الصحافي عبد الباري عطوان : الايرانيون الكاسب الاكبر من الاتفاق التاريخي مع الغرب .. والعرب ايتام على مائدة اللئام
رصد الاعلامي العربي عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة "راي اليوم" الالكترونية في مقال حمل عنوان (الايرانيون الكاسب الاكبر من الاتفاق التاريخي مع الغرب.. والعرب ايتام على مائدة اللئام » ردود افعال تل ابيب والرياض ، تجاه الاتفاق النووي بين ايران والسداسية الدولية في جنيف ، ليحدد من خلالها ما اذا كان هذا الاتفاق جيدا او سيئا .

وقال عطوان : ليس من عادة المسؤولين السعوديين الرد بسرعة على الاحداث السياسية ، حيث يفضلون دائما التريث ، لكن من غير المتوقع ان يكونوا ممنونين لتوقيع هذا الاتفاق الذي يشكل صدمة بالنسبة اليهم ، وهم الذين هيئوا جبهتهم الداخلية طوال الاعوام الاربعة الماضية لحرب مع ايران ، وتصعيدها الى رأس قائمة الاعداء ، واستخدام الخلاف المذهبي معها ارضية للتحريض ضدها ، والدول الحليفة لها. اما بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الصهيونية فقد كان اكثر وضوحا عندما فتح سرادق للعزاء في قلب القدس المحتلة ، وبدأ يستقبل المعزين . فمنذ اللحظة الاولى اعلن ان هذا الاتفاق “خطأ تاريخي” بينما قال وزير خارجيته افيغدور ليبرمان انه “خطر” على «اسرائيل» ، و بدأ الحديث عن قدرة ايران على امتلاك قنابل قذرة تسرب الى “الارهابيين” . واضاف : بموازين الربح والخسارة يمكن ان نقول وبكل ثقة، ان ايران التي “دوخت” المفاوضين الغربيين ، ولعبت على اعصابهم من خلال ادارتها لتعجلهم ، والامريكي منهم على وجه الخصوص ، للتوصل الى اتفاق ، خرجت هي الرابح الاكبر ، لانها رسخت حقها في تخصيب اليورانيوم على ارضها، ولم تتنازل عن هذا الحق حتى اللحظة الاخيرة.وعلينا ان نتذكر ان الازمة بين ايران والغرب بدأت قبل عشر سنوات تخللتها حشود عسكرية ، وتهديدات بالحرب ، بسبب اقدام ايران على تخصيب اليورانيوم بدرجة اقل من خمسة في المئة ، والتشكيك في نواياها من هذا التخصيب ، اي ان الازمة لم تكن بسبب نسبة التخصيب ، وانما مبدأ التخصيب نفسه ، والاتفاق “شرعن” هذا المبدأ من قبل الدول العظمى . و اوضح عطوان ، ان جون كيري وزير الخارجية الامريكي قال ان الاتفاق مؤقت ، وان النص لا يقول ان لايران الحق في تخصيب اليورانيوم ، وهذا صحيح ، ولكن الاتفاق لم يقل ايضا بانه محرم عليها التخصيب ، مضافا الى ذلك ان جميع الاتفاقات المؤقتة تتحول الى دائمة ، وعلمنا التاريخ انه عندما تبدأ المفاوضات فانها لا تتوقف ، وان توقفت فلفترة مؤقتة . واكد ان هناك عدة نقاط يجب التوقف عندها عند اجراء دراسة سريعة للاتفاق ومواقف الدول المختلفة منه :
*اولا : حالة العداء التي استمرت ثلاثين عاما بين ايران والغرب باتت شبه منتهية ، وان الغرب على وشك الاعتراف بايران قوة اقليمية عظمى يجب تقاسم النفوذ معها في منطقة الشرق الاوسط.
*ثانيا : فشلت «اسرائيل» فشلا ذريعا في منع تخصيب ايران لليورانيوم ، مثلما فشلت في منع اتفاقها مع الدول العظمى ، وهذا يعني تراجع «اسرائيل» وتقدم ايران في الحسابات الغربية.
*ثالثا : نجحت ايران في تأسيس “مدرسة” جديدة في علم التفاوض ، عندما صمدت في مسابقة “عض الاصابع″ ، فلم تتنازل مطلقا عن خطوطها الحمر ، وان قدمت تنازلا ففي الهوامش ونسب التخصيب.
*رابعا: حافظت ايران على ابقاء وسلامة جميع منشآتها النووية بما في ذلك اجهزة التخصيب (الطرد المركزي) ، والاهم من ذلك ان العلماء والعقول الايرانية باقية ومستعدة لمواصلة عملها في اي لحظة، هذا اذا لم تكن مستمرة.
*خامسا: الاتفاق وما نص عليه من تخفيف للعقوبات ، سيؤدي الى تحسن تدريجي للاقتصاد الايراني ، وارتفاع الانتاج القومي الايراني من 480 مليار دولار حاليا الى 900 مليار دولار في سنوات معدودة اي ما يوازي الانتاج القومي التركي .
العرب ، و«الخليجيون» منهم على وجه التحديد ، ونحن نتحدث هنا عن انظمة وليس شعوبا ، هم الخاسر الاكبر من هذا الاتفاق ، فقد تخلت عنهم امريكا والغرب ، بعد ان سرقت اموالهم في صفقات اسلحة تزيد عن 130 مليار دولار، بعد ان ضخمت من الخطر الايراني لتصعيد مخاوفهم ، ودفعتهم للوقوف موقف المعادي من ايران وكل معتنقي المذهب الشيعي تقريبا.
وبعد ان طرح عبد الباري عطوان سؤالا عن الاستراتيجية التي يمكن ان يتبعها هؤلاء في مواجهة هذا التحول الاستراتيجي في موازين القوى في المنطقة وتحالفاتها ؟ .. اعرب عن اسفه ، للقول بانه لا توجد استراتيجية ولا يحزنون ، فالدول الثلاث التي كانت تحقق التوازن الاستراتيجي في المنطقة اي العراق وسورية ومصر دمرها العرب ، وحكام الدول العربية في الخليج (الفارسي) بالذات من خلال قبولهم بأن يكونوا ادوات في السياسة الخارجية الامريكية ومصالحها في المنطقة ، فالعراق يعيش حربا اهلية ، وسوريا تشهد حربا بالانابة على ارضها ، اما مصر فمقسمة بين نظام عسكري تدعمه السعودية والامارات، وحركة الاخوان المسلمين التي تقول انها صاحبة الشرعية وتدعمها قطر . وتابع كاتب المقال : العرب يتقاتلون على ارضهم ، ويمزقون اركانهم الاستراتيجية ويغرقون المنطقة في الحروب الاهلية الطائفية ، فهل هؤلاء يستطيعون وضع استراتيجيات لحرب ايران او حتى منافستها ، وبعد ان القى بهم الحليف الامريكي في سلة المهملات ؟ لا اعتقد ذلك . واكد عطوان ، ان نقطة التحول الرئيسية التي ادت الى توقيع هذا الاتفاق وقلب المعادلات الراسخة في المنطقة ، هو ان امريكا تشعر بالقرف من العرب و «الاسرائيليين» معا، وقررت تغيير سياستها الخارجية والكف عن خوض الحروب بالنيابة عنهم ، واول قرار في هذا الصدد هو التطبيع السياسي مع ايران بعد ثلاثين عاما من العداء ، مضافا الى ذلك ان جميع حروبها في الشرق الاوسط التي ورطها فيها العرب و«الاسرائيليون» انتهت الى كوارث ، ولم تحل المشلكة التي ذهبت من اجلها بل خلقت مشاكل اكبر لامنها واقتصادها ، وانظروا ما حدث في افغانستان والعراق وليبيا وما يحدث حاليا في السعودية . ونوه ، الى ان العرب يحتاجون الى مراجعة جذرية لكل اخطائهم ، ومرة اخرى نقول اننا نتحدث عن حكام منطقة الخليج ( الفارسي) الذين يهيمنون حاليا بمالهم على القرار العربي ، مراجعة تعترف بالواقع الجديد ومتغيراته ، وتبدأ في وضع خطة طويلة المدى لاعادة العرب على الخريطتين الاقليمية والدولية بقوة ، ليس كمشترين لاسلحة لا تستخدم وانما لتصنيعها ، وبناء مشاريع القوة السياسية والعسكرية ، والكف عن سياسة المناكفات ، مثلما هو حادث بين السعودية وقطر حاليا ، ورصد عشرات المليارات في هذا الصدد . و اردف قائلا : العرب اصابتهم عدوى ادارة الرئيس بوش ، اي اصبحوا خبراء في التخريب ، اي تخريب دولهم ، والعجز عن البناء ، اي بناء قوتهم ، مثلما اصبحوا متميزين في خلق الاعداء دون ان يملكوا اسباب القوة لمواجهتهم . وحتى تتم هذه المراجعة الاستراتيجية ، لا بد ان يعترف العرب بايران قوة اقليمية عظمى ويتعاطوا معها على هذا الاساس ، ويتحاورون معها تماما مثلما فعلت امريكا والغرب.






