قراءة في كتاب آلان هارت "الصهيونية العدو الحقيقي لليهود": كيف تمكنت «اسرائيل» من تهديد السلام في العالم

شرح الصحافي البريطاني المخضرم ، آلن هارت ، مؤلف كتاب "الصهيونية.. العدو الحقيقي لليهود" بأجزائه الثلاثة ، تعريفه للصهيونية ، و المخاطر الآنية و البعيدة المدى للدعم غير المشروط للصهيونية و لسياساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني المظلوم في حوار مع برنامج متلفز للاعلامية زينب الصفار بثته قناة الميادين الفضائية تحت عنوان "من الداخل" .

و بادر هذا الصحافي البريطاني المشهور ، مؤلف كتاب عرفات ارهابي او رجل سلام ، الذي نشر في عام 1985 ، الى نشر كتاب جديد بعد عشرين عاما ، عنوانه "الصهيونية العدو الحقيقي لليهود" ، و حسب قوله فإن هذا الكتاب قد كلفه خمسة أعوام من العمل الدؤوب لإعادة ترتيب قصة تجربته الصحافية في دهاليز الشرق الأوسط منذ أن بدأ عمله كمراسل للأي ـ تي ـ أن ، و لبرنامج بانوراما في الاذاعة البريطانية (البي ـ بي ـ سي) ما أدى به إلى معاشرة قيادات سياسية هامة من طرفي الصراع العربي ـ «الإسرائيلي» و من أهمهم ياسر عرفات وغولدا مائير وبالتالي الي معرفة خفايا الديبلوماسية السرية في الشرق الأوسط . وبسبب أسلوبه المثير فقد وصفه البعض بانه قد ساهم في بلورة نموذج جديد من الصحافة التي تدخل المتفرج في العالم الحقيقي . فبعد ان أمضي ألان هارت أربعة عقود من الزمن في متابعة قضية الشرق الأوسط توصل هذا الصحافي البارع الي استنتاج اساسي وهو ان الاعلام الغربي برمته منحاز لصالح الفكر الصهيوني وان ذلك نتيجة للاساطير التي تروجها الصهيونية من جهة والى عدم المعرفة للحقائق التاريخية من جهــــة أخري . كما استنتج هارت ان الصهيونية هي ما ستؤدي باليــــــهود الي الهاوية وعلي هذا الاساس اخذ ألان هارت علي عاتقه بعد اعتزاله الميدان الصحافي هذه المهمة الشاقة التي تطلبت منه العودة الي الماضي والغوص في أعماق تاريخ القضية الفلسطينية وتشغيل ذاكرته لسرد روايته التاريخية باسلوبه الخاص الذي يمزج بين المعلومة الصحافية والتحقيق البحثي والاثارة من أجل انجاز هذا العمل الضخم المكون من الف صفحة و المنقسم الى مجلدين يضم الاول منهما ثلاثة أجزاء و22 فصلا ويضم الثاني ، الذي لم ينشر حتى الآن لاسباب مالية ، 17 فصلا .

ومن الجدير بالإهتمام أن الجزء الأول من المجلد الأول والمكون من 22 صفحة فقط مخصص لعلاقته بغولدا مائير و التي يسميها أم «إسرائيل» وعنوانه صوت من المقبرة . و أهمية هذا الفصل بالنسبة له ناتجة عن كونه من أول الصحافيين الذين سجلوا لغولدا مائير اول مقابلة علي الهواء في برنامج بانوراما الخاص بالإذاعة البريطانية في عام 1971 رددت فيه مقولاتها الشهيرة التي تستنكر عبرها وجود شعب فلسطيني حيث قالت لا يوجد شيء إسمه فلسطين ، مضيفة الأمر ليس وكأن هناك شعبا فلسطينيا و جئنا لطرده ولأخذ بلاده منه . فإنهم غير موجودين .
ويتذكر الان هارت هذه الحادثة بشكل خاص لأن غولدا مائير تركت له رسالة علي شكل وصية مع معاونتها الخاصة لتعلم ألان هارت بها بعد موتها حيث ابلغته هذه المعاونة : أن غولدا مائير طلبت مني أن أعطيك هذه الرسالة وأكدت علي أن أعدها بأنني لن أدلي بها إلا بعد موتها فطلبت مني أن أقول لك انها بعد أن عبرت عن رأيها في تلك المقابلة الشهيرة ، شعرت أن ما أدلت به هو أغبى شيء قالته في حياتها .
و يهدف الصحافي المخضرم هارت عبر اعترافه بعلاقة طيبة مع غولدا مائير التي يعتبرها من اصدقائه رغم خلافه معها في الرأي عدة مرات وعبر علاقاته مع أشخاص مثل شلومو غازيت الذي يعتبره من أحد أصدقائه ان يبين ان الفكر الصهيوني مبني علي اساطير كما وضح له شلومو غازيت حيث قال له يوما إن المشكلة فينا نحن «الإسرائيليين» هي أننا أصبحنا ضحايا للدعاية التي نروجها عن أنفسنا كما يريد الان هارت عبر ذلك أن يوضح أنه ليس من أعداء اليهود بل صديق لبعضهم وذلك لتفادي الوقوع بفخ الإتهام بأنه من دعاة اللاسامية مركزا علي ضرورة التمييز بين اللاصهيونية واللاسامية.
و عبر دخوله في كواليس التاريخ بدءا بقصة غولدا مائير وانتهاء بمشروع خريطة الطــــريق الذي يسميه الان هارت خريطة الطريق إلى طريق مسدود ومرورا بمجموعة من الفصول الخاصة بمراحل مختلفة من تاريخ «الدولة الصهيونية» وحروبها مع العرب وبفصول اخري حول دور جمال عبد الناصر ومواجهته لأيزنهاور أو مع شاريت، ويخصص الان هارت ايضا فصولا عديدة حول السياستين البريطانية والأمريكية ودعمهما للصهيونية مبينا كيف خضعت السياسة الأمريكية منذ عهد الرئيس ترومان للحركة الصهيونية.
وقد خصص هارت الفصل الثاني عشر من كتابه لقصة انتحار جيمس فينسنت فورستال الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في ادارة ترومان . واهتمام ألان هارت بقصة فورستال مثير للانتباه ، لأن فورستال هو الرجل الذي كانت لديه الشجاعة ان يقول ان من مصلحة أمريكا والعالم الحر وحتي اليهود في العالم أن لا تتدخل الحركة الصهيونية في السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط حيث كان يناضل من أجل إخراج قضية فلسطين من دائرة السياسة المحلية الأمريكية . فمذكرات فورستال تشير إلي الصعوبات التي كانت تواجه عملية أخذ القرار في الولايات المتحدة في الفترة التي بدأت بها الإمبراطورية البريطانية بالاضمحلال بينما بدأت بالمقابل الولايات المتحدة تواجه مسؤولياتها الجديدة لقيادة ما كان يسمى بالعالم الحر . فمن مهام فورستال الذي كان يحتل منصب وزير الدفاع في ذلك الحين ، مواجهة القوة السوفياتية الصاعدة بعد الفراغ الذي نشأ في أوروبا والشرق الأدني بعد هزيمة ألمانيا واليابان. وبما أن فورستال كان من رجال الإستثمار الناجحين وخاصة في القطاع المصرفي فكان يبني استراتيجيته علي أساس عاملين محوريين :
أولا : أن الولايات المتحدة يجب أن تجد المال الكافي لتمويل خطة مارشال لإعادة بناء اوروبا الغربية المدمرة بعد الحرب.
وثانيا : أن في عملية البحث عن هذه الأموال لإنقاذ الرأسمالية في أوروبا الغربية وبريطانيا تلعب مسألة الحصول علي النفط العربي دون انقطاع وبسعر منخفض دورا أساسيا وبالتالي أصبحت قضية النفط من اهتمامات فورستال الأساسية المتعلقة بقضية فلسطين ، و لذلك اعتبر ان إنشاء دولة يهودية في وجه المعارضة العربية و الإسلامية ، ستهدد المصلحة الأمريكية وستحد من إمكانية الولايات المتحدة للاداء الصحيح بشكل اشمل في المنطقة وعلي الصعيد العالمي.
و يعرض الان هارت سيرة فورستال الذاتية موضحا انه من أصل إيرلندي وانه كان مشهورا بنزاهته و نجاحه في مجال الأعمال مثله مثل مارشال وزير الخارجية انذاك، الذي كان يشارك فورستال في نظريته الإستراتيجية، في الوقت الذي كانت الحركة الصهيونية تحاول أن تسخر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لمصالحها الخاصة دون الإهتمام بنتائج سياستها علي الأطراف الأخري.
وفي اجتماع وزاري في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 أي ثلاثة اسابيع قبل التصويت في الجمعية العامة علي قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة قدم مارشال رأي وزارة الخارجية الأمريكية حول الوضع الدولي وقد أكد أن الشرق الأوسط أصبح عبارة عن علبة متفجرة وأنه في حال اندلعت النيران في هذه المنطقة سيصبح من المستحيل إطفاؤها . و إثر هذا الإجتماع الوزاري كتب فورستال في مذكراته الملاحظة التالية حول مشاركته في هذا الإجتماع قائلا : لقد كررت اقتراحي الذي عبرت عنه سابقا في عديد من المرات وهو أنه يجب القيام بمحاولة جدية لإخراج قضية فلسطين من السياسة الحزبية الداخلية الأمريكية . وقلت ان هناك اجماعا بأن السياسة المحلية يجب أن تتوقف علي حدود المحيط الأطلسي، وأنه لا توجد مسألة أكثر خطورة علي أمننا القومي من هذه القضية . وعند مقابلة فورستال لأحد أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي والمنتخب من ولاية رود ايلند، قال له لا يجب السماح لأي مجموعة في هذا البلد أن تؤثر علي سياستنا لدرجة أن تعرض أمننا القومي للخطر وقد أجابه السناتور قائلا ان هناك ولايتين أو ثلاثا لا يمكننا خوض انتخابات فيها دون دعم من يهتم بشكل خاص بالقضية الفلسطينية . لكن أجابه فورستال إنني أفضل فقدان تلك الولايات في الإنتخابات العامة بدلا من المجازفة التي قد تنشأ عبر ادراجنا القضية الفلسطينية علي برنامجنا . وبعد حديث مطول بينه وبين السناتورالذي أكد له ضرورة إدخال القضية الفلسطينية في السياسة الداخلية الامريكية، والذي أعلمه بتخوفات اليهود بسبب عدم قيام الولايات المتحدة بواجبها للحصول علي أصوات في الجمعية العمومية من أجل دعم مشروع تقسيم فلسطين، وبعد حوار يشبه حوار الطرشان بينهما شدد فورستال علي ضرورة التفكير كثيرا حول هذا الموضوع الذي قد يؤثر سلبا ليس فقط علي العرب في الشرق الأوسط بل أيضا علي العالم الإسلامي كله والذي يشمل أربعمائة مليون نسمة في مصر وشمال أفريقيا والهند وأفغنستان ـ (والتي قد اصبحت اليوم مليارا ونصف مليار أو أكثر).
وهكذا استمر فورستال لفترة من الزمن في الاصرار في محاولته للتأثيرعلي الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، من أجل إخراج قضية فلسطين من برامجهما ولكن دون جدوي.
وهكذا يفسر الان هارت مأساة فورستال التي انتهت بانتحاره نتيجة لشعوره بانه لم ينجح في المحافظة علي أمن بلاده وخاصة بعد أن تبني فرانكلين روزفلت جونيور وجهة نظر الحركة الصهيونية.
ورغم دخول الان هارت بتفاصيل لا نهاية لها حول ما يجري في الكواليس وبين السطور إلا أن هدفه الاساسي هو أن يوضح كيف تمكنت الحركة الصهيونية من تهديد السلام في الشرق الأوسط لتصبح ليس فقط عدوة العرب والفلسطينيين بل أيضا العدو الأكبر لليهود . وليست قضية رسالة غولدا مائير الموجهة إلي الان هارت بعد موتها، أو قصة انتحار فورستال، إلا أمثلة عن الروايات العديدة التي يرويها الان هارت في كتابه المهدد بالتهميش من قبل اللوبي الصهيوني الذي يتهمه بمحاولة إثارة نقاش حول خطورة الفكر الصهيوني علي اليهود عبرإدراج هذا النقاش في صلب السياسات الدولية والاقليمية والمحلية بدلا من إبقائه علي هامش تلك السياسات.
ويعرف الان هارت كتابه عبر دعاية ساخرة علي أنه الكتاب الذي لا يريدون أن تقرأه ويعني بذلك أن كل من لا يريدون إظهار الحقيقة حول قضية فلسطين وتوضيح الفرق بين اليهودية والصهيونية لا يريدون أن يتم نشر هذا الكتاب الذي يهدف الي توضيح ما كان يحدث فعلا مقابل ما تخترعه الصهيونية من أساطير متهما الإعلام الغربي بما في ذلك الـ(بي ـ بي ـ سي) بالتعتيم علي أعماله وتجاهل كتابه لأنهم يرفضون لعب أي دور في تطوير الحوار حول الحقائق التاريخية مضيفا إنني أتهم هذا الإعلام بالمشاركة في طمس الحقيقة التاريخية وبالتالي باتباع سياسة منحازة في تغطية الصراع «الإسرائيلي» ـ الفلسطيني .