«قناة البحرين» مكاسب استراتيجية لـ«إسرائيل» وتحقيق لحلم قادتها التاريخيين

وقع الأردن و كيان الاحتلال الصهيوني اتفاقية "ناقل البحر الأحمر إلى البحر الميت" ، بحضور ممثلين عن البنك الدولي والولايات المتحدة الامريكية ، و هي أهم ما تم التوقيع عليه بين الجانبين منذ اتفاقية "وادي عربة" عام 1994 ، حيث برر الأردن ، الخطوة بأنها تحقق التنمية الاقتصادية الشاملة لثالث أفقر بلد في العالم من حيث حصة الفرد من المياه فيما تصدى له معارضو التطبيع الذين حذروا من استغلال «إسرائيل» الاتفاقية ، لإقامة مستعمرات جديدة .

و اظهر الإتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى من قناة البحر الميت شكلاً من التعاون لتبادل المنفعة بين «إسرائيل» والأردن والسلطة الفلسطينية، لكنه إتفاق على مكافأة «إسرائيل»، خاصة مع تصريح الوزير «الإسرائيلي» الذي وقع الإتفاق بالقول "نحقق اليوم رؤية بنيامين هرتسل الذي تنبّأ قبل إنشاء «إسرائيل»، بالحاجة إلى إحياء البحر الميت".

و على جريّ العادة في وضع «إسرائيل» يدها على المياه والأراضي العربية، لا بدّ من تغليف الإستيلاء بأهداف نبيلة كخدمة مجانية للإنسانية . و في هذا الصدد تزعّم «إسرائيل» أنها مولجة بإنقاذ البحر الميت، كما حاولت بريطانيا لمنافسة الفرنسيين في شقّ قناة السويس.
لكن البحر الميت معرّض للموت عطشاً، نتيجة تحويل مياه نهر الأردن الرافد الوحيد للبحر إلى «إسرائيل» ، فضلاً عن أثر إنخفاض البحر على المياه الجوفية التي تحوّلت بدورها إلى «إسرائيل» .
و تستند «مهمة إسرائيل الإنقاذية» هذه تستند إلى أذرع طويلة في البنك الدولي الذي درس وخطّط وقلّل من المخاطر البيئية، بحسب دراسات رأها دعاة حماية البيئة لذرّ الرماد في العيون . كما تستند إلى أذرع أخرى في الإدارة الأميركية التي تحاول إستثمار ثمرات السلام في إقناع العرب بشرب مياه البحر مقابل التضحية بمياه الأردن وفلسطين من أجل التعاون مع «إسرائيل» . وبحسب بعض مسودات المشروع في البنك الدولي، ستمسك «إسرائيل» بمفاتيح المياه المحلاّة الذاهبة إلى عمان والضفة الغربية. وربما ستتولّى «إسرائيل» حماية بعض منشآت المشروع الكهرمائية الواقعة في الأراضي العربية.
و بحسب الدراسات ستكون المراحل الأخرى التي ستلي المرحلة الأولى أكثر طموحاً في وصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط لمنافسة قناة السويس، والإنفتاح البرّي على الجزيرة العربية . و العرب الطامحون  إلى التعاون مع «إسرائيل»  وما يسمونه تبادل المنافع ثمرة للسلام يشيرون إلى ما يسمونه مكاسب مائية وتجارية لكنهم لا يذكرون التضحية بمياه النهر من أجل قطرات مياه البحر.
أما وزير التعاون «الإسرائيلي» سيلفان شالوم الذي وقّع الإتفاق فقد حاول إحياء الذاكرة بقوله: "نحقق اليوم رؤية بنيامين هرتسل الذي تنبّأ قبل إنشاء «إسرائيل» بالحاجة إلى إحياء البحر الميت .
و يقول حازم الناصر وزير المياه والري الأردني "لا يوجد حل لمشكلة المياه في المنطقة العربية إلا إذا توفرت لدينا أموال العالم كله، ولكن جزء من هذه الحلول أن نتعامل مع التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، إن كان في تنقية المياه أو اعادة الاستخدام وتقليل الفاقد أو الادارة المتكاملة".
كما يقول  خالد الزبيدي الكاتب والمحلل الاقتصادي الأردني "اقتصادياً المشروع مهم؛ يوفر كميات كبيرة من المياه العذبة لأن هناك توليد كهرباء بتكلفة منخفضة، وتحسين منطقة طولها حوالي 200 كلم، وبناء مناطق سياحية وزراعية".
ولأن أي مشروع تكون فيه «إسرائيل» طرفاً فمن الطبيعي أن يثير الشكوك؛ المعارضون حذروا من أن «إسرائيل» تسعى لاتمام هذا المشروع لرفد مناطق النقب بالمياه المحلاة تجهيزاً لإقامة مستعمرات جديدة فيها، ويضيفون أن الكلام الدائر عن تزويد السلطة الفلسطينية بثلاثين مليون متر مكعب من المياه ليس إلا ذراً للرماد في العيون.
و يقول سفيان التل الخبير في شؤون المياه "المشروع هو عبارة عن محطة تحلية للمياه، تقام شمالي العقبة فقط، وتعطى معظم مياهه المحلاة إلى الكيان الصهيوني، وستضخ من الأردن إلى مناطق النقب حيث يتوسع الكيان الصهيوني في بناء المستعمرات هناك".
ويقول أيضاً هشام البستاني عضو جمعية مناهضة التطبيع ان "المشكلة في اتفاقيات مثل هذه التي لها علاقة بالمياه وتوليد الكهرباء واتفاقية استيراد الغاز من الكيان الصهيوني هي أنها تدمج كل البنية المجتمعية في الأردن وتجعلها تحت تحكم الكيان".
وكمشروع الغاز الذي لم ينجح أحد حتى الآن في إيقاف مساعي الحكومة لاستيراده، لا يبدو أن مشروع ناقل البحر الأحمر سيتوقف؛ تطبيع يقول المعارضون للاتفاقيات مع «إسرائيل» أصبح شريكاً وجزءاً لا يتجزء من سياسات الدولة الأردنية.
و يبرر الأردن أي علاقة تجمعه بـ«إسرائيل» بأن مصلحة الدولة العليا تقتضي ذلك ، وأن خياراته الشحيحة لتأمين مواطنيه لا بد أن تشمل «إسرائيل» ، ويرد المعارضون بأن لـ«إسرائيل» مطامع تسعى لتنفيذها على حساب الأردن الذي بات محاصراً بمائه وأرضه وسمائه من قبل «إسرائيل» .

• ما هو مشروع قناة البحرين؟ وماذا يحقق لـ«إسرائيل»؟

عادت حرب المياه إلى الواجهة من جديد ؛ يغرق العرب في خلافاتهم وتطفو «إسرائيل» بمشاريع لخدمة كيانها..
و"المستهدف عربي والأداة والأرض عربيتان ، والخاسر عربي والمستفيد «إسرائيلي»"، بهذه المعادلة البسيطة يلخص خبراء مشروع "قناة البحرين". والمشروع هو عبارة عن ربط البحر الأحمر والبحر الميت بواسطة أنبوب يمتد مسافة 200 كيلومتر، والهدف منه ضخ المياه إلى البحر الميت، مع الإفادة من 400 متر هي الفرق في منسوب المياه بيـن البحر الأحمر والبحر الميت، ما قد يعوض انخفاض مستوى البحر الميت.
وانخفاض سببه تحويل المياه إلى «إسرائيل» بواسطة سد "دغانيا" المقام بين بحيرة طبريا ونهر الأردن وسحب المياه الحلوة المتدفقة طبيعياً إلى البحر الميت.
وبالنسبة إلى «إسرائيل» تحديداً، يقدم المشروع فوائد استراتيجية جمة، يعزز من قدراتها النووية والصناعية، من خلال تبريد المفاعلات النووية المنوي إقامتها على امتداد القناة.
كما سينتج كهرباء توفر على «إسرائيل» 650 مليون دولار سنوياً، وتتيح تشغيل محطات لتحلية المياه للشرب والزراعة.
و هذه القناة المقترحة تشكل حاجزاً مائياً يصعب مهاجمة «إسرائيل»  من الشرق، وترسم فاصلاً بين مناطق السلطة الفلسطينية والأردن، كما أن حمايته ستقتضي نشر نقاط أمنية «إسرائيلية» ستشكل عائقاً جديداً أمام إقامة دولة فلسطينية.
هي إذاً أهداف مغرية دفعت القيمين على المشروع إلى عدم ترك بوابة إلا وحاولوا الدخول منها، إذ تعددت تسميات المشروع فتارة يصبح بيئياً يهدف إلى "إنقاذ البحر الميت"، وطوراً هو مطلب إنساني ملح لحل مشكلة العوز المائي في المنطقة، وحيناً يصبح مشروعاً اقتصادياً لا يرجى منه إلا تطوير المنطقة وتوفير فرصة جيدة لبدء شراكة بين أطراف النزاع في المنطقة، وأخيراً هو مشروع سياسي يمثل نموذجاً للتطبيع والموائمة" مع «إسرائيل» كما تفيد تسميته بـ "قناة السلام".
إلى الآن الاتفاق لازال على الورق، ولكن الخطة تقول إنه خلال 4 - 5 سنوات على أبعد تقدير سيصبح واقعاً جديداً على الأرض العربية.