أمريكا تغضّ الطرف عن "النصرة" في سوريا ورهان دولي وإقليمي على الجبهة من أجل حل عسكري للازمة السورية !؟
يشير "التطبيع" مع "جبهة النصرة" الارهابية كتنظيم معتدل مقارنة بداعش إلى مراهنة دولية وإقليمية على الحل العسكري، لكن هذا الرهان سبقه الدعم بالسلاح قبل الإعلام حيث تحدثت الأجهزة الأميركية و الفرنسية عن تدفق سلاح نوعي للجبهة باسم "مساعدة المعارضة المعتدلة" ، فيما قد تكون الإدارة الأميركية ، التي تأمل توظيف "داعش" في العراق ، وجدت في استراتيجية التقسيم الطائفي ، حليفاً في مسعى تقسيم سوريا ، في كانتونات طائفية .
وفتحت سيطرة النصرة وحلفائها على إدلب وأريحا ، الباب أمام إعلام بعض الدول الداعمة لنشر مثالب افتراضية كان نشرها يمكن أن يدخل في باب المحاكمة الجنائية ، بحسب قوانين مكافحة الارهاب.
وفضلاً عن بعض وسائل الإعلام العربي نشرت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية ما وجدته اعتدالاً في النصرة بالمقارنة مع "داعش"، داعية إلى ملاقاته في منتصف الطريق.
و رأت باحثة في أحد مراكز البحوث الأميركية المرموقة ، تغييراً ملموساً نحو ما أسمته "براغماتية النصرة" التي ينبغي أن يشجعها الغرب أيما تشجيع.
و ربما تشير فورة التطبيع مع ثقافة النصرة ، إلى أن الدول التي دعمتها تطمئن إلى إطلاق يديها في المراهنة على الحسم العسكري، بمزيد من تبني القاعدة براحة ضمير.
و ربما وجدت الإدارة الأميركية ، التي تأمل توظيف "داعش" في العراق ، في استراتيجية التقسيم الطائفي ، حليفاً في مسعى تقسيم سوريا ، في كانتونات طائفية، ولعلها وجدت النصرة ذراعاً لمنع فيضان "داعش" عن الحاجة الآميركية. وفي هذا الصدد تفصح بعض الأجهزة الأميركية والفرنسية عن تدفق سلاح نوعي وصل إلى جبهة النصرة باسم "مساعدة المعارضة المعتدلة" في "جيش الفتح"، وهي تعول على منع تمدد "داعش" من الامساك بمثلث الحدود السورية ــ العراقية الأردنية بعد تدمر.
اما تركيا التي ترى حديقتها الخلفية في الشمال السوري باتت على مرمى حجر، يتراءى لها أن ماء النصرة كماء "داعش" يصب في طاحونها .
لكن النصرة توزع بدورها وعوداً بالبراغماتية على الدول ، التي تجد في ثقافة القاعدة طابعاً أخلاقياً مثل "داعش"، التي جعلت من التقاطع مع تركيا استثناء في استراتيجية التمدد.
وهناك إرباك أميركي واضح بخصوص التعامل مع جبهة النصرة ، فقد أعلنت واشنطن مراراً أن الجبهة هي منظمة إرهابية ، بيد أن القرار الأميركي يواجه عقداً وعقبات كثيرة ، منها تحالف 6 فصائل أساسية معها فيما يسمى "جيش الفتح"، وفشل بعض القوى في إقناع قادة النصرة ليفكوا ارتباطهم مع القاعدة، وتمكن النصرة من ضرب ما تسمى فصائل المعارضة المعتدلة المدعومة أميركياً. والأهم من هذا كله ، هو أن الجبهة باتت أقوى الفصائل العسكرية على الأرض باستثناء داعش، وتمتلك ترسانة عسكرية كبيرة، وتسيطر على مساحات شاسعة، كما أنها تتقاطع أيديولوجياً مع الكثير من الفصائل المسلحة، كأحرار الشام وجيش الإسلام .
أمام هذا المشهد المعقد، فإن الدول المناهضة للنظام السوري ، باتت ترى أن أي ضربة للنصرة أو داعش ، ستصب في صالح الجيش السوري والمحور الداعم له، لذا فإن الأولوية بالنسبة لهم هي إقامة توازن مع النظام السوري على الأرض، لا ضرب داعش.
وتظهر التحالفات التي نُسجت في الفترة الأخيرة والوقائع الميدانية أن بعض الدول الإقليمية باتت تعتمد على هذه التنظيمات، ولو مؤقتاً، لتحقيق هذه الأهداف، وأنها نجحت في إقناع الولايات المتحدة في غض الطرف عن النصرة في الوقت الحالي، ووقف القصف الجوي على مقارها، أو على الأقل التخفيف من وتيرته.