المواجهة بين اوباما والجمهوريين تدخل أسبوعها الثاني والأزمة المالية تدخل مرحلة حاسمة الأسبوع المقبل

فيما تدخل المواجهة السياسية بين الرئيس الامريكي باراك اوباما و الحزب الجمهوري أسبوعها الثاني ، انعشت وتيرة اللقاءات المتسارعة بينهما الآمال رويداً .. لتخبو سريعاً بتمترس الطرفين ، وتستمر حالة الشلل في أداء الأجهزة الحكومية المختلفة بينما اكد تقرير هام إنّ الأزمة المالية في الولايات المتحدة الامريكية ستدخل مرحلة حاسمة الأسبوع المقبل .

و مع قدوم الأسبوع المقبل تدخل الأزمة مرحلة حاسمة بعيدة عن الإستقطابات والتحالفات ، إذ سيبلغ حجم الانفاقات الحكومية أعلى سقف له في ظل عدم توّفر تشريع يخوّل الحكومة الإقتراض مجدداً . وتتلخّص المبادرة التي عرضها الحزب الجمهوري للالتفاف حول الأزمة في سن تشريع مؤقت يخوّل السلطة التنفيذية رفع سقف الإقتراض المالي ، يستمر لعشية "عيد الشكر" الشهر المقبل . وينذر تشبث الطرفين، حتى اللحظة، بإخفاق الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها العالمية وما سيرافقه من تداعيات على المستوى الدولي . و تقتضي الحكمة والمهارة والحنكة السياسية بذل ما يلزم لتفادي السقوط من حافة الهاوية المالية، بيد أن ضغوط الأقلية في الجناح الأشد محافظة في الحزب الجمهوري ، "حزب الشاي" ، لا زالت تراوح مكانها بعدم تقديم تنازلات تعين الرئيس اوباما على تخطي الأزمة الإقتصادية . تجدر الاشارة إلى تبلور إرهاصات وحراك جديد لقوى ومصالح يمثلها تقليدياً الحزب الجمهوري ، أساطين رأس المال في "وول ستريت" ، لتوبيخ الأقلية المعطلّة للنزول عن الشجرة العالية، مدركة تضرّر استثماراتها ومصالحها بوتيرة سريعة إن لم تحسم الأزمة . أما في الشق المالي الصرف ، فمن المستبعد للحكومة ترك الأمور تجري على عواهنها، خاصة مع تفاقم تردي الأوضاع وتخلّف الدولة عن الوفاء بالتزاماتها وديونها المترتبة (الفائدة على الديون، والسندات المالية)؛ والتي ينبغي الفصل بينها وبين المستحقات الأخرى الدورية العائدة لجيش من المتعاقدين ومؤسسات المشتريات والخدمات للحكومة ومتلقي المساعدات الاجتماعية، وكل منهم على حدة سيتعرض لأزمة مالية حقيقية لكنها لن تصعد لمستوى أزمة العجز عن الوفاء بالإلتزامات المركزية .  
ومن الناحية العملية ، في ظل غياب اتفاق بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، برفع سقف الإقتراض ، لا يتوقع أن يؤدي ذلك إلى اخفاق الدولة عن الوفاء بالتزاماتها بصورة تلقائية، بل يشكّل ضغطاً اضافياً عليها بضرورة التصدي الفوري لتقليص العجز العام. يذكر أن نسبة الاقتراض تبلغ نحو 40% من مجموع الانفاق الحكومي . و لتوضيح النتيجة القائلة بعدم بلوغ الحكومة حافة الهاوية ، فإن فائدة القروض الشهرية المستحقة تبلغ نحو 25 مليار دولار ، بالتزامن مع استحقاقات أكبر حجماً بلغت نحو 95 مليار دولار لعام 2012 تم تسديدها . بديهياً ، مدخول وزارة المالية تتراوح قيمته بين شهر وآخر، إذّ من المتوّقع أن تحصل الخزينة على رفد مالي بحجم 175 مليار دولار الشهر الجاري، وأقلّ منه قليلاً للشهر المقبل، ونحو 250 ملياراً في شهر كانون الأول ، استناداً إلى المعطيات الراهنة .
أمّا حسابياً ، فيتم رفد الميزانية بنحو 7 أضعاف ما تنفقه الدولة لتسديد فوائد قروض الدين العام؛ مما يعززّ الفرضية بعدم حتمية تخلفها عن الوفاء بالتزاماتها المالية في المدى المنظور . كما بوسع الدولة تأجيل الإقتراض شريطة عدم تجاوز السقف الحالي المرسوم .     
و تبرز إحدى تجليات الأزمة في البعد الدستوري للإقتراض الحكومي ، إذّ ان السلطة التنفيذية لديها مدخّرات كافية في وزارة المالية تحول دون اقترابها من الأزمة ، كما تنص المادة الرابعة من التعديل الدستوري الرابع عشر والذي جاء فيها "صلاحية الدين العام للولايات المتحدة ، المخول قانونياً .. لا ينبغي مساءلته" . النص الكامل لمسألة الإقتراض يضمن وفاء الدولة لمستحقات الديون وليس بوسع الرئيس أوباما تجاهل النص الدستوري خشية تقديمه للمحاكمة . ومن ضمن البرامج الحكومية المستحقة و الضاغطة زمنياً برنامج الرعاية الإجتماعية، الذي ينبغي تسديد استحقاقاته الهائلة في الأول من الشهر المقبل ، وهو البرنامج عينه الذي عقد الحزب الجمهوري العزم على تقليصه وربما ترحيله كلياً في ظل مناخ تزايد اعداد المتقاعدين سنوياً . و من حق الرئيس اوباما اختيار عدم الوفاء بالتزامات البرنامج ، دستورياً ، بيد من شبه المؤكد انه سيتعرض لأمر قضائي لصرف المبالغ المستحقة . في ظل غياب اتفاق يلوح في الأفق ، سيتعرّض الطرفان لضغط كبير لتقليص حجم الانفاق في برامج حكومية اخرى، مع تشبث كل فريق بـ "بقرته الحلوب" .    
أمّا عن تسيّيس سقف الاقتراض، فليس بالأمر الجديد أو الطارىء. فقد برز بقوة إبّان عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان في معركة الطرفين للعضّ على الأصابع بغية إرغام الطرف المقابل تقديم تنازلات أساسية، وبعضهم إيديولوجية. وقد شهدت فترة عامي 1985-1987 توّصل الطرفين لتسوية تتيح رفع سقف الاقتراض (الذي طالب به ريغان)، رافقه استخدام كل فريق ما توفر في جعبته من تدابير وثغرات دستورية تضمنّت تهديد الرئيس ريغان باستخدام "الفيتو" ، مما أضطر عودتهما لطاولة الحوار .
آنذاك، رمى الحزب الديموقراطي استغلال سقف الإقتراض لفرض علاوات ضرائبية يرافقها تقليص حجم الانفاقات العسكرية. أمّا الرئيس ريغان فقد لجأ لحيلة إصدار قرارات رئاسية ملزمة خولت وزارة المالية "السطو" على مدخرات صندوق الرعاية الإجتماعية كمصدر دخل لتمويل النفقات الحكومية المستحقة. وها هي الأحداث التاريخية تعيد انتاج مواقف مشابهة .     
و دامت المواجهة آنذاك ، وحال الشلل، أربعة أسابيع ونيّف، أتبعها الكونغرس بسنّ تشريع مؤقت (عرفت بإسم الثلاثي: غرام، ردمان، هولينغز) يرضي الطرفين تضمّن اجراءات تقليص الإنفاق الحكومي – مما يعيد إلى الأذهان اسلوب شبيه لخفض حجم الانفاق قبل اشهر معدودة تحت مسمى "حجز" الانفاق . 
و تكرر الأمر عينه عام 1986 عقب الانتخابات النصفية التي فاز فيها الحزب الديموقراطي بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، وهو المسيطر على مجلس النواب. نجاح زعماء الحزب الديموقراطي في جولات المفاوضات المتعددة مع السلطة التنفيذية حفز التوجه للتلويح باستخدام سلاح "سقف الإقتراض" كوسيلة ضغط لتحقيق مآربهم السياسية؛ وتباهى الحزب بانجازاته في رفع معدلات الضرائب وخفض حجم الانفاقات العسكرية .    
وعليه ، باستطاعة المرء الاستنتاج انه حين يتقاسم الحزبان السيطرة على الكونغرس والبيت الابيض تطفو على السطح مسألة سقف الاقتراض وسيلة ضغط ضد البيت الابيض الرافض لها ، بغض النظر عن هوية الرئيس الحزبية ، بل بإمكاننا القول إن المسألة أضحت هي المعيار وليس الإستثناء .