المالكي يوجه نداء هاما لعلماء الأمة ومفكريها : الإرهاب التكفيري من صناعة الاستكبار ولابد من حوار شامل لمواجهته


المالکی یوجه نداء هاما لعلماء الأمة ومفکریها : الإرهاب التکفیری من صناعة الاستکبار ولابد من حوار شامل لمواجهته

وجه نوري المالكي نائب الرئيس العراقي الامين العام لحزب الدعوة الاسلامية نداء هاما الى علماء الامة والمفكرين والباحثين والمثقفين المسلمين بشأن الخطر الداهم الذي يهدد الجميع دون استثناء ، وقال : إن الخطر المحدق بالأمة كبيرٌ جداً ، ويجب أن نكون بمستوى المسؤولية التاريخية ، وأن نستثمر كل المناسبات والفرص لتبادل الرأي والخطاب ؛ للوصول إلى حاضر و مستقبل أفضل للمسلمين ، والانطلاق بسرعة وتركيز في رحاب الحل و العلاج .

وافادت وكالة تسنيم الدولية للانباء بأن الرئيس المالكي اكد في ندائه "أن الإرهاب التكفيري هو صناعة القوى الاستكبارية لتمزيق الأمة الإسلامية ، وإضعافها كلما أرادت أن تنهض وتصحو من سبات التراجع والتخلّف وحيال هذه المظاهر الكارثية ؛ تتجلى مرة أخرى أهمية الدور المصيري لنخب الأمة للعمل وبكل كثافة وتركيز على بث ثقافة التحدّي والممانعة والمقاومة الشاملة ، ولابد من حوار اسلامي شامل لمواجهة هذه الظاهرة المشؤومة .
وفيما يلي تص النداء :
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أصحاب السماحة والفضيلة علماء الإسلام ومفكريه ومثقفيه من كل المذاهب الإسلامية الكريمة..
إننا نشعر بعظم المسؤولية وحساسية الموقف ونحن نخاطبكم؛ إذ نتطلع إلى وجودكم الكبير وموقعكم المحوري الذي يحدد المسارات الشرعية لأمتنا الإسلامية؛ وأنتم تحملون أصدق النيات لمعالجة المشاكل الخطيرة التي تهدد كيان أمتنا اليوم أكثر من أي وقت آخر، وتعملون على دراستها والتنظير لها وتحديد التكليف الشرعي إزاءها؛ وصولاً إلى تحويله إلى واقع عملي؛ كي لا تبقى الأفكار الكبيرة والرؤى العقائدية والشرعية حبيسة الأماني والطموحات والنظريات. فنحن بأمسّ الحاجة اليوم إلى رؤى عملية ونظريات للتطبيق؛ من أجل إيقاف التأزم المتراكم في واقعنا الإسلامي، وإطفاء الحرائق التي يعمل أعداء الأمة الداخليون والخارجيون على إشعالها في كل بقعة من العالم الإسلامي. وفي مقدمها؛ الحرائق التي يريد الطائفيون بها تحويل وحدة الأمة إلى رماد تذره الرياح .
ويحدونا أمل كبير بأنّكم ـ وأنتم قادة الأمة ونخبتها الفكريون ـ تستطيعون الخروج بمعالجات وأدوات توقّف الزحف الطائفي والإرهاب التكفيري، وتهدم الصروح الشيطانية التي يستمر الطائفيون في تشييدها، وإعادة بناء كيان الأمة الواحدة من جديد؛ كما أمرنا الله تعالى وسنّه لنا رسوله الكريم ((إنّ هذه أمتكُم أمةً واحدة وأنا ربّكم فاعبدون)). فالمدارس الطائفية واتجاهات القتل التكفيرية؛ سواء تمثلت في دول وحكومات، أو تنظيمات وجماعات، أو ماكينات فكرية لإنتاج التكفيريين، أو فتاوى ومقولات؛ كانت منذ عصر صدر الإسلام ولا تزال؛ هي العقبة الأساس في طريق وحدة المسلمين، والسيف الأكثر فتكاً في جسد الأمة، والمنهج الذي يحاول بجميع الأساليب حرف المسار الإسلامي عن الطريق القويم، وتحويله إلى طرق شتى متناحرة فكرياً وسياسياً وميدانياً؛ على الضدّ مما يقوله تعالى: ((وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولاتتّبعوا السُبل فتفرّق بكم عن سبيله)).
ولا شك في أننا في مسار واحد مع كل الجهود التي تقوم بها البلدان والجماعات والمؤسسات الإسلامية الرامية إلى التقريب بين فئات الأمة وطوائفها ومذاهبها؛ لأن هذا الهمَّ الكبير هو همٌّ مشترك؛ لا يستطيع أيّ مسلم مخلص لدينه وأمته أن يبقى بمعزل عنه، ولا يبذل كل ما في وسعه من أجل الامتثال لقاعدته الشرعية المقدسة: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)). ونحن ـ أيّها الأحبة ـ إذ نخاطبكم من العراق.. البلد الأكثر عرضة للتآمر الطائفي التكفيري الإرهابي، والتآمر الدولي الاستكباري؛ نطمح أن نُسمعكم صوت شعبه الجريح وأرضه المستباحة وسمائه المكفهرّة بالألم؛ وأن نتحدّث اليكم حديث أعضاء الجسد الواحد الذي ((إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الإعضاء بالسهر والحمى))؛ ولنقول لكم بأن العراق قُدّر له؛ منذ سقوط النظام الطائفي الإرهابي السابق؛ أن يكون المنطلق الجيوستراتيجي لتطبيق مشروع التمزيق والتدمير الطائفي الذي يخطط له وينفّذه المستكبرون العالميون والإقليميون بأدوات محلية عراقية وغير عراقية؛ ممثلة بالجماعات الطائفية؛ بشقيها السياسي والعقائدي.
إخواني الكرام..
إن هدف وحدة الأمة الإسلامية هو هدف إلهيٌّ واجبٌ بكل المعايير الشرعية؛ قبل أن يكون موضوعاً للتعايش والتفاهم بين أبناء الجغرافيا الواحدة وأصحاب المصالح المشتركة. ومهما تحدثنا عن واجب التقارب والتفاهم والتلاحم والتوادد والتراحم بين المسلمين، ونظّرنا له وفصّلنا فيه؛ فسوف لن نأتي بجديد؛ لأن ما أمر به الله (تعالى) ورسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة آل البيت (عليهم السلام)، وأثبته أئمة المذاهب الإسلامية وفقهاء المسلمين ومتكلميهم؛ يكفي ليجعلنا نتعبّد بهذه القاعدة الشرعية الملزمة لجميع من شهد الشهادتين. ولم يشذّ عن هذه القاعدة الّا بعض المنافقين والجهلاء؛ الذين يتمظهرون بالمدارس والجماعات الطائفية التكفيرية وهي مدارس تعود جذورها الى عصر صدر الإسلام، وامتدّ شذوذها الفكري وسلوكياتها المنحرفة حتى يومنا هذا.
وحريّ بنا ونحن نتحدّث عن سبل وحدة الأمة؛ أن نتعرّف بعمق ودقة متناهية على أسباب الفُرقة والتشتت بين المسلمين اليوم. وسيكون هذا التشخيص مدخلاً لإيجاد العلاجات الحقيقية لمرض الفُرقة المزمن. وسوف لن يكون التشخيص دقيقاً إن لم نُذعن بوجود المرض وأعراضه. مع الأخذ بالاعتبار ضرورة أن لا تكون الدقة في تشخيص الأسباب والأعراض مسوّغاً لأية إثارة للفتن الطائفية والصراعات المذهبية، أو اجترارٍ للحديث عن الأحداث التاريخية المؤلمة التي مزّقت المسلمين في أزمنة وأمكنة كثيرة. ولا نقصد هنا أننا يجب أن ندير ظهورنا إلى الحقائق التي يؤمن بها كل فريق؛ ولا سيما التي يعدّها بعضنا عقيدةً وثابتاً وجزءاً من وجوده الحضاري وبنيته الفكرية، ويعدّها آخرون تاريخاً وتراثاً ومتغيّراً.
ولكن مصلحة الأمة العليا التي يحدد حكماؤنا على وفقها المفاسد والمصالح؛ تقضي أن نلتفت إلى واقع الأمة وحاضرها ومستقبلها، وأن لا نستغرق في الماضي، وأن يقبل بعضنا الآخر كما هو..عقيدةً وفقهاً وقناعات تاريخية؛ فلا يكون الخلاف في التفاصيل العقيدية والفقهية والتاريخية سبباً في القطيعة بين المسلمين والإمعان في تمزيق واقعهم، وتمكين الأعداء الداخليين والخارجيين منهم، واستلاب عقيدتهم وثقافتهم، وانهيار مقدراتهم، وضياع أراضيهم، ونهب ثرواتهم ((ولاتَنازعوا فتَفشلوا وتذهبَ ريحُكم)).
ولعل الحوار الجادّ والعملي بين المسلمين على مختلف اختصاصاتهم ومسؤولياتهم؛ أفراداً كانوا أو جماعات أو مؤسسات، علماء دين أو سياسيين أو مثقفين؛ هو ركيزة مشروع تآلف الأمة ووحدتها؛ لأن الحوار ينتج عنه التعارف، والتعارف الحقيقي يقضي على حالة الجهل بمعتقدات بعضنا الآخر وأفكاره؛ وبالتالي يصل منسوب الصراع إلى أدنى مستوياته؛ لأن ((الإنسان عدو ما يجهل)). ولا شك في أن معرفة الحقيقة تؤدي إلى معرفة الحق، والتي تؤدي بدورها إلى معرفة أهله، وكما يقول الإمام علي (عليه السلام) مخاطباً ذلك الرجل المتردد في نصرته: ((إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال؛ اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله)) . ويجب أن تشمل الدعوة إلى الحوار والتآلف، وتحكيم لغة العقل، والاحتكام إلى كتاب الله والثوابت المشتركة؛ جميع المسلمين؛ عدا الفئات الباغية الإرهابية التكفيرية؛ التي تعي ما تفعل ولا تستجيب إلى وازعٍ من عقل ودين وضمير، ومعظمها ينفِّذ عن سابق إصرار مخططات أعداء الأمة الخارجيين. ولكن أقولها ـ من موقع المسؤولية ـ بأن هؤلاء المكفِّرة، إذا تابوا إلى الله واجتنبوا سفك الدماء وهتك الأعراض واستباحة الأرض والأموال، وعادوا إلى الحضن الإسلامي العام؛ فإنهم مشمولون بالحوار أيضاً؛ ولا سيما مَن كان من بينهم جاهلاً بحقائق الدين وتطبيقاته وبخفايا ارتباطات الفئات الباغية بالمشاريع الغربية والصهيونية.
وهذا الرابط الوثيق بين المشاريع الخارجية العدوانية والجماعات الباغية الإرهابية التكفيرية؛ يدفعنا إلى تأكيد أن الإرهاب التكفيري هو صناعة القوى الاستكبارية منذ نشوئه؛ إذ تقوم بصناعة جماعات ترتدي الزي الإسلامي وتصرخ بالشعارات الإسلامية، أو تسخًّر جماعات أخرى مؤهلة؛ لتقوم ـ عن وعي أو جهل ـ بكل أنواع التخريب العقائدي والفقهي والثقافي والسياسي والاقتصادي والأمني، وتمزيق الأمة الإسلامية، وإضعافها كلما أرادت أن تنهض وتصحو من سبات التراجع والتخلّف. ويزداد خطر النهج والسلوك الطائفي لهؤلاء المكفًّرة كلما ارتفع منسوب الجهل والتخلف والفقر في أوساط الأمة؛ فيكون فيها مَن يسمع ويتلقى وينفّذ.
وحيال هذه المظاهر الكارثية؛ تتجلى مرة أخرى أهمية الدور المصيري لنخبة الأمة العلمية والفكرية والثقافية والإعلامية، بصفتهم الفردية والمؤسسية؛ للعمل وبكل كثافة وتركيز على بث ثقافة التحدّي والممانعة والمقاومة الشاملة: العقائدية والثقافية والسياسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية؛ بوجه الأعداء الداخليين والخارجيين؛ دفاعاً عن الإسلام ومبادئه وأهله ومقدساته، وعن سيادة أرضه وسمائه.
ويقف نهج الممانعة على جملة من العناصر الأساسية؛ أهمها: التوكل على الله، والتخطيط الاحترافي، والتعرف على كل مكامن القوة والضعف لدى العدو، والاستعداد الدائم بالعدّة والعدد، والشجاعة الفردية والمجتمعية، والتنفيذ الدقيق، والتضحية والاستشهاد. وهنا ينبغي تشكيل ثقافة شرعية عامة؛ يستطيع المسلمون وفقها التفريق بين ثنائيتي الإرهاب والجهاد، والانتحار والاستشهاد. ويمكن أن نطلق على هذا اللون من الثقافة الشرعية تسمية فقه الجهاد والإرهاب، وفقه الانتحار الاستشهاد.
أيها العلماء والمفكرون والباحثون والمثقفون المسلمون؛ أنتم فرصة الأمة الأخيرة للخروج من دائرة الخطر الداهم الذي يهدد الجميع من دون استثناء. وأقولها من منطلق المعرفة بخلفيات الأمور وحقائق الواقع والميدان؛ إن الخطر المحدق بالأمة كبيرٌ جداً، ويجب أن نكون بمستوى المسؤولية التاريخية، وأن نستثمر كل المناسبات والفرص لتبادل الرأي والخطاب؛ للوصول إلى حاضر ومستقبل أفضل للمسلمين، والانطلاق بسرعة وتركيز في رحاب الحل والعلاج. وحسبنا أمر الباري عزّ وجل ((أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)).
نوري كامل المالكي
الأمين العام لـ«حزب الدعوة الإسلامية» نائب رئيس الجمهورية العراقية

الأكثر قراءة الأخبار الدولي
أهم الأخبار الدولي
عناوين مختارة