الامام الخميني : كيف نستعد لضيافة الله تعالى ؟

الامام الخمینی : کیف نستعد لضیافة الله تعالى ؟

شهر رمضان المبارك من أعظم الشهور عند الله ، ايامه و لياليه رائعة جدا وتبعث الروح في النفس الانسانية ، وتلاعب نفحاته المباركة الروح و النفس لتغرقها في بحر اللذائذ الروحية والمعنوية ، وقد كانت عظمة وكرامة هذا الشهر الفضيل سببا لان يتلظى قلب رسول الاسلام صلى الله عليه و آله و سلم و الائمة الاطهار عليهم السلام انتظارا لإشراقة هذا الشهر المبارك ، و تغشاهم مشاعر النشاط والشوق ، تزامنا مع دخولهم في هذا الشهر الفضيل ، استعدادا لاقصى درجات التزود من لحظاته المباركة .

و يبذل اهل الايمان تاسيا بقادتهم و ائمتهم لكسب المعارف والافكار الازمة حول عظمة ومكانة شهر رمضان المبارك واثار صيامه قبل حلوله ، و السعي لتهيئة ارضية الانتهال من معين اثاره الروحية ولحظاته السحرية الرائعة .

ان فهم شهر مضان و ادراك عظمته و ارتشاف جرعة من معينه الصافي له علاقة كبيرة لدفع النفس الانسانية نحو المراحل المتقدمة للكمال و التقرب من الله تعالى ومن الطبيعي لا يدرك كل هذا ، من حرم معرفة و فهم و ادراك فضل هذا الشهر العظيم وفي الحقيقة فانه كالميت يتحرك بين الاحياء .
وطبقا لقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم و حسبما ورد في الخطبة المنسوبة اليه (ص) ، فان عباد الله كافة ، تمت دعوتهم في شهر رمضان المبارك الى ضيافة الله تعالى ، و ان مضيفهم هو الله تبارك وتعالى : «ايها الناس انه قد اقبل اليكم شهرالله .. دعيتم فيه إلى ضيافة الله» ، فهيئوا أنفسكم لهذه الضيافة العظيمة .. فما عليكم في هذه الايام القلائل التي تفصلنا عن شهر رمشان المبارك إلا أن تفكروا في اصلاح انفسكم و التوجه الى بارئكم .. استغفروا الله من افعالكم وأقوالكم التي لا تليق . وإذا كنتم قد ارتكبتم -لا سمح الله- ذنبا فتوبوا إلى الله قبل الدخول في شهر رمضان المبارك . عودوا ألسنتكم على ذكر الله ومناجاته.. إياكم أن تصدر منكم غيبة أو تهمة أو نميمة او أي ذنب في هذا الشهر وان تدّنسوا أنفسكم بالمعاصي و تسيئوا آداب الضيافة و انتم ضيوف الله سبحانه. لقد دعيتم في هذا الشهر الفضيل الى ضيافة الحق تعالى : "دعيتم فيه الى ضيافة الله" فهيئوا أنفسكم لهذه الضيافة العظيمة . فكما تمسكون البطن عن الطعام والشراب فامسكوا عيونكم وألستنكم عن المعاصي . عاهدوا أنفسكم من الان على أن تكفوا اللسان عن الغيبة والتهمة والكذب والاساءة واخرجوا من قلوبكم الحسد والحقد وسائر الصفات الشيطانية القبيحة. وكونوا حذرين دائما وملتفتين الى الحكم الشرعي للاعمال التي تنوون القيام بها والقول الذي تريدون ان تنطقوا به والموضوع الذي تستمعون اليه . واذا رايتم شخصا يريد ان يغتاب ، حاولوا ان تردعوه وقولوا له : لقد تعهدنا ان نجتنب المحرمات في هذا الشهر . و إذا لم تستطيعوا منعه من الاغتياب .. اتركوا المجلس ، فلا تجلسوا تستمعوا اليه، إذ يجب أن يأمن المسلمون جانبكم . ومن لا يامن المسلمون يده ولسانه وعينه فهو في الحقيقة ليس بمسلم . إنما هو مسلم في الظاهر والاسم ، وينطق بـ "لا إله إلا الله" فحسب . فاذا اردتم - لا سمح الله- أهانة احد من المسلمين واغتيابه والمساس بكرامته فاعلموا أنكم في محضر الربوبية وفي ضيافة الله تبارك وتعالى وانكم بمحضره تسيئون الادب مع عباده ، وان أهانة عباد الله هي بمثابة إهانة الله تبارك وتعالى.
ان عباد الله كافة تمت دعوتهم في هذا الشهر الى ضيافة الله تعالى ، وان مضيفهم هو الله تبارك وتعالى وينبغي للضيف قبل الدخول الى هذه الضيافة الربانية ، ان يكون عارفا بالمضيف ، مدركا لمقامه من خلال اطلاعه على عادات و تقاليد المجلس ويحرص أن لا يصدر عنه ما ينافي الاخلاق ويسيء اليها . ومن الطبيعي ان مفهوم هذه الضيافة يختلف عن الضيافة المادية والاكل والشرب ، انها ضيافة روحية ومعنوية، ولهذا يجب غسل ادران الذنوب والمعاصي لنكون اهلا لبلوغ عناية وانوار المضيف .
و منذ لحظة تلبية هذه الدعوة الكريمة ، ينبغي التحلي بالاداب و الاخلاق التي تجعلنا اهلا لنيل رحمة وعناية الله تبارك وتعالى ، فالصوم لا يعني الامساك عن الطعام والشراب فحسب ، بل ينبغي التمسك باحكام الله تعالى والعمل بالواجبات واجتناب المعاصي ايضا ، فحاولوا ان لا يكون صومكم مقرونا باقتراف الذنوب ، وفيما عدا ذلك وعلى فرض ان صيامكم كان صحيحا من الناحية الشرعية ، فانه لن يقبل ولا يرفع الى الله تعالى ، لان ارتفاع الاعمال الى الله سبحانه وقبولها لديه جل و علا ، يختلف كثيرا عن صحتها الشرعية .
اما الذنوب والمعاصي فهي تشمل على الغيبة والتهمة الاساءة والحقد والبهتان والاستهزاء وبث التفرقة والفتنة والنفاق و... . وينبغي ان يشتمل الصوم جميع جوارح الانسان وان يحفظ الصائم لسانه ، ويغض عما لا يحل النظر اليه بصره وعما لا يحل الاستماع اليه سمعه من ذكر عيوب الاخرين او الكلام البذيء وتتبع عورات الاخرين فضلا عن الالتزام بجميع الاحكام والمعايير الشرعية والاخلاقية واجتناب الاعمال المحرمة والابتعاد عن المعصية والفسوق .
ان اهمية الابتعاد عن هذا النوع من المعاصي والذنوب تنسحب على الساحة السياسية ايضا ، و ان الاشخاص والتيارات والتكتلات والاحزاب السياسية التي تنعدم فيها الاخلاق فانها تتهم منافسيها بسرعة وبسهولة ، بالأكاذيب والافتراءات والغيبة والنميمة والاغواء السياسي و غيرها من المعاصي و الذنوب التي لها صبغة سياسية ولا هدف لها الا السيطرة وكسب السلطة والسمعة ، على حساب انتهاك كل مباديء واسس الايمان والقيم الاخلاقية .
وركز الامام الخميني كثيرا على اهمية موضوع ترك المعاصي و الذنوب كشرط للدخول في الحضرة الالهية و لهذا صرح حول هذا الموضوع قائلا :
يجب ان يأمن المسلمون جانبكم . ومن لا يأمن المسلمون يده ولسانه وعينه فهو في الحقيقة ليس بمسلم . إنما هو مسلم في الظاهر والاسم . ان هذه العبارة تأكيد على ضرورة رعاية "الاخلاق الاجتماعية" و في جميع الابعاد والمجالات الثقافية منها والسياسية والحكومية لان الشعب الذي يرى الاخلاق الاجتماعية مسؤولية للغير فانه بالاضافة الى عدم رعاية هذه الاخلاق فانه لا يتهاون في ارتكاب المعاصي والذي سينعكس اثاره على ليس على نفسه فقد وانما على العناصر الثقافية والسياسية الحكومية و تنسحب صفات الكذب والافتراءات والاهانة واثارة الفتنة على نطاق واسع بالمسائل المتعلقة بالادارة الاستراتيجية . ان هذه العبارة تستند الى حديث الرسول الاكرم (ص) حيث يقول : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.. ان هذا الحديث الشريف يخاطب جميع افراد المجتمع وفي كل مهنة وفي كل المستويات الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية بضرورة التحلي الانسان بالايمان والتقوى والاخلاص والصداقة ليكون موضع امان  -على الاقل - للمسلمين ولا يتطرق بلسانه او بيده الى الاساءة لافراد المجتمع ويثير الفتن والافتراءات والاكاذيب في المجتمع  .. والا فانه سيخرج من حظيرة الاسلام ويجلب لنفسه العذاب الالهي ، لان الاسلام لا يعني فقط الامور العبادية ، بل ان من اهم ابعاده واثاره التي لا تقل عن العبادة أهمية هي رعاية الاخلاق والمعايير والقيم الاجتماعية والا فانه سيخرج من دائرة المسلمين .
واخيرا فان واحدة من الطرق لتحقيق قبول الصيام هي الامتثال الدقيق والكامل لجميع المعايير الاخلاقية الشخصية والسياسية والاجتماعية ، التي يجب التعهد امام الله تعالى بالالتزام بها قبل حلول شهر رمضان المبارك ، ليكون خلال شهر رمضان مراقب للنفس وامان من الوقوع في المعاصي وعدم الاعتداء على الحياة الشخصية والاجتماعية للاخرين والابتعاد عن انتهاك كرامة وسمعة الابرياء من عباد الله الصالحين، وعدم بيع ديننا لاجل الوصول الى الشهرة والسلطة والمال، للمستكبرين الذين يتسترون بقناع الدين لتنفيذ ممارساتهم الباطلة واعتقاداتهم الواهية و تحت اسم الاسلام والاحزاب والتيارات السياسية وصولا لاغراضهم واطماعهم الخاصة.

أهم الأخبار ثقافة ، فن ومنوعات
عناوين مختارة