سولانا : المفاوضات والدبلوماسية هما السبيل الوحيد لحل ملف ايران والفرصة سانحة الآن .. لكنها لن تظل إلى الأبد


اعتبر خافيير سولانا ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن و وزير الخارجية الاسباني سابقا ان أحدث جولة من المفاوضات في جنيف بين إيران ومجموعة 5+1 حركت بعض التفاؤل الحذر حيث أصبحت الفرصة سانحة كما يبدو للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني و بالرغم من أن تفاصيل الاجتماع ليست علنية فإن نجاحه النسبي واضح .

وافادت وكالة تسنيم الدولية بان سولانا  لفت في مقال بصحيفة "بروجيكت سنديكيت" ، الى  التقارب بين إيران والغرب وفي المقام الأول بين إيران والولايات المتحدة حيث اعتبر بانه من شأنه أن يخلف عواقب جيوستراتيجية إيجابية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط الا انه لا يزال الطريق طويلاً أمام إيران لإحداث تحسن دائم في علاقاتها مع الغرب . لكن ما يتعين على إيران أن تقوم به ليس العائق الوحيد فهناك عناصر استراتيجية فاعلة أخرى لابد من وضعها في الحسبان ، و من المؤكد أن «إسرائيل » ستشكل عقبة رئيسة تحول دون التوصل إلى اتفاق . ففي نفس اللحظة التي شهدت بداية المفاوضات في جنيف ، قال نتانياهو في "الكنيست"  إن احتمال شن هجمة وقائية على المنشآت النووية في إيران لا يمكن استبعاده . و اوضح سولانا في مقاله انه من الواضح أن "نتانياهو " جعل من برنامج إيران النووي أولويته القصوى في السياسة الخارجية ، فهو يشكك في نوايا إيران ويريد تفكيك محطات الطاقة النووية لديها بالكامل، ومكمن التخوف هنا هو أنه ما دامت إيران تحتفظ بقدرات نووية متبقية ـ ولو حتى للاستخدام المدني ـ فإنها سوف تظل قادرة على إنتاج أسلحة ذرية من شأنها أن تهدد«إسرائيل » . وكما أوضح  في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأول من أكتوبر، فإن المسؤولين في «إسرائيل » لا يثقون برغبة أو قدرة الحكومة الجديدة في إيران على تغيير المسار . واضاف قائلا  ان "السعودية  تستشعر ايضا أنها أصبحت مهمَلة بفعل التقارب الاميركي الوشيك مع الجمهورية الإسلامية الايرانية ، إلى الحد الذي جعلها ترفض مقعداً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للإعراب عن غضب قادتها . و حتى في أيام "الشاه" كانت السعودية تخشى أن تتحول إيران القوية إلى قوة إقليمية مهيمنة . و الواقع أن إيران هي الدولة صاحبة ثاني أضخم ناتج محلي إجمالي في المنطقة بعد  السعودية، وهي أيضاً ثاني أكبر دولة في المنطقة من حيث عدد السكان بعد مصر، وتخشى السعودية أن يؤدي الاتفاق المحتمل الذي لا بد أن يسفر عن رفع العقوبات ـ إلى تمكين إيران من تنشيط اقتصادها وبسط نفوذها . و نوه سولانا الى ان هذه ليست أفضل لحظات التحالف السعودي الأميركي حيث  يأتي الخلاف بشأن إيران تالياً لرفض أميركا قصف سوريا (منافس آخر للسعودية في المنطقة) و التي تسعى السعودية الآن إلى الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد . و ترى أن اتفاق أميركا مع روسيا على تدمير أسلحة سوريا الكيميائية يعني التخلي عن هدف إسقاط الأسد . ونتيجة لهذا فإن السعودية الآن هي الداعم المالي الأكبر للمتمردين السوريين (و واحدة من المؤيدين الرئيسيين للجيش المصري بعد إزاحته في يوليو لخليفة مبارك محمد مرسي) . و اوضح سولانا إن إيران و روسيا هما الحليفان الرئيسان للحكومة السورية و الجهتان الفاعلتان الخارجيتان الوحيدتان القادرتان على تغيير الموقف في دمشق ، و من المقرر مبدئياً أن تبدأ محادثات جنيف 2 بشأن سوريا في الثالث والعشرين من نوفمبر، ولو أن الأخضر الإبراهيمي الممثل الخاص المشترك لمنظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية المعني بسوريا أعرب بالفعل عن شكوك بشأن مدى ملاءمة الاجتماع في غياب ممثلين جديرين بالثقة لقوى المعارضة . و تبدي السعودية عداءً شديداً لمؤتمر جنيف الثاني لأن المحادثات الدبلوماسية الرسمية مع دمشق تعني ضمناً الاعتراف باحتفاظه بالشرعية بحكم الأمر الواقع وبالنسبة للسعوديين فإن الحل المقبول الوحيد يبدأ باستقالة الأسد و حكومته ، في حين يسعى مؤتمر جنيف الثاني إلى تشكيل حكومة انتقالية تمثل الأطراف كافة . و اشار خافيير سولانا  الى ان صناع السياسات في أميركا يواجهون صعوبة كبيرة فقد أصبح المتطرفون في الحزب الجمهوري في موقف ضعيف بالكونغرس الأميركي بعد اتفاق اللحظة الأخيرة على رفع سقف الديون الأميركية وإعادة تشغيل الحكومة في حين خرج الرئيس باراك أوباما من هذه الواقعة أكثر قوة ، لكن الأمر برمته يشكل سابقة خطيرة و ذلك أن أي اتفاق يمكن تصوره مع إيران لابد أن يتضمن رفع العقوبات الاقتصادية ، وهو ما يتطلب موافقة تشريعية  وبالتالي يجعل أي صفقة مقترحة عُرضة لقِصَر النظر و ضيق الأفق في الكونغرس . و نوه سولانا الى الدور الاوروبي في هذا الشان قائلا "ان اوروبا لديها فرصة جيدة لتبرئة نفسها من خلال الالتزام بسياسة خارجية موحدة ومتماسكة وفعّالة . والواقع أن الاتحاد الأوروبي الآن ، و من خلال كاثرين أشتون الممثلة الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن ، اضحى يشكل لاعباً رئيساً في المفاوضات بين إيران ومجموعة 5+1 فضلا عن ان أشتون تحظى بثقة جميع الأطراف . ومن الأهمية أن يتحرك الاتحاد الأوروبي الان برشاقة وسرعة وأن يحافظ على التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة . وعندما يحين الوقت لرفع العقوبات فيتعين على أوروبا أن تنسق بشكل وثيق مع الولايات المتحدة من أجل ضمان أقصى قدر ممكن من الفعالية لهذه الخطوة . و اكد سولانا ان التفاوض والدبلوماسية يشكلان السبيل الوحيد المضمون لحل المواجهة مع إيران بشأن برنامجها النووي ، والدخول في صراع آخر في الشرق الأوسط هو الخيار الأسوأ على الإطلاق لكن اغتنام الفرصة الفريدة اليوم مع إيران يتطلب رؤية بعيدة المدى من جانب جميع الأطراف ولابد من وضع المصالح الوطنية فوق الاعتبارات الانتخابية اذ ان الفرصة سانحة الآن للتفاوض .. لكنها لن تظل كذلك إلى الأبد .

* خافيير سولانا ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي و وزير خارجية إسبانيا سابقا ، و هو حالياً رئيس مركز إيساد (ESADE) للاقتصاد العالمي و الجغرافيا السياسية وزميل متميز لدى معهد بروكنيغز