زوجة العالم النووي الشهيد شهرياري : الصهيونية وداعش وجهان لعملة واحدة والأعداء استهدفوا الأدمغة بعد عجزهم في المواجهة

وصفت الفيزيائية والأستاذة الجامعية الدكتورة بهجت قاسمي زوجة العالم النووي الشهيد الدكتور "مجيد شهرياري" "الصهيونية" و"داعش" بانهما وجهان لعملة واحدة وقالت في حوار اجرته معها الاعلامية الزميلة "زينب الصفار" : ان الاعداء استهدفوا الأدمغة في ايران الاسلامية بعد عجزهم في مواجهة الشعب الايراني الصامد والمقاوم .. لكن أنى لهم أن يحققوا اغراضهم الدنيئة وهذا ما تشير له التجارب على مر التاريخ مؤكدة ان الشعب الإيرانيّ والمسلمين لا ينظرون إلى القتل على أنّه النّهاية و الزّوال .

و اعتبرت الدكتورة قاسمي في حوار شامل ان من يقف وراء اغتيال العلماء هو الموساد الصهيوني الذي وصفته بانه نتاج المخابرات المركزية الامريكية السي اي ايه ، مضيفة بأنّ كافّة هذه البرامج وضعها الصهاينة و الكيان «الإسرائيليّ» فهم يسعون إلى الوقوف أمام تطوّر الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة و يريدون ضرب علمائها النوويين و مواجهتها بأيّ طريقةٍ ممكنةٍ
وفيما يلي نص الحوار :

• هلا تسلطين الاضواء على السيرة الذاتية للشهيد الدكتور شهرياري ؟ كيف تنظرين له كزوج ؟ ، كأب ؟ كزميل ؟ كعالم ؟ و كشخص كان مهماً جدا ًفي حياتك ؟ وكم كان مهما ًبالنسبة إلى تطوير القدرات النوويّة الإيرانية ؟
- الدكتورة بهجت قاسمي : بسم الله الرحمن الرّحيم . للإجابة على سؤالكم ، يمكنني القول في جملةٍ واحدةٍ إنّه كان إنساناً يستوفي الشّروط .. كان عالماً كامل الأوصاف .. كان شخصيّةً ذات أبعاد مختلفةٍ . فمن ناحيةٍ كان أباً ، و من اخرى زوجاً و من ناحيةٍ ثالثة كان زميلاً . كان يمثّل كلَّ هذه التّوصيفات وكان شخصيّةً جامعةً لكلِّ ما ذكرتْ . وذلك يعود برأيي إلى شخصيّته كإنسانٍ و كمسلمٍ . و في دوره كزوجٍ ، يمكنني القول إنّه زوجٌ مثاليٌّ ، و كان الرّقمَ واحد بالنّسبة لي فقد كان عطوفاً ، منطقيّاً و خلوقاً جدّاً ، و يتعامل بكثيرٍ من الاحترام و الحبّ . وكان يقوم بكلّ واجبٍ يقوم به الزّوج المثالي . و لا يمكنني ذكر أيّ خصلةٍ من خصال الزّوج المثاليّ إلّا و كان يملكها . وبصفته أباً عندما كان يُتاح له الوقت و تتوفر الإمكانيّة كان يسعى لأداء واجباته تجاه أبنائه مع أنّ مشاغله كانت كثيرةً و كان يأتي متأخّراً في المساء إلى المنزل ، لكن في تلك الأثناء و بالرّغم من تعبه الشديد ، كان يلعب المصارعة مع ابني أحياناً ، كما كان يمارس مع ابنتي لعبة التنس بالرّيشة و يمارس معها لعبة كرة المضرب أيضاً . كان يجلس مع ابني لحلّ المسائل الدراسية لساعتين و ثلاث ساعات ، و أحياناً كانا يجلسان حتّى الثانية من بعد منتصف الليل لمناقشة مسألةٍ يصعب على ابني حلّها و أحياناً اخرى كان ينام و بيده القلم و الورقة لحلّ مسألةٍ دراسيّةٍ ما و كان ابني يجلس حتّى الصباح ليجد حلّاً لتلك المسألة ، حتّى إنّي أذكر مرّةً حين استفاق أبوه للصلاة صباحاً ، صرخ ابني قائلاً "وجدت الحلّ" ، حينها التحق به والده ليرى الحلّ ، هذا هو بالنّسبة له كأبٍ .
كنّا زملاء أيضاً، زملاء في الجامعة ، و بالطبع فان جوّ العمل في الجامعة مختلفٌ . كنّا نحاول عدم إقحام العلاقات العائليّة بالعمل ، لكن بما أنّني أحمل صفات وخصال أي أنثى .. كنت أقشّر له الفاكهة أحياناً و أحضرها لغرفته أحياناً .
• هل كان يستشيرك في مختلف القضايا المتعلقة بمجال خبرتك ؟
- الدكتورة بهجت قاسمي : كان يستشيرني مرّاتٍ عدّةً لأنّنا كنّا نعمل في كليّة واحدةٍ ، و كان هناك ارتباط بين مجال دراستي و دراسته . وأحياناً كان يستشير أحدنا الآخر في الأمور الدّراسية و الصّفيّة . و خلال الفترة الصغيرة التي كنّا نقضيها في المنزل . كان يحدث أحياناً أن نتناقش معاً في مسألةٍ في الفيزياء . فإذا ما كنت أريد طرحها في الصّف ، أو هو كان يريد ذلك ، كنّا نتشاور فيها ، لكن بما أنّه كان مشغولاً أغلب الوقت ، كان أكثر من 90 بالمئة من أمور المنزل و الأولاد على عاتقي ، فلم نكن نتعامل معاً كزميلين كثيراً ، لكن كان يحصل هذا الأمر أحياناً .
• أخبرينا عن أهمية دور الدكتور مجيد شهرياري في تطوير القدرات النووية في إيران . إلى أي مدى كان دوره مركزياً ؟
- الدكتورة بهجت قاسمي : كان مثقّفاً ملتزماً و كان يعتبر أنّ ما تعلّمه و ما سعى إلى تعلّمه جيّداً ، و استطاع أن يتعلّمه نظراً لما يتمتّع به من ذكاء . كان يعتبر أنّ عليه نقل هذه العلوم إلى الطّلاب على المستوى التّعليمي و تطبيقها على مستوى العمل . رفاقه الذين كانوا أساتذةً محاضرين في العلوم النوويّة و كانوا مسؤولين في الموضوع النوويّ و أنا كنت أعرفهم . مسؤول الطاقة الذرّية كان من بين أساتذة الدكتور شهرياري و على علمٍ بقدراته ، و قد طلب منه التعاون معه اذ لم يكن التطوّر النوويّ والإنجازات النوويّة التي حقّقتها ايران اليوم ، قد تحققت في تلك الفترة . و قد رأى الدكتور شهرياري أنّ من واجبه التعاون معه على حدّ قول رئيس منظّمة الطّاقة النوويّة و الزملاء الذين كانوا أساتذة مختّصين في هذا المجال . كان نشيطاً جدّاً وترك بصماتٍ كثيرةً في هذا المجال ، ونذكر منها القدرة التي تمتّعت بها إيران أخيراً في مجال تخصيب اليورانيوم ، فان جزء كبيراٌ منها مردّه إلى مساعي المرحوم الدكتور شهرياري .

• اسمحي دكتورة بهجت أن نعيدك بالذاكرة إلى صباح التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 2010 . عند الساعة السابعة والنصف أو السابعة وأربعين دقيقة تحديدا ً، كنت برفقة الدكتور شهرياري في السيارة كنتما متوجّهيْن إلى العمل .. هل يمكنك أن تصفي لنا ماذا حدث بالتحديد ؟ كيف تم استهداف الدكتور ؟ ما كانت الوسائل المستخدمة في استهدافه؟ هل اتخذتما احتياطات أو إجراءات أمنية ؟

- الدكتورة بهجت قاسمي : أنتم تعلمون أنّنا كنّا أستاذين ويومها كنّا في طريقنا إلى الجامعة لإعطاء محاضرةٍ في صفوفنا . قبلها بسنةٍ كان قد استُشهد الدكتور علي محمّدي . بعد استشهاده خصّصوا سيّارةً مع سائقٍ مسلّحٍ للدكتور شهرياري. كان عادةً يذهب بها إلى عمله و أنا كنت أذهب بسيّارتي الخاصّة . يومها مُنع تجوّل السّيارات التي تنتهي لوحتها برقمٍ مفرد بسبب تلوّث الجوّ في طِهران ، و سيّارتي كانت من بينها ، لذلك طلب منّي مرافقته إلى العمل و كان هذا لطفاً إلهيّاً حيث إنّني ذهبت يومها بصحبته بالصّدفة . ربّما كانت تلك هديّةً من الله لي أن أكون طوال فترة حياتي بالقرب منه . يومها ذهبنا معاً . خرجنا من منزلنا قرابة السّابعة صباحاً . في مسيرنا كان هناك زحامٌ شديدٌ ما دفع السائق إلى إبطاء سرعته كي يغيّر مسيره ، لذلك اتّخذت السّيارة وضعيّة حركةٍ بطيئةٍ . في تلك الأثناء كان الدكتور جالساً في الأمام بالقرب من السّائق و أنا كنت جالسةً في الخلف . و بعد ظهر ذلك اليوم كان الدكتور شهرياري يريد المشاركة في جلسة لمناقشة رسالة الدراسات العليا في الجامعة ، و كان رأسه للأسفل بما أنّه كان يطالع رسالة الدراسات العليا للطلاب . أنا بدوري كنت أنظر إلى الخارج من النّافذة الأماميّة داخل السّيارة . كنت أجلس خلف الدّكتور شهرياري تماماً . رأيت درّاجة ناريّة يستقلها شخصان و يعتمر كلٌّ منهما قبّعةً ، و لم تكن رؤية وجه أيٍّ منهما ممكنة . لفتتني قبّعتاهما حيث كانتا كبيرتين و جديدتين . كان واضحاً أنّهما جديدتان . كانت هذه الدّراجة الهوائيّة بالقرب من سيّارتنا و سمعت صوتاً صغيراً ظننت أنّ مرآة الدرّاجة الهوائيّة ارتطمت بالسيارة ، ثم نظرا إلى داخل السّيارة و انطلقا مسرعَين . التفت السّائق إلى ما يجري لأنّه كان من قوّات الحراسة فأوقف السيّارة سريعاً و صرخ : "ترجّل يا دكتور" صرخ السّائق و كان الرّجلان قد تجاوزا سيّارتنا فشاهدت هوائيّ القنبلة من النافذة قرب الدكتور حينها علمت ما الذي يجري لأنّنا بعد استشهاد الدكتور علي محمّدي كنّا نحتمل حدوث هذا الأمر ، لذلك انتبهت إلى ما يحصل .

• هل اتخذتما احتياطات أو إجراءات أمنية ؟ هل لاحظتما أنكما مراقبان ؟ أو أنّ هناك من يتبعكما مثلاً ؟

- الدكتولرة بهجت قاسمي : تبدو عملية محترفة من الطريقة التي حصلت فيها . بالنّسبة للإجراءات الأمنية التي كانت عندنا ، يمكننا القول إنّه بعد استشهاد الدكتور علي محمدي بات العلماء محاطين بجوٍّ أمنيٍّ . المنزل الذي كنّا نسكنه، ذهبنا إليه لأسباب أمنيّة ، فمنزلنا لم يكن هناك . كنّا نتوقّع و نعلم أنّ مثل هذا الأمر قد يحصل ، لكن كان علينا متابعة حياتنا . الحماية الأمنية كانت في مستوىً ما حيث أعطونا سيّارةً و لم تكن موجودةً في السابق . كما كان هناك سائقٌ مسلّحٌ و هو ما لم يكن سابقاً في متناولنا . و نحن أيضاً كنّا نراعي بعض النُّظم، كأن لا يذهب لوحده إلى أيّ مكانٍ ، فكان يذهب عادةً مع ذلك السائق ، لكن كان علينا أن نعيش حياتنا، كنّا أستاذين في الجامعة . كان علينا الذهاب إلى الصفّ لإعطاء الدروس للطلاب . لم يكن منطقياً أن نعيش كالسجناء و نسجن أنفسنا خوفاً من حصول شيءٍ . و نحن أيضاً مسلمون و نؤمن بالقضاء و القدر، فنفعل ما علينا و نراعي كافّة الملاحظات و نترك الباقي على الله .

• ماذا حدث لكِ بعد الانفجار؟
- الدكتورة بهجت قاسمي : في ذلك الحادث ترجّلت من السيارة قبل الدكتور وكنت أنوي فتح الباب الأماميّ كي يترجّل هو لكن انفجرت العَبوة بوجهي و قذفتني ، تأذّيت كثيراً لكنّني لم أفقد وعيي حتّى إنّ رجلي تحطّمت ، لكن لم ألتفت إلى هذا الأمر حين وقعت على الأرض هممت بالوقوف كي أذهب ناحية الدكتور فلاحظت أنّني لا أقدر على ذلك زحفت على الأرض حتّى باب السّيارة و رأيته جالساً على المقعد و رأسه حانٍ على الطّرف فعلمت أنّ هذه هي النّهاية .

• ماذا عن الناس من حولكما ؟
- الدكتورة بهجت قاسمي : في تلك اللحظة وقعت على الأرض و لم أقوَ على الوقوف . شاهدت و أنا على الأرض عدداً من الأشخاص الذين تجمّعوا حولنا ، و بعد عدّة دقائق جاء عناصر فرق الإسعاف و وضعوني على الحمّالة ثمّ نقلوني إلى سيارة الإسعاف . لم أكن أستطيع أن أعرف كثيراً ما الأجواء المحيطة بي ، لكن على كلّ حالٍ اجتمع بعض الأشخاص هناك ، و حسب الفيديوهات التي شاهدتها لاحقاً ، يبدو أنّ عناصر فريق الإسعاف أخذوا جثمان السّيد شهرياري من السيارة ، و قد شاهدت في الفيديوهات كيف مدّدوه و وضعوا الكفن عليه و عبر الكاميرات الموجودة في الشارع و بعض كاميرات وكالات الأنباء . شاهدت الفيديو بعد فترةٍ من الحادثة .

• ذكرت بعض التقارير أنّ مصادرُ داخلَ النظام أشادت بالدكتور شهرياري باعتباره الرجل الأكثر مسؤوليةً عن سرعة تطوير قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم . ويقال أيضا ًإنّ دكتور شهرياري أدى دورا ًمهما ً في نجاح النظام بإعاقة فيروس "ستكسنت" المتطور للغاية الذي استهدف بعض أجهزة الطّرد المركزي في إيران . ما هو برأيك سبب استهداف دكتور شهرياري ؟ ولماذا هناك محاولات مستمرة لاستهداف العلماء النوويين الإيرانيين ؟
- دكتورة بهجت قاسمي : كما تقولون فقد كان رجلاً متخصّصاً و ملتزماً و كان يتمتّع بمهارةٍ كبيرةٍ في مجال تخصّصه و من الطبيعيّ أنّ أيَّ شخصٍ يشعر بالالتزام تجاه بلده ، سيعمل من أجلها . دائماً ما يكون الأمر هكذا . التاريخ أيضاً يشير إلى أنّ الدول الإمبريالية والصهيونيّة والدول التي تذلّ العالم هذه الدول تريد العلم لها حصراً تريده من أجل تقوية نفسها . هم لا يعارضون العلم، لكن يريدونه فقط خدمةً لقدرتهم . و لا يحبّون أن تكون الشعوب الأخرى مقتدرةً ، أن تكون شعوباً ذات مستوىً علميٍّ جيّدٍ و تكون هذه الشّعوب مقتدرةً و قويّةً مع كونها تتمتّع بمستوىً علميٍّ جيّدٍ لذلك من منطلق طبع الطّمع لديهم ، لا يريدون للمجتمعات الأخرى أن تكون قويّةً ، و هذا الأمر بات اليوم أكثر بروزاً في العالم خاصّة بين دول العالم الثّالث و الدّول الإسلاميّة فانهم لا يريدون لهذه الدّول أن تكون قويّة و لديها مستوىً من العلم لذلك يستعملون أيّ طريقةٍ كي يقفوا أمام علم هذه الدّول . عملوا كثيراً في إيران خاصّةً بعد الثّورة الإسلاميّة وأعتقد أنّ كلّ هذه الأمور كانت تهدف إلى شيءٍ واحدٍ . منذ البداية كان الهدف هو الحرب . الاغتيالات التي حصلت بعيد انتصار الثّورة حصلت في هذا المسار وكانت الحرب لهذه الغايات فقد دمّروا كافّة معدّاتنا و صناعاتنا . وحتى العقوبات، كلّ هذه الأمور تصبّ في منحىً واحد . لكن كان هناك صمودٌ و مقاومةٌ من الشّعب الإيرانيّ وأنا بصفتي مسلمةً و بصفتي إنساناً أفتخر بهذه الأمّة فقد صمدت حتّى اضطرّ الأعداء إلى المجيء كي يضربوا الأدمغة ، رأوا أنّهم لن يقدروا على فعل شيءٍ ، فقرّروا أن يضربوا الأدمغة و هو ما فعلوه ، وللأسف لديهم قوّاتٌ في كلّ مكانٍ تعطيهم المعلومات ، حتى من بين القوّات المنافقة الموجودة في الدّاخل عندنا الذين ضُلِّلوا للأسف و عملوا ضدّ إيران طوال هذه السّنوات . استخدم الأعداء هؤلاء الأشخاص و حصلوا على معلوماتٍ عن علمائنا ثمّ خطّطوا لضرب الأدمغة و أنا على يقين أنّ هذا الأمر أيضاً لن تكون له أيّ نتيجةٍ و هذا ما يشير إليه التّاريخ .

• هل تظنّين أن هذه الممارسات ، أي قتل العلماء ، يمكن أن تحبط و تردع طموحات أو قدرات إيران النووية ؟

- الدكتورة بهجت قاسمي : بالطّبع لا، و هذا ما شهدناه من الشّعب . أعتقد أنّ قتل هؤلاء العلماء أو كما نعتقد استشهادهم أدّى إلى إعطاء جرعة قوّةٍ و طاقةٍ للشّعب الإيرانيّ ، فحين استشهد هؤلاء العلماء، لم يكن النّاس و الطلاب على علمٍ بحجم هذا الملفّ ، و لم يكونوا على علمٍ بمدى أهميّة هذه التكنولوجيا و هذا العلم و حجمه . و حين شاهدوا كيف أنّ الأعداء جاؤوا ناحية العلماء ، بدا و كأنّ العدوّ قد أعطى جرعاتٍ من الطّاقة لهؤلاء النّاس و إذا ما انتبهتم جيّداً بعد استشهاد هؤلاء العلماء تزايدت الرغبة و الطلبات لدى الطّلاب كي يتّجهوا نحو الطّاقة النووية والطّلاب الذين كانوا يدرسون هذا الاختصاص ، لم يكتفوا فقط بعدم التراجع ، بل قطعوا الخطوات إلى الأمام بمزيد من الرغبة . وليس هذا مجرّد كلامٍ يُقال، بل إنّنا شاهدنا ذلك عن كثب عبر الإنجازات التي تحقّقت . و قد تساءل البعض إذا كان هذا النوع من الاغتيالات من شأنه أن يدفع الناس إلى تغيير مجال خبرتهم وأن يحيدوا عن دراسة الأمور المتعلقة بالتكنولوجيا النووية أو المجال النووي من شأنه أن يدفعهم إلى تغيير مجال دراستهم نحو الطّاقة النوويّة لا العكس و قد بات لدى الكثيرين رغبةٌ للتقدم إلى هذا الاختصاص وطبعاً أنا أعتقد أنّ كافّة مجالات العلم و الصّناعات ضروريّةٌ و جيّدةٌ و تساعد البلاد . ان هذا الأمر دفع بعض الطلاب الذين كانوا يريدون دراسة هندسة البناء و الميكانيك ، ليتجهوا نحو الدراسة النووية ، و هذا باعتقادي إنجازٌ بحدّ ذاته و هو لطفٌ إلهيٌّ و الأعداء حصلوا على نتيجةٍ عكسيّةٍ لأنّهم لا يعلمون ما يواجهون ربّما لا يعرفون ما الاعتقدات السّائدة هنا أو ربّما لا يعلمون بهذه العزيمة الكبيرة لدى الشّعب الإيرانيّ هذه الأمور دفعت الشّعب إلى أن يصبح أكثر تماسكاً و باعتقادي ذلك يعود إلى أنّ النّاس ينظرون إلى ما أبعد من العالم المادّي والشعب الإيرانيّ و المسلمون لا ينظرون إلى القتل على أنّه النّهاية و الزّوال فبعض عمليات القتل توجد أرضيّة للحياة . وحسب رأيي في هذه الحالة يكون القتل من نصيب الأعداء و هو ما ثبت لنا .

• نحن نعلم أنه في اليوم نفسه من اغتيال دكتور شهرياري كانت هناك محاولة اغتيالٍ لعالم نوويّ آخر في شمال طهران .. برأيك من هي الجهة المسؤولة عن هذه الاغتيالات ؟

- الدكتورة بهجت قاسمي : صحيحٌ فاثنان من العلماء النوويين، أي الدكتور شهرياري و الدكتور عباسي تم استهدافهما في هجومين متزامنين تقريباً . كان ذلك تتمّة للاغتيال الذي استهدف الشهيد الدكتور علي محمدي قبلهما بعامٍ و بعد عدّة أشهر تعرّض اثنان من مهندسينا الشباب للاغتيال هما السيد رضايي نجاد و السيد روشن . و كلّ ذلك يصبّ في اتجاه واحدٍ . و السؤال عمّن قام بذلك . لا يختصر جوابه بشخصٍ واحدٍ فنحن نعلم منذ سنواتٍ أنّ كافّة هذه البرامج وضعها الصهاينة و الكيان «الإسرائيليّ» فهم يسعون إلى الوقوف أمام تطوّر الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة و يريدون ضرب علمائها النوويين و مواجهتها بأيّ طريقةٍ ممكنةٍ و نحن على يقين بهذا الأمر . و حتّى منذ عدّة سنواتٍ كنّا نعلم بذلك ثمّ إنّ جهاز الموساد اعترف بهذا الأمر و اعترف بأنّه يسعى لتمزيق إيران .

• هل تظنّين أنّ الموساد كان يعمل بمفرده في التخطيط لمحاولات الاغتيال ؟ ماذا عن وكالة الاستخبارات الأميركية؟ ماذا عن وكالة الاستخبارات البريطانية؟

- الدكتورة بهجت قاسمي : يمكننا هنا الإشارة إلى ما يسمّى بعالم الإرهاب لذلك حسب رأيي كلّ من يدافع عن الإرهاب هو شريكٌ في هذا الأمر ، فنحن هنا لا نتحدّث عن شخصٍ واحدٍ، بل عن مفهوم الإرهاب . اسمحي لي أن أقول شيئا ًهنا بحسب جريدة (الغارديان) من دون إعطاء الضوء الأخضر زوّدت (الولايات المتحدة) الأدوات التي ستحتاج إليها «إسرائيل» للقيام بهذه المهمة و قد صرّح أحد المسؤولين الأميركيين لـ (ويكيليكس) أنّه كان هناك اجتماع لمجموعة عسكرية وسياسية مشتركة بين (الولايات المتحدة) و «إسرائيل» في تشرين الثاني وقيل عن تلك السنة أي عام 2010 إنّ حكومة «إسرائيل» وصفت عام 2010 بالعام الحرج . إذا استمر الإيرانيون في حماية مواقعهم النووية وتنشيطها، فسيكون من الصعب استهدافهم وإلحاق الضّرر بهم . وهذا يظهر أنّ هناك نوعاً من التعاون بين الطرفيْن . هكذا هو الأمر، فمصالحهما تقاطعت معاً وكلّ العالم يعلم، قد لا أعلم كم من شعوب العالم يعرفون بهذا الأمر . ان «إسرائيل» هي منتجٌ من (سي آي إي) أي الولايات المتحدة الأميركيّة ، فهم أوجدوا «إسرائيل» كي يحافظوا على مصالحهم لكن أحياناً لا يمكن للولايات المتّحدة و أوروبا التدخّل مباشرةً فيمارسون أعمالهم عبر «إسرائيل» ونحن نعلم أنّ مصالحهم متقاطعةٌ دائماً و تلزمهم «إسرائيل» للقيام بهذه الأعمال كما تقولون، كلّهم لديهم هدفٌ واحدٌ . لا يمكننا طبعاً تلخيص هذا الهدف بالاغتيالات للعلماء النوويّين فإذا ما نظرنا إلى ما يجري في العالم مثل اغتيال الشخصيات الفلسطينيّة او اغتيال الشخصيات اللبنانيّة . و ما يجري من اغتيالات في سوريا، مصر و حتى الدّول الأوروبيّة و لا ننسَ أفغانستان و باكستان و تركيا و روسيا، كلّ دول العالم : الهدف واحدٌ و هو إزالة كلّ من يتعارض و مصالحهم لذلك أوجدوا ثقافةً أو جرثومةً باسم الإرهاب حيث تعتني «إسرائيل» رئيسياً بمن ينفّذون خطط الإرهاب و هناك كثيرٌ من الأوامر التي تأتي من الولايات المتّحدة . طبعاً ذلك للمحافظة على مصالحهم و إزالة هؤلاء من طريقهم وبرأيي إنّ داعش هو أيضاً من هذا الصّنف .

• السؤال الأخير : ماذا تقولين باختصار لزوجك ، لأولادك لزملائك في العمل وهم زملاؤك وزملاء زوجك أيضا  ؟ وماذا تقولين للقتلة ؟

- الدكتورة بهجت قاسمي : بالنسبة لزوجي لا يمكن أن أبعث له بأيّ رسالةٍ الآن ، لكن أقول لأبنائي و تلامذتي و أبناء شعبي و حتّى لكافة شعوب العالم : نحن بشرٌ و واجب الإنسان هو العيش بإنسانيّةٍ ، خلق الله الإنسان وأعطاه قدراتٍ ، واجبنا هو استخدام هذه القدرات التي وهبها الله لنا أيّ شخصٍ حيثما يعيش يتوجّب عليه العمل من أجل بلده و شعبه و هذا ما قمنا به نحن الضغوط المفروضة من الدّول التي تريد أن تقضم العالم لتكون كافّة الممتلكات و القدرات لها وحدها . هذه الضغوط يجب علينا تحمّلها والتاريخ يرينا أنّه إذا أردنا الوصول إلى حقّنا، يجب أن ندفع الأثمان . يجب أن تكون خطانا ثابتةً ، و هذا ما لمسناه في شعوب العالم و يمكننا أخذ لبنان نموذجاً . ان لبنان هو مدعاة فخرٍ لمسلمي العالم وفلسطين أيضاً نموذجٌ لهذه الدّول فهي أيضاً مدعاة فخرٍ و صمودٍ للمسلمين . هذا هو واجبنا . و عندما استشهد زوجي قلت لأبنائي يجب أن ندفع أثماناً كي نتطوّر و نبقى مرفوعي الرأس ، و كلٌّ يدفع الثّمن بمعنى ما . وإذا كان الثّمن هو الدم، فعلينا أن نقدّمه .
تاريخيًّا كان لقادة ديننا هذا المبدأ و أقول لكم أنتم مسلمون و لكافّة الشّعوب الإسلاميّة و حتّى غير الإسلاميّة هناك شخصٌ اسمه الإمام الحسين بين قادة ديننا الجميع على علمٍ بتاريخ الإمام الحسين وعاشوراء والظّلم الذي لحق به ، بعدما حصل لي كنت أفكّر لمَ حدثت عاشوراء؟ لمَ خلق الله الإمام الحسين؟ لم خلق يزيد و الشّمر؟ بعد تفكيري خلصت إلى نتيجةٍ مفادها أنّ هؤلاء الأشخاص كان يجب أن يُخلقوا فعاشوراء كان يجب أن تحصل و السّيدة زينب كان يجب عليها أن تكون هناك ذلك من أجلي أنا و أمثالي الذين نعيش في وقتنا هذا أولاً لنعرف واجباتنا فإذا أردنا إحقاق الحقّ يجب أن ندفع ثمن ذلك و نتقبّله . وأنا بصفتي امرأةً أعتبر السّيدة زينب قدوتي وحين أفكّر كيف كانت هناك امرأةٌ في واقعة عاشوراء ونقلت رسالة عاشوراء إلى الأجيال اللاحقة . و حسب اعتقادي منذ بداية البشريّة حتّى نهايتها و انتهاء العالم ليس ممكناً أن تُخلق امرأةٌ تواجه مصائب كالتي واجهتها السيدة زينب . هذه المرأة هي قدوتي أنا المرأة المسلمة . خسرت زوجي ووالد أبنائي إنّها قدوتك أجل هي قدوتي و أنا راضيةٌ بما حصل لي يجب أن أتعلّم من السّيدة زينب أن أقوم بواجبي و أن أنقل هذا الاستشهاد و هذا الواجب و هذا الصّمود للأجيال اللاحقة هذا هو واجبي . متفائلون بفضل الله و قد تعلّمنا هذا الأمر بكلمةٍ من إمامنا العظيم . نحن مكلّفون بتأدية واجبنا .. و يبقى ما يريده الله .

• هل هناك رسالة أخيرة تودّين إرسالها ؟
- أريد أن انتهز الفرصة و أبعث برسالةٍ إلى والدة الشاب اليابانيّ الذي قتله داعش . قد لا تكون لذلك علاقةٌ بموضوعنا النوويّ ، لكنّي لا أراه بعيداً عنه كثيراً . كلّ هذا من نتاجات الإرهاب . أريد أن أبعث بهذه الرسالة إلى السيدة (إيشودو) إن لم أكن مخطئةً : نحن مسلمون و نتعاطف معها و نقول لها إنّ هذا الإرهاب الذي قتل ابنك وأفجعك به قتل زوجي وأفجعني به و فعل ذلك بالآخرين ، هما وجهان لعملةٍ واحدةٍ . أحد هذين الوجهين يقتل زوجي باسم الصهيونيّة و الوجه الآخر يقتل ابنها باسم الإسلام وكلاهما واحدٌ و ينتميان إلى مدرسةٍ واحدةٍ وينهلان من نفس النّبع و أودّ أن أقول لها إنّنا مسلمون و المسلمون يحترمون الإنسانيّة و الإنسان في أيّ مسلكٍ و من أيّ أمّة كان واجب المسلمين الذين أمرهم الله و نبيّه به هو احترام البشر واحترام الأرواح و احترام النّاس و العمل من أجل النّاس و خدمتهم . جاؤوا و أوجدوا شيئاً اسمه داعش . يمكن للصهاينة إيجاد إرهابٍ إسلاميٍّ، يهوديٍّ و حتّى مسيحيٍّ .. لكن كلّ المسلمين و المسيحيّين و اليهود و باقي الدّيانات حتّى الذين لا يدينون بأي دينٍ هم مقدّسون بالنّسبة للمسلمين ، و هم محطّ احترامٍ بالنّسبة للمسلمين . هؤلاء الأشخاص أرادوا تشويه صورة الإسلام أوجدوا إرهاباً من المسلمين . ان السيّدة إيشودو المفجوعة على ابنها يجب أن تعلم بهذا كما فجعت هي بابنها . كثيرات من النّساء و الأمّهات المسلمات فُجعن بسبب داعش في سوريا، العراق، مصر، لبنان، أفغانستان و باكستان و أنا آسفةٌ لخَسارتها و أواسيها بمُصابها و من هنا أودّ أن أصافحها بحرارةٍ و أتمنّى من الله أن يزيل الصّهاينة أينما كانوا . كما اتمنى لشعوب فلسطين، لبنان، سوريا، مصر، العراق، إيران، باكستان، أفغانستان و كلّ مناطق العالم أتمنّى أن يتخلّصوا من شرّ الإرهاب .