«الأخبار» : محمود عباس عرّاب مؤتمر "جنيف 2"

رمز الخبر: 294082 الفئة: دولية
الاخبار محمود عباس

كشف الخبير بشؤون الشرق الاوسط الاعلامي "سامي كليب" لصحيفة "الاخبار" اللبنانية معلومات هامة عن مساعٍ حثيثة بذلها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس العام الماضي ، لوأد الحرب في سوريا ، تفاديا لتدخل خارجي في الأزمة ، سارداً لتفاصيل و وثائق و اجتماعات هامة .

و كتب سامي كليب لصحيفة "الأخبار" تحت عنوان "محمود عباس عرّاب "جنيف 2" ، قائلا : 

لم ينتبه كثيرون إلى عبارة خطيرة وردت في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، أمام المجلس الإستشاري الأخير لحركة "فتح" ، عندما أشار إلى أن "مشروع جنيف 2 صناعة فلسطينية" . قد يكون في التوصيف بعض مغالاة ، لكن فيه ، أيضاً ، كثيراً من الواقعية تكشفها وثائق توفّرت مؤخراً حول دور «أبو مازن» في الدفاع عن سوريا والمساهمة في اطلاق سراح المخطوفين اللبنانيين في أعزاز . و لعلّ هذا الدور ، الذي بقي بعيداً من الاضواء ، اكتسب أهمية خاصة أيضاً لأنه تزامن مع الاتهامات السورية لحركة «حماس» بالتورّط في الحرب . أمر مهّد لعلاقة اشتدت أواصرها لاحقاً مع القيادة السورية . و ليس محمود عباس طارئاً على سوريا . عرفها مذ وصلها يافعاً مع اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة. لا يزال، حتى اليوم، يرسم للبلد الشقيق والمضيف صورة مشرقة يذكرها كلما طاب له ذكرها. حين غرقت سوريا في حربها، اختار «ابو مازن» ان يبحث عما يصلح ذات البين وينحو صوب حل سياسي. أدرك عباس، ذو التجربة الطويلة في العمل السياسي، أن من مصلحة الفلسطينيين المقيمين على الاراضي السورية أن يبقوا في منأى عن الصراع ، لكنه لم يفلح كثيراً في منعهم من الغرق فيه. كانت تدخلات اخرى في المخيمات ، خصوصاً اليرموك ، أقوى من مساعيه .
سعى عباس ، بداية ، إلى ربط علاقات مع بعض أطراف المعارضة الداخلية. كانت الإتصالات الأولى مع هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة ، و تحديداً مع كل من حسن عبد العظيم و لؤي حسين والدكتورة منى غانم وزيرة شؤون الأسرة سابقاً وأمينة سر تيار بناء الدولة . أرسل موفدين إلى دمشق تحت غطاء بحث الملف الفلسطيني. أسند ربط الخطوط من دمشق إلى بيروت فعمان إلى الناشط الفلسطيني نضال السبع، ابن المناضل سعيد السبع أول مدير لمكتب منظمة التحرير في الجزائر والسودان وممثل فلسطين في مؤتمر القمة العربي الذي عقد بعد نكبة 1967 والمجاهد إلى جانب الشهيد عبد القادر الحسيني.
• بقرادوني على الخط
كانت فكرة «ابو مازن» أنه لا بد من حوار سوري ــــ سوري. سعى حثيثاً إلى ذلك. لكنه بحث، أيضاً، عن كيفية إعادة ربط بعض خيوط الإتصال بين القيادة السورية وكل من المشير عبد الفتاح السيسي في مصر والرئيس الأميركي باراك اوباما.
زار الوسيط الفلسطيني دمشق في 7 آذار / مارس 2013. قصد رئيس جهاز الامني القومي اللواء علي المملوك. جرى بحث في الإحتمالات. كان المملوك قد أعدّ نسختي «دي في دي» تحتويان الكثير من المعلومات المتعلقة بعمليات «القاعدة» في سوريا وصوراً لبعض العمليات الخطيرة. سلّمت إحدى النسختين إلى الوزير السابق ورئيس حزب الكتائب سابقاً كريم بقرادوني الذي كلّف بنقلها الى «ابو مازن» في عمان . كان بقرادوني على خط بعض الاتصالات مع المعارضة الداخلية السورية بغية البحث عن قواسم مشتركة بينها وبين القيادة السورية . بعض الاجتماعات لأطراف المعارضة حصلت في منزله في بيروت. في مرحلة لاحقة، بلورت القيادة الفلسطينية في رام الله مشروعاً لحل سياسي قدّمته إلى هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة. أرسلت نسخة منه إلى منسق هيئة التنسيق في المهجر هيثم منّاع. كانت النصيحة الفلسطينية ان تتوحّد هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة والمعارضة الداخلية في جبهة سياسية واحدة لتشكيل نواة صلبة وتوسيع هامش المعارضة. تزامن ذلك مع فتح قناة اتصال بين لؤي حسين والشيخ معاذ الخطيب رئيس «الائتلاف السوري المعارض» يومها. ساهمت الاتصالات في اقناع الخطيب بالمجاهرة بالاستعداد للحوار مع النظام. اعتقد البعض ان اميركا نصحته بذلك . نفت واشنطن ليتبين ان ناصحيه هم فلسطينيون . حصل لقاء، بالصدفة أيضاً، في أحد فنادق عمان مع الرئيس الحالي لـ «الائتلاف» أحمد الجربا. كان الوسيط الفلسطيني هناك مع وفد تيار بناء الدولة.
توالت خطوات معارضة الداخل لتشكيل نواة صلبة للمعارضة، واقناع معارضة الخارج بتوسيع النواة والاتجاه نحو حل سياسي تفاوضي. عقد في جنيف «مؤتمر جنيف للمعارضة الديمقراطية السورية» يومي 28 و29 كانون الثاني/ يناير2013، أعقبه اجتماع «الحلف المدني الديمقراطي» يومي ٢ و٣ آذار/ مارس الماضي. صاغ الحلف مبادرة تفيد بقبوله «عدم وضع شروط مسبقة للحوار مع النظام»، لكنه اضاف «ضرورة ان يكون للحوار عنوان واضح هو الدخول في مرحلة انتقالية، اعتماداً على بيان "جنيف ١" والوصول، عبر التفاوض، إلى حكومة بصلاحيات كاملة وإنتخاب رئيس جديد».
تلقى الوسيط الفلسطيني نسخة من البيان الختامي. ناقشها مع بقرادوني. تبيّن أن فيها الكثير من النقاط الايجابية التي يحتمل أن يوافق النظام عليها. صيغت من البيان ثماني نقاط نُقلت الى اللواء المملوك الذي سرعان ما سأل الوسيط: «من اين جئت بها؟». بعد ثلاثة ايام جاء الجواب من القيادة السورية: «الورقة جيدة، ولكن دمشق تتحفظ عن بند الحكومة بصلاحيات واسعة، كما يحق للرئيس بشار الأسد أن يترشح في أي انتخابات رئاسية جديدة». نصح المسؤول السوري، كذلك، بضرورة أن يشدد «ابو مازن» في لقاءاته الدولية على دور «القاعدة» وتنامي الإرهاب في سوريا.
تلقت منى غانم التحفظات السورية . استهجنت، بداية، صياغة البنود الثمانية، وسألت من اين جاءت. قال الوسيط انها خلاصة بيان الحلف المدني الديمقراطي في فرنسا. قالت: «اننا متمسكون بنقاط البيان، بما فيها ما يتعلق بالصلاحيات والرئيس».
• عباس لأوباما : فليترشح الاسد
سجل الوسيط الفلسطيني التحفظات وأرسل الورقة ببنودها وتحفظاتها إلى الرئيس عباس في ١١ آذار/ مارس ٢ ١٣. ذهب بعدها بيومين إلى موسكو، وقدّم الورقة إلى الرئيس الروسي . اهتم فلاديمير بوتين بالإقتراحات. وسّع الاجتماع ليضم كلاً من وزير الخارجية سيرغي لافروف ونائبه ميخائيل بوغدانوف بوصفهما المكلفين من الكرملين بمتابعة ملف الأزمة السورية.
عاد عباس من موسكو ليستقبل بعد أسبوع ، وتحديداً في ٢ آذار/ مارس ٢ ١٣ الرئيس الأميركي باراك أوباما في رام الله . قال له ابو مازن : «هذه ورقة تحوز بالحد الأدنى على موافقة كل الأطراف» . توقف أوباما عند تحفظات النظام على بندي المعارضة بخصوص الصلاحيات وعدم ترشح الأسد . سارع عباس للنصح بتجاوز الشروط المسبقة . قال : «ليطرح هذا الموضوع للتفاوض في جنيف ٢، فحين نذهب للتفاوض يجب أن لا نحدد ما يجب أن نختلف أو نتفق عليه مسبقاً». قال اوباما إن من الصعب القبول بترشّح الأسد ، فردّ أبو مازن : «لنعتبر أن المواطن السوري بشار حافظ الاسد يريد الترشح ، كيف ستمنعه ؟ لننتظر ماذا تقول نتائج صندوق الانتخاب» . بدا أوباما موافقاً على تجاوز هاتين النقطتين. لاحقاً ، قال الرئيس الفلسطيني لبعض المقربين «ان قضية ترشح الاسد سُحبت من التداول الدولي ، و لم تعد السبب الذي يحول دون جلوس مكوّنات الازمة السورية على طاولة التفاوض الحر» . ثمة من نقل عنه أكثر من ذلك: «لقد قطع النظام السوري مرحلة الخطر».
تبيّن ان ورقة التفاوض قطعت، هي الأخرى، مرحلة الخطر. صارت مادة جيدة لـ «جنيف 2» . نوقشت في لقاء وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة . بعد ذلك، وصل بوغدانوف إلى لبنان مروراً بطهران . فور وصوله ، عقد لقاء مع وفد من هيئة التنسيق الوطني ضم حسن عبد العظيم ورجاء الناصر وصالح المسلم (الحزب الديمقراطي الكردي). قال المسؤول الروسي لهيئة التنسيق: «أنتم الممثل الشرعي للمعارضة الداخلية وستكونون جزءاً أساسياً من جنيف ٢». انتعش الحاضرون .
لم تتوقف مساعي محمود عباس عند هذا الحد . أبقى الإجتماعات قائمة على أكثر من مستوى مع المعارضة . استقبل في عمان كلاً من حسن عبد العظيم ورجاء الناصر واحمد العسراوي (عضو المكتب التنفيذي في هيئة التنسيق). قال للحاضرين: «انا ساعي خير في الأزمة السورية وغير منحاز، وأنا مع كل الشعب السوري وأطيافه. ما يدفعني إلى هذا الجهد هو أنني اعتقد أنه إذا تجاوزت سوريا أزمتها بخير ومن دون نتائج سلبية على مستوى وحدتها ودورها القومي، فان هذا سيمثل انتصاراً للقضية الفلسطينية». وتحدّث «ابو مازن»، بمرارة، عن الإنعكاسات السلبية للأحداث السورية على القضية الفلسطينية. قال إن القضية غابت عن الإعلام العربي والعالمي لتحلّ مكانها أخبار الغوطة ودرعا . فوجئ المعارضون السوريون بحجم النقد الذي وجّهه عباس لجماعة «الإخوان المسلمين» . طال نقده الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي . تعمّد، في المقابل، كيل المديح لوزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي. قال إن دوراً مهماً ينتظر مصر الجديدة على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، ونصح هيئة التنسيق بتوثيق علاقتها بمصر، واعداً بأن يساهم شخصياً في تأمين الإتصال. ويبدو أنه فعل. فخلال زيارة الأخضر الإبراهيمي الأخيرة إلى سوريا، قال لحسن عبد العظيم إنه لمس إهتماماً خاصاً به من قبل «ابو مازن» والسيسي . عُقد لقاء عباس مع هيئة التنسيق في ٢١ أيلول/ سبتمبر ٢ ١٣، وتبعه لقاء آخر مع تيار بناء الدولة ايضاً، في عمان، في ١٤ تشرين الأول/اكتوبر ٢ ١٣. استمع في اللقاء الثاني من لؤي حسين إلى مداخلة مطوّلة عن تاريخ الأزمة السورية وتطوّرها. قال إن تياره يسعى إلى حل سياسي سلمي، وانه يراهن على الرئيس الفلسطيني ذي النشأة السورية لتسهيل ذلك. حضر اللقاء حفيد «ابو مازن»، وتخللته بعض الهدايا.
• "ابو مازن" والكيميائي السوري
في الرابع من أيلول/سبتمبر ٢ ١٣، وفيما كانت مخاطر التدخلات العسكرية الخارجية تلقي بظلالها على سوريا، اتصل رجاء الناصر، أمين سر هيئة التنسيق، هاتفياً، بنضال السبع، قناة اتصال «ابو مازن» في لبنان، طالباً موعداً عاجلاً مع السفير الروسي الكسندر زاسبيكين. حُدّد الموعد بعد يومين. وصل الناصر والسبع إلى السفارة، تبعهما حسن عبد العظيم قادماً بسيارة أجرة من دمشق.
عُرض خلال الإجتماع اقتراح ينص على أن تضع الحكومة السورية ترسانتها الكيميائية في عهدة خبراء روس، على أن تستعيدها بعد حل الأزمة بناء على "جنيف ٢".
نوقش اقتراح من ثلاثة بنود: أولها التخلي عن الترسانة الكيميائية، وثانيها عقد جلسة عاجلة لـ "جنيف ٢"، وثالثها وقف لإطلاق النار. قال السفير الروسي الذي يعمل نجله كأبرز مساعدي بوغدانوف: "هذا يفترض عقد جنيف ٢ خلال شهرين. هل تكون المعارضة السورية جاهزة في غضون هذه الفترة؟". ردّ الحاضرون: «نعم».
اقترح زاسبيكين أن يصبح الإقتراح مشروع مبادرة حل للكيميائي تعلنه هيئة التنسيق فتتبنّاه موسكو وتقدّمه على أنه مبادرة دولية. غادر وفد الهيئة بيروت إلى مصر للمشاركة في «مؤتمر لنصرة سوريا» بدعوة من حمدين صباحي . بعد أقل من ٢٤ ساعة، أي في 7 ايلول/ سبتمبر، اتصل السفير الروسي بالوسيط الفلسطيني. كانت الساعة تشير الى السابعة صباحاً. قال له «إن لافروف يشارك في قمة العشرين، وهو موجود معي على الخط، ويريد صياغة المبادرة حول الكيميائي من هيئة التنسيق. لا بد من أن يعلنوها». اتصل السبع برجاء الناصر الذي أرسل المبادرة إلى بريده الالكتروني. تبيّن ان مرسلها هو هيثم مناع) .
كانت المفاجأة أن بنداً رابعاً قد أضيف إلى المبادرة يشدّد على انشاء حكومة انتقالية موسّعة الصلاحيات. تبيّن ان الإضافة جاءت من قبل المجلس التنفيذي في الهيئة .
في التاسع من أيلول/ سبتمبر ٢ ١٣، وصل وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى موسكو ليعلن، بعد ساعة واحدة من اجتماعه بلافروف، الموافقة على الحل الكيميائي بحسب الصيغة الراهنة التي انتجتها المداولات الدولية لاحقاً .
كان محمود عباس قد ابلغ قناة اتصاله، بعد تسلمّه ورقة هيئة التنسيق حول الحل الكيميائي، أن الفكرة في طريقها إلى أن تتخذ بعداً دولياً، بحيث تتم اعادة إنتاجها على نحو ينزع فتيل هذه الأزمة، ويشكّل، في الوقت عينه، مدخلاً إلى عقد «جنيف ٢». وقال إنه هو نفسه يسعى إلى تمريرها حيث يستطيع مع قادة الدول الذين يلتقي بهم.
قدّرت القيادة السورية عالياً دور عباس في كلّ ذلك. أرسل له اللواء علي المملوك نسخة من قرآن نادر غير منقّط . أُرسلت نسخة أخرى الى السفير الروسي في بيروت.
• ماذا بعد؟
يقول مقربون من عباس إن لديه الآن «خطة ب» لانقاذ «جنيف 2» في حال فشله بسبب الشروط و الشروط المضادة . ربما كان هذا ممكناً ، و ربما لا . لكن الأكيد ان دور عباس في وأد الحرب السورية وتفادي تدخل خارجي يبقى ، في كل الاحوال ، أفضل بكثير من ادوار عربية ارادت لسوريا ان تُدمر وتنتهي.

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار