أبو طالب .. مؤمن قريش حامي الرِّسالةِ والرسُول (ص) في ذكراه

تصادف اليوم 7 رمضان المبارك ذكري رحيل عم النبي الاكرم (ص) ووالد الامام علي بن ابي طالب (عليهما السلام) الذي ربي الرسول الكريم (ص) وأغدق عليه من حنانه وعطفه ليملأ له فراغ فقدان والده عبد الله (سلام الله عليه) حيث بقي يدافع عن ابن اخيه عند اعلان رسالته ووقف بوجه قريش دفاعا عن الرسالة الالهية التي جاء بها محمد المصطفي (ص).

و رغم محاولات البعض التشكيك فان الرواة والمحدّثين والمؤلّفين يذهبون إلى الاعتقاد بإيمان أبي طالب رضوان الله عليه، وأنّه تُوفّيَ على الإسلام بعد أن نصر رسولَ الله صلّى الله عليه وآله. و قد اجمعت مصادر المسلمين  ـ إلاّ ما شذّ منها ـ على فضائل « مؤمن قريش » أبي طالب عليه السّلام، وجليل خدماته لدين الإسلام ونصرته الغيورة لدعوة الله الحقّة وبعثتِه المصطفى صلّى الله عليه وآله بالهدى. وهذه الحقائق ليست أفكاراً استخرجتها عقولُ جماعة، ولا هي بنات أذهانِ طائفةٍ استنتجَتْها بلا براهينَ أو وثائقَ تاريخيّةٍ علميّة. إنّما هي دلائلُ بيّنة قامت مَقامَ الحجّة البالغة؛ لِحُجّيّتها القاطعة، وكثرتها، وتعدّد مصادرها ومواردها، وتنوّع شهودها وشواهدها.. وهي بين يَدَيِ القارئ ـ يُحكّم فيها: قلبه وعقله، وضميره وتقواه، وإيمانه وهُداه. الدليل الأوّل: لَمّا حضر أبو طالب رضوان الله عليه مجلس زواج النبيّ صلّى الله عليه وآله من خديجة رضي الله عنها، قام في الحاضرين خطيباً فقال « الحمدُ للهِ الذي جَعَلَنا مِن ذُريّة إبراهيمَ وزَرعِ إسماعيل، وعُنصرِ مُضَر، وجَعَلَنا حَضَنةَ بيتهِ وسُوّاسَ حرمهِ ( جمع سائس، أي خَدَمته )، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحَرَماً آمناً، وجَعَلَنا الحكّامَ على الناس. ثمّ إن محمّدَ بنَ عبدالله ابنَ أخي مَن لا يُوزَن به رجلٌ مِن قريش إلاّ رَجَح عليه، بِرّاً وفضلاً، وكرماً ومجداً ونُبلاً. فإن كان في المال قّل، فالمال ظِلٌّ زائل، ورزقٌ حائل. وقد خطبَ خديجةَ بنت خُوَيلد، وبذل لها مِن الصَّداق ما عاجِلُه وآجِلُه مِن مالي ( كذا وكذا )، وهو ـ واللهِ ـ بعد هذا له نبأٌ عظيم، وخطرٌ جليل ». فهل في الجاهليّة أنفاسٌ توحيديّة ومعانٍ إيمانيّة أوضح مِن هذه الكلمات وأسمى، وهي تشير ببيانٍ عَذبٍ إلى الحنيفيّة الإبراهيميّة الصافية، وإلى النبوءة المترقّبة للبعثة المحمّدية المباركة ؟! الدليل الثاني: تلك الأشعار التي قالها أبو طالب في الإسلام ورسوله ماملأ ديواناً شامخاً، وهو ممّا حُفِظ له وجُمع، حتّى وقف عنده الأدباء والمؤرّخون مُعجَبين ومُتعجّبين.. أيُقال ذلك في مِثلِ ظروفٍ تلك، على مسمع الملأ من قريشٍ والمشركين واليهود ؟! وفي أشعاره التأييد الواضح والنُّصرةُ المجاهدة المتحدّية والإيمانُ الصادع والموقف الصادق الثابت! وهذه بعض أبياته:

لِيعلَمْ خيارُ النـاسِ أنّ محمّـداً   نبيٌّ كموسى والمسيحِ ابنِ مريمِ


ألَـم تعلمـوا أَنّـا وَجَدْنـا محمّـداً   رسولاً كموسى خُطَّ في أوّلِ الكُتْبِ ؟!
وأنّ عليـهِ فـي العـبـادِ محـبّـةً   ولا حَيفَ فيمَـن خَصَّـه اللهُ بالحُـبِّ

• وقال أبو طالب عليه السّلام مخاطباً رسول الله صلّى الله عليه وآله:
واللهِ لن يَصِلوا إليـك بِجمعِهِـم   حتّى أُوَسَّدَ فـي التـرابِ دَفينـا
فآصدَعْ بأمرِكَ ما علَيك غضاضةٌ   وآبْشِرْ بـذاك وقَرَّ منـك عُيونـا
ودَعوتَني وعلمتُ أنّـك ناصحـي   ولقد دَعَـوتَ وكنـتَ ثَـمّ أمينـا
ولقـد علمـتُ بأنّ دِيـنَ محمّـدٍ   مِـن خيـرِ أديـانِ البَـريّةِ دِينـا


لقد أكـرمَ اللهُ النبـيَّ محمّـداً   فأكرمُ خَلْقِ اللهِ في الناسِ أحمدُ
وشَقّ لـه مِـن إسمِـهِ لِيُجِلَّـهُ   فَذُو العرشِ محمودٌ وهذا محمّدُ

و حدّث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت عبدالله بن عمر يتمثّل بشعر أبي طالب ( في مدحه لرسول الله صلّى الله عليه وآله ):
وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بِوجهِهِ   ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأرامـلِ

الدليل الثالث: جاء في الأخبار أنّ قريشاً دَفعَت بعض سفهائها إلى أن يُلقيَ سَلا الناقة على ظَهر النبيّ إذا ركع في صلاته ففعلوا، فما أن بلَغَ الخبرُ أبا طالبٍ حتّى خرج مُغضَباً مع عبيدٍ له، فأمرهم أن يُلقُوا السَّلا عن ظهر رسول الله صلّى الله عليه وآله ويَغسلوه، ثمّ أمرهم أن يأخذوا السَّلا فيُمِرُّوه على أسبِلَة القوم (أي شواربهم) وهم إذ ذاك وجوهُ قريش! وأقسم أبو طالبٍ بالله ألاّ يبرحَ أحدٌ منهم حتّى يُفعَلَ ذلك بهم، حتّى أذلّ جماعتهم وأخزاهم.
وفي روايةٍ ذكرها القرطبيّ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان خرج إلى الكعبة المعظّمة يوماً ليصلّي، فقال أبو جهل: مَن يقوم إلى هذا الرجل فيُفسِد عليه صلاته؟ فقام ابن الزِّبَعْرى فأخذ فرثاً فألقاه على رسول الله صلّى الله عليه وآله، فانفَتَل النبيّ من صلاته وجاء إلى عمّه أبي طالب يقول له: يا عَمّ، ألا ترى إلى ما فُعِل بي ؟!
فسأله فأخبره، فقام أبو طالبٍ واضعاً سيفَه على عاتقه يمشي معه حتّى أتى القوم، فلمّا رأوه جعلوا ينهضون، فصاح بهم:
ـ واللهِ لَئن قام رجلٌ لَجلّلتُه بسيفي!
فقعدوا.. حتّى دنا إليهم، ثمّ التفتَ إلى النبيّ يسأله:
ـ يا بُنيّ، مَن الفاعلُ بك هذا ؟ أجابه صلّى الله عليه وآله:
ـ عبدالله بن الزِّبَعرى.
فأخذ أبو طالبٍ فَرْثاً ودَماً فلطّخ بهما وجوههم ولحاهم وثيابهم، وأغلظ لهم القول وأهانهم.
فهل كان أحدٌ من السّلف الصحابيّ مَن يملك مِثلَ هذه الغيرة والحميّة الإسلامية على الرسالة وعلى الرسول ؟! ألا يجدر الافتخار بمثل هذه المواقف الشّجاعة وقد وَرِثها أبناؤه الغُرر فحفظوا لنا الإسلام ؟!
الدليل الرابع: ينقل ابن الأثير في ( الكامل في التاريخ 38:2 ـ طبع بيروت سنة 1387 هـ ) أنّ أبا طالب رضوان الله عليه قال لابنه عليٍّ عليه السّلام في رسول الله صلّى الله عليه وآله:
ـ أمَا إنّه لا يَدْعُونا إلاّ إلى الخير.. فالزَمْه.
• فيما كتب ابن الأثير في ( أُسد الغابة في معرفة الصحابة 542:1 / الترجمة 759 ـ طبع بيروت ) أنّ أبا طالب رأى النبيَّ وعليّاً يُصلّيان، وكان عليٌّ عليه السّلام على يمين رسول الله، فقال أبو طالب لولده جعفر: صِلْ جَناحَ ابنِ عمّك، وصَلِّ عن يساره. قال: وكان إسلام جعفر بعد إسلام عليٍّ بقليل.
الدليل الخامس: جاء في ( الطبقات الكبرى لابن سعد 78:1 / باب ذِكر أبي طالب وضمّه لرسول الله ـ طبع سنة 1325 هـ ) أنّ أبا طالب رضوان الله عليه لَمّا حضَرَته الوفاة، دعا بني عبدالمطّلب فقال لهم:
« لن تزالوا بخيرٍ ما سِمِعتُم مِن محمّد، وما اتّبَعْتُم أمرَه، فاتَّبِعُوه وأعِينُوه ترشدوا ».
الدليل السادس: ذكر الشبلنجيّ الشافعيّ في كتابه ( نور الأبصار في مناقبِ آل بيتِ النبيِّ المختار ص 27 ـ 28 / فصل في تعاهد قريش على قتله صلّى الله عليه وآله وموت عمّه أبي طالب ـ ط 1 سنة 1405 هـ ).
عن الإمام عليّ (ع) أنّه قال: لمّا مات أبو طالبٍ أخبرتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله بموته، فبكى ثمّ قال: اذهَبْ فاغسِلْه وكفِّنْه ووارِه، غَفَر اللهُ له ورَحِمَه. قال: ففعلت، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله يستغفر له أيّاماً.
و قال ابن عبّاس: عارضَ رسولُ الله جَنازةَ أبي طالب وقال: وَصَلْتَ رَحِمَك، وجزاك اللهُ خيراً يا عَمّ.
و كتب الشيخ المفيد: لَمّا قُبض أبو طالب رحمه الله، أتى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام رسولَ الله صلّ الله عليه وآله، فآذَنَه بموته، فتوجّع لذلك النبيّ (ص) وقال: إمضِ يا عليّ فتَوَلَّ غُسْلَه وتكفينه وتحنيطه، فإذا رفعتَه على سريره فأعلِمْني.
ففعل ذلك أميرُ المؤمنين عليه السّلام، فلمّا رفعه على السرير اعترضه النبيّ فَرَقّ له وقال: وَصَلتَ رَحِماً، وجُزِيتَ خيراً؛ فقد رَبَّيتَ وكَفَلتَ صغيراً، وآزَرتَ ونَصرتَ كبيراً. ثمّ أقبل على الناس فقال: أمَا واللهِ لأشفَعنّ لعمّي شفاعةً يَعجَبُ منها أهلُ الثَّقَلَين! ( إيمان أبي طالب ص 25 ـ 26 ).
لا ندري بعد هذا، ماذا يُنتَظَر أن يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله أكثرَ مِن هذا ليثبت الناس إيمانُ أبي طالب فلا يُظلَم ؟!
الدليل السابع: كتب الشبلنجيُّ الشافعيّ في ( نور الأبصار ص 28 ):
في هذه السنة العاشرة من النبوّة ( أي البعثة الشريفة ) كانت وفاة خديجة الكبرى رضي الله عنها... فتوالت على رسول الله صلّى الله عليه وآله في هذه السنة مصيبتان: وفاة عمّه أبي طالب، ووفاة خديجة
• فيما قال الشيخ محمّد الصبّان في ( رسالته في أهل البيت ص 21 / الباب الأوّل في سيرة النبيّ الأعظم ـ ط 8 سنة 1963 م ): وسُمِّيَ ذلك العام عامَ الحزن، ولمّا مات أبو طالب نالَتْ قريشٌ مِن النبيّ صلّى الله عليه وآله من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب!
• وصرّح ابن الأثير بمثل هذا في ( الكامل في التاريخ 63:2 ) قائلاً: فعَظُمتِ المصيبة على رسول الله بوفاتهما، فقال صلّى الله عليه وآله: ما نالت قريشٌ مِنّي شيئاً أكرهُه حتّى مات أبو طالب.
ثمّ كتب ابن الأثير مُعلِّقاً: وذلك أنّ قريشاً وصلوا مِن أذاه بعد وفاة أبي طالب إلى ما لم يكونوا يَصلِون إليه في حياته، حتّى نثر بعضُهمُ الترابَ على رأس رسول الله!
أجل ، لقد كان رحيل أبي طالب عليه السّلام سبباً للهجرة إلى المدينة، حيث هبط جبرئيل بأمر الله تبارك وتعالى يخاطب به النبيَّ صلّى الله عليه وآله: إنّ اللهَ عزّوجلّ يُقرئك السلامَ ويقول لك: أُخرُجْ مِن مكّةَ فقد ماتَ ناصرُك!
فأيَّ ناصرٍ كان أبو طالب سلام الله عليه حتّى كانت وفاته مَدْعاةً لترك رسول الله مكّةَ موطنَه ؟! وأين البصائر التي تُريد أن تعرف الحقائق وهذه وثائق التاريخ ودلائله ـ وقد اغترفنا منها غيضاً مِن فيض ـ تصدعُ بإيمان هذا الرجل الذي ظُلِم في حياته مِن قِبل المشركين، ثمّ ظُلِم بعد وفاته مِن قِبَل جملةٍ من المسلمين ؟!