، انذاك ، انه "لم يبق ارهابي في المخيميين على قيد الحياة ، لان «الاسرائيليين» وعملاطهم من مليشيات حزب الكتائب قالوا انهم لم يأخذوا معهم حتى اسيرا واحد" .





