النص الكامل لنداء ولي أمرالمسلمين لحجاج بيت الله الحرام
وجه ولي أمر المسلمين قائد الثورة الاسلامية سماحة الامام السيد علي الخامنئي ندائه السنوي إلى حجاج بيت الله الحرام أكد فيه أن الجماعات التكفيرية المتطرفة إنما هي نتيجة لمخططات أجهزة الاستخبارات الأجنبية و أنها لعبة بيد الصهيونية والغرب لسفك دماء المسلمين و خلق الفتنة بين المذاهب الإسلامية محذرا من أن الأوضاع التي تمر بها الأمة الإسلامية إن استمرت على ما هي عليه الان .. فانها ستؤدي إلى نسيان قضية فلسطين ما يستدعي تكريس وحدة المسلمين و معرفة أعداء الأمة بدقة ومواجهة مخططاتهم .
ودعا ولي امر المسلمين ، الشعوب الاسلامية كافة الى رص الصفوف و التوحد و نبذ الاختلاف و الفرقة ومواجهة الفتن التي تنخر في جسد العالم الاسلامي و المسلمين وتصب في ريع اعدائهم . و أعتبر سماحته في ندائه الذي تمت قراءته اليوم الاثنين خلال مراسم "البراءة من المشركين" التي أقيمت في صحراء عرفات ، ان أي قول أو عمل يشعل نار الاختلاف بين المسلمين و ينال من مقدساتهم ، خيانة بالإسلام و محرّم شرعا لانه يخدم معسكر الكفر .

و فيما يلي النص الكامل للنداء :
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين وصحبه المنتجبين
ان حلول موسم الحج يعد عيدا كبيرا للامة الإسلامية . و هو فرصة ثمينة توفرها هذه الأيام الكريمة لمسلمي العالم كل عام ، و وصفة معجزة لو عُرفت قيمتها و وُظفت بالشكل المناسب فإنها ستعالج كثيرا من الأضرار ونقاط الضعف في العالم الاسلامي .
ان الحج نبع متدفق للفيض الالهي . وكل واحد منكم أيها الحجاج السعداء حالفه الحظ لتطهير القلب و الروح بالشكل المناسب من خلال هذه الاعمال و المناسك المملوءة بالصفاء والمعنويات . فلتتزودوا من نبع الرحمة والعزة و القدرة لجميع عمركم من خلال الخشوع والتسليم في مقابل الله الرحيم والالتزام بالواجبات التي وضعت على عاتق المسلمين والنشاط والفعالية والمبادرة لاعمال الدين والدنيا و التراحم والعفو في التعامل مع الاخوان، والجرأة والثقة بالنفس في مقابل الحوادث الصعبة والأمل بعون الله ومساعدته في كل مكان وفي كل شيء . و بعبارة وجيزة يمكنكم العمل على صناعة و اعداد أنفسكم كانسان على الطراز الاسلامي في هذه الساحة الالهية للتعليم والتربية وتزيين أنفسكم بهذه الخصال والافادة من هذه الذخائر لوطنكم وامتكم وفي النتيجة أخذها كهدية للامة الاسلامية .
إن أكثر ما تحتاجه الامة الاسلامية اليوم هو أناس يتمتعون بالفكر والعمل إلى جانب الايمان والصفاء والاخلاص ، والمقاومة في مقابل الأعداء الحاقدين إلى جانب الاعداد المعنوي والروحي . و هذا هو الطريق الوحيد لنجاة المجتمع الاسلامي الكبير من المصائب التي تلم به جهارا من قبل الأعداء أو بسبب ما علق بهم في الأزمان السالفة من ضعف العزم والايمان والبصيرة . و لا شك أن العصر الحاضر هو عصر الصحوة و اكتشاف الهوية بالنسبة للمسلمين . و هذه الحقيقة يمكن التوصل إليها بوضوح من خلال الأزمات التي تواجهها الدول الاسلامية. وفي هذه الظروف بالذات فإن العزم و الإرادة المعتمدة على الإيمان و التوكل والبصيرة والتدبير يمكنها أن تأخذ بأيدي الامم الاسلامية في هذه الازمات إلى النصر ورفع الرأس أن يكون مصيرها العزة والكرامة .
إن الجبهة المقابلة التي لا تطيق يقظة وعزة المسلمين استنفرت جميع وسائلها الأمنية والنفسية والعسكرية والاقتصادية والدعائية لإرباك المسلمين و قمعهم و إلهائهم بأنفسهم . و نظرة واحدة على وضع دول غرب اسية من باكستان وافغانستان الى سوريا والعراق وفلسطين ودول الخليج الفارسي ودول شمال افريقيا ايضا من ليبيا و مصر الى السودان وبعض الدول الاخرى يوضح كثيرا من الحقائق : الحروب الداخلية و العصبيات الدينية والطائفية العمياء والاضطراب السياسي ، وانتشار الارهاب الصارخ وظهور مجموعات وتيارات متزمتة تقوم على طريقة الاقوام المتوحشين في التاريخ بشق صدور البشر وتمزق قلوبهم بأسنانها ، والمسلحون الذين يقتلون الاطفال والنساء ويقطعون رؤوس الرجال ويعتدون على اعراضهم . وفي بعض الحالات يتم ارتكاب هذه الجرائم المخجلة والمثيرة للاشمئزاز باسم الدين وتحت رايته .
إن كل ذلك هو نتاج المخططات الشيطانية و الاستكبارية للأجهزة الامنية الأجنبية وعملاء الحكومات العميلة لها في المنطقة وهي تحصل في الدول التي تتوفر فيها الأرضيات المستعدة. وتحول حياة شعوبها إلى جحيم وتذيقهم المرارة. ومن المؤكد انه في مثل هذه الاوضاع والظروف لا يمكن توقع ان تقوم الدول الاسلامية بتلافي النواقص المادية والمعنوية والوصول الى التقدم العلمي والاقتدار الدولي الذي هو من بركات الصحوة و وجدان الهوية .
هذه الاوضاع المؤسفة يمكن أن تجعل الصحوة الاسلامية عقيمة وأن تهدر الاستعدادات الروحية التي ظهرت في العالم الاسلامي وتعيد مرة أخرى الامم الاسلامية الى حالة الركود والانزواء والانحطاط وتدفع الى زوايا النسيان قضاياها الاساسية والمهمة كإنقاذ فلسطين والامم الاسلامية من المؤامرات الامريكية والصهيونية .
إن العلاج البنيوي والأساسي يمكن تلخيصه في جملتين وكلاهما من ابرز دروس الحج :
الأولى : اتحاد و تآخي المسلمين تحت لواء التوحيد
الثانية : معرفة العدو و مواجهة مخططاته وأساليبه
إن تقوية روح الاخوة والتآخي هي درس الحج الأكبر . ففي الحج الجدال والخشونة مع الآخرين ممنوعة ، و اللباس واحد ، و الاعمال واحدة والحركات واحدة والتعامل الرؤوف هنا يعنى المساواة والاخوة بين جميع الاشخاص الذين يعتقدون بمركز التوحيد . وهذا هو جواب الاسلام الصريح لكل فكر وعقيدة ودعوة تدعو لاخراج فرقة من المسلمين المؤمنين بالكعبة والتوحيد من دائرة الاسلام . إن العناصر التكفيرية صارت اليوم ألعوبة بيد الساسة الصهاينة الغدارين وحماتهم الغربيين و راحت تقوم بجرائم كبيرة و تسفك دماء المسلمين والابرياء . و ليعلم الدعاة و المتلبسين بلباس رجال الدين ، الذين ينفخون في نار الاختلافات بين الشيعة والسنة وأمثالها .. ليعلموا أن نفس مراسم الحج تبطل مدعاهم .
انني ككثير من علماء الاسلام و الحريصين على الامة الاسلامية اعلن مرة اخرى ان اي قول او عمل يشعل نار الاختلاف بين المسلمين ، و اي اهانة لمقدسات اي من الفرق الاسلامية او تكفير احد المذاهب الاسلامية ، هو خدمة لمعسكر الكفر والشرك و خيانة بالاسلام ومحرم شرعا . ان معرفة العدو و اساليبه هي الركن الثاني ، كما لا يجوز الغفلة عن وجود العدو الحاقد او نسيانه . والمراسم المتعددة لرمي الجمرات في الحج هي علامة رمزية على هذا الاستحضار الذهني الدائم لعدم الغفلة عن العدو .
ثانيا : لا يجوز الوقوع في خطأ تحديد العدو الاساسي الذي يتجلى اليوم في جبهة الاستكبار العالمي و الشبكة الصهيونية المجرمة .
ثالثا : يجب تشخيص اساليب هذا العدو المعاند و المتمثلة بإيقاع الفرقة بين المسلمين وترويج الفساد السياسي والاخلاقي وتهديد وتطميع النخب والضغط الاقتصادي على الشعوب والتشكيك في العقائد الاسلامية كما يجب معرفة المرتبطين به وأياديهم سواء ارتبطوا به عن قصد أو غير قصد .
إن دول الاستكبار و في مقدمتها امريكا وبمساعدة وسائلها الاعلامية الواسعة والمتطورة ، تقوم باخفاء وجهها الحقيقي كما تقوم بخداع الرأي العام للامم والشعوب من خلال التظاهر بحماية حقوق الانسان و الديمقراطية. إن هؤلاء يتظاهرون بالدفاع عن حقوق الشعوب في الوقت الذي تكتوي فيه الشعوب الاسلامية بكل كياناتها بنار فتنهم كل يوم اكثر من الماضي .
إن نظرة واحدة الى الشعب الفلسطيني المظلوم الذي يتلقى يوميا طعنات الجرائم الكيان الصهيوني و حماته على مدى عشرات السنين او الى بلدان افغانستان و باكستان والعراق حيث حول الارهاب ، الذي هو وليد سياساتهم الاستكبارية وأياديهم الاقليمية ، حياة شعوبها الى جحيم .
و هكذا النظرة الى سوريا التي تتعرض بجريرة دعم تيار المقاومة ضد الصهيونية إلى امواج حقد المستكبرين الدوليين و عملائهم في المنطقة ، حيث أضحت اسيرة حرب دموية (داخلية) . و هكذا الامر بالنسبة الى البحرين أو الى ميانمار حيث يتم التعامي عما يتعرض له المسلمون هناك من محن و يتم دعم أعدائهم . و كذلك النظرة الى الشعوب الاخرى التي يتم تهديدها عسكريا باستمرار من قبل امريكا او حلفاؤها او تحاصر اقتصاديا أو تهدد امنيا .. فإن كل ذلك يري الوجه الحقيقي لقادة النظام السلطوي . و على النخب السياسية والثقافية والدينية في جميع انحاء العالم الاسلامي أن تلتزم ببيان هذه الحقائق . و هذا واجب اخلاقي وديني يقع على عاتقنا جميعا .
و على دول شمال افريقيا التي هي في معرض الاختلافات العميقة للاسف اكثر من غيرها ، أن تنتبه الى هذه المسؤولية العظيمة ، أعني معرفة العدو و أساليبه و ألاعيبه . فإن استمرار الاختلافات بين التيارات الوطنية والغفلة عن خطر الحرب الداخلية في هذه البلدان يعد خطرا كبيرا لا يمكن تلافي اضراره الكبيرة على الامة الاسلامية في المدى القريب . و اننا بالطبع لا شك لدينا بأن الشعوب التي نهضت في تلك المنطقة وجسدت الصحوة الاسلامية لن تسمح _بإذن الله_ بعودة عقارب الساعة الى الوراء وعودة الزعماء الفاسدين والعملاء والديكتاتوريين لكن الغفلة عن دور القوى الاستكبارية في اثارة الفتن و التدخل التخريبي ستزيد من صعوبة عملهم وستؤخر عصر العزة والامن والرفاه لسنوات . نحن نثق بقدرة الشعوب و بالقدرة التي وضعتها حكمة الله في عزم وايمان وبصيرة جماهير الشعب و نؤمن بها من اعماق القلب ورأينها بأم اعيننا قبل ثلاثة عقود في الجمهورية الاسلامية في ايران و عايشناها بكل كياننا . إن عزمنا هو دعوة جميع الشعوب الاسلامية الى النظر في تجربة اخوانهم في هذا البلد العزيز والذي لا يعرف الكلل .
أدعو الله تعالى أن يصلح حال جميع المسلمين و أن يدفع كيد أعدائهم و يقبل حجكم يا حجاج بيت الله الحرام . و أسأله السلامة لكم في الجسد و الروح وأن يفيض عليكم من خزائن رحمته .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته





