ضم «القرم» يصدم الغرب ويشرّع أبواب التصعيد

رمز الخبر: 318329 الفئة: دولية
ضم القرم يصدم الغرب

سلگت صحيفة "السفير" البيروتية الضوء على الأزمة المتصاعدة بين روسيا والغرب حول القرم، فيما اعتبر الغرب أنّ ما فعله بوتين أسقط المحرمات ، بينما يرى الكرملين أن ما فعله الغرب ضربٌ في صميم مصالح روسيا ويستهدف دائرة نفوذها الأكبر.

وكتب الصحافي وسيم بزي في صحيفة "السفير" اللبنانية : صمت أقرب إلى كتمان الغيظ، ساد العواصم الأوروبية. ما عاد هناك خطوط حمراء لم يتم تجاوزها. صحيح أنه لم يكن أحد ينتظر حلحلة أزمة أوكرانيا بسهولة، لكن الأكيد أن أحداً أيضاً لم يتوقع خطوة روسية حاسمة بهذه السرعة. ضمّ القرم يشرّع أبواب التصعيد، خصوصاً أنه وضع الأوروبيين في مأزق حقيقي. تهديداتهم صارت على المحك.ردد الاتحاد الأوروبي أن وحدة أراضي أوكرانيا «خط أحمر». بيانات زعمائه شددت على ذلك مراراً، والتطورات تسارعت بشكل دراماتيكي. لا يكاد يمضي يوم من دون رؤية الهجمة والردّ عليها. فأمس الأول، أصدرت بروكسل وواشنطن بالتزامن قوائم سوداء ضمّت مسؤولين روساً، لم يكد يلتقط الغرب أنفاسه، حتى جاء الجواب الأقسى من موسكو بعد ساعات. توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمّ القرم كان له وقع صدمة حقيقية . على مسرح السياسة الأوروبية كان يمكن لمتتبعي ردود الفعل سماع وقع خطاهم. لا أحد في الأروقة، ولا كلمات تخرج من الأبواب المقفلة. مرّت ساعات على هذا الحال.. أخيراً جاء بيان مقتضب، وقعّه رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو، ورئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي. حالة ارتباك حقيقية عكستها الأسطر القليلة، مع معاركتها لقول ولو شيء جديد واحد.رفض الأوروبيون سابقاً استفتاء القرم، وكل ما فعله البيان هو إضافة رفضهم لعملية ضمّ شبه الجزيرة الأوكرانية. الإتحاد الأوروبي أكدّ مجدداً «وجوب احترام» وحدة واستقلال أوكرانيا، لافتاً إلى أن قمة الزعماء الأوروبيين، غداً وبعده، ستحمل «ردّاً أوروبياً موحداً». الكلمات الباردة التي حملّها البيان تبدو مقبلة من عالم آخر. اتفاقية ضم القرم وقعّها الرئيس الروسي، وبناء على تشخيص الأوروبيين أنفسهم صارت وحدة أوكرانيا من الماضي.حالة المفاجأة يؤكدها مسؤول أوروبي، يعمل على الملف الأوكراني، تحدث إلى الصحيفة مفضّلاً عدم الكشف عن هويته. قال إن ما جرى في موسكو «شكّل صدمة بسبب السرعة التي حدث بها».لكنه يعتبر أن هذه السرعة لا يمكن أن تحصل كردّ فعل، موضحاً أنها «إثبات على أن كل شيء كان معداً سلفاً. قضية من هذا المستوى لا يمكن التعامل معها بهذه السرعة الفانتازية».بحسب معايير الأوروبيين، روسيا تجاوزت الخط الأحمر إذاً. قالوا إن حصول ذلك سيجعلهم ينتقلون إلى المستوى المتقدّم من العقوبات، وتوجيهها إلى اقتصاد ومصالح الدولة الروسية مباشرة. مع ذلك، من الواضح أن تحرك روسيا السريع يشكل استهزاء بالعقوبات التي فرضت على مسؤولي الصف الثاني (13 مسؤولاً سياسياً وعسكرياً)، وعبر ذلك من مسار العقوبات بمجمله وبإمكانية الذهاب بعيداً فيه. لكن أوروبا تجد نفسها مضطرة لردّ أقوى، والأنظار تتجه إلى قمة الزعماء الأوروبيين. المسؤول الأوروبي ينفي ألاّ تكون العقوبات مؤثرة، مؤكدا أنه مع التقدم في وضع القيود الإقتصادية «ستكون روسيا معزولة تماماً في المجتمع الدولي».«حلف شمال الأطلسي» كثّف رقابته الجوية في الدول المجاورة لروسيا. الولايات المتحدة أرسلت دزينات من الطائرات المقاتلة إلى بولندا ودول البلطيق. روسيا لا تزال تحشد على حدود شرق وجنوب أوكرانيا.مع ذلك، ينفي المسؤول الأوروبي بشدّة وجود احتمال الانجرار إلى مواجهة عسكرية، بأي شكل، معتبراً أنه «لا أحد في الغرب يريد مواجهة عسكرية، خطواتنا ستكون مركزة على تشديد العقوبات وإحكام عزلة روسيا في حال استمرار مسار التصعيد وعدم تراجعها» ، قبل أن يقول بلهجة حاسمة «سنفعل كل ما يجب لتجنب استخدام القوة، حتى لو كانت القوة هي اللغة الوحيدة التي يتحدثها بوتين لكن لدينا نحن لغة أخرى».في مقابل الهمس الرسمي في بروكسل، جاءت الأصوات الأعلى من بريطانيا. وزارة الخارجية أكدّت الشروع في التحضير لمرحلة فرض العقوبات الاقتصادية والتجارية. المسألة ليست سهلة، والأوروبيون يبحثون ما هي العقوبات التي يفرضونها وتكون الأقل ضرراً عليهم. كأنهم يعاقبون أنفسهم بأقل كلفة. التجارة متشابكة، التعاون العسكري محكوم بصفقات تستفيد منها مصانع الدفاع الأوروبية في وقت مشؤوم اقتصادياً. القطاع المالي الأوروبي منكشف على استثمارات معتبرة في موسكو، خصوصاً مصارف فرنسا وألمانيا وإيطاليا. فوق كل ذلك يحوم هاجس أمن الطاقة، مع استيراد أوروبا ثلث الغاز الذي تستهلكه من روسيا. والأصعب وجود عدة دول تعتمد على هذا الغاز بشكل مطلق.لكن بالرغم من صعوبة ذلك، لا مؤشر على تراجع مسار التصعيد. الخطوط الحمراء انتهكت، وروسيا أعلنت أن الأوروبيين هم البادئون. بوتين قال حرفياً، خلال توقيع اتفاقية الضمّ أمس، إنه «في حالة أوكرانيا، لقد تجاوز الاتحاد الأوروبي الخط الأحمر».بالفعل حصل ذلك، طبعاً وفق معايير موسكو. لا يتعلق ذلك فقط بإسقاط نظام حليف عبر لعبة شقّ الحزب الحاكم، وتنصيب قيادة موالية للغرب. القضية هي التصميم على مواصلة الاختراق.
خلال القمة الأوروبية ستوقع البنود السياسية من اتفاقية الشراكة مع أوكرانيا. الاتفاقية التي حاربتها روسيا بضراوة، ستصير أمراً واقعاً.إلى جانب توقيع الشق السياسي، سيبدأ بعد وقت قصير تطبيق الشق التجاري. سيتم ذلك قبل استكمال شروط الإصلاح التي تكررت مطالبة كييف بها، في السابق عندما كانت روسية الهوى.وفق لغة الغرب، ما فعله بوتين أسقط المحرمات. وفق لغة الكرملين، ما فعله الغرب ضربٌ في صميم مصالح روسيا، يستهدف دائرة نفوذها الأقرب. في انتظار مدى قوة الرد الأوروبي، وخطوات موسكو المضادة، لا أحد يعرف كيف ستنتهي لعبة القفز عن الحواجز الحمراء.

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار