صراع النفوذ والسلطة داخل الأسرة الحاكمة في السعودية
اكدت تقارير اعلامية ان أمر ترتيب البيت السعودي لم يستقر بعد، رغم القرارات السريعة والعاجلة والمفاجأة في الوقت نفسه التي اتخذها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وتصعيده للأمير محمد بن نايف إلى ولاية العهد بعد قبول استقالة الأمير مقرن بن عبد العزيز من ولاية العهد، ثم تصعيده لنجله الأصغر "29سنة" إلى الرجل الثالث في الدولة "ولي ولي العهد، ووزيرا للدفاع"،
واضاف موقع شؤون خليجية في تقريره ان الخلافات التي برزت بين أبناء الأسرة الحاكمة، وانتقلت من جلسات الغرف المغلقة إلى العلن، ووجدت طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد "شائعات" أو "تخمينات"، أو تتناقل من مصادر "مجهولة"، بل تنقل في تصريحات وتغريدات و"بوستات" على "الفيسبوك" و"تويتر"، ووسائل إعلام أجنبية، من قبل أمراء من العائلة الحاكمة، تشير إلى اتساع هوة الخلافات وعدم رضا شريحة ليست صغيرة من أبناء الأسرة الحاكمة على تعيين محمد بن نايف وليا للعهد، ومحمد بن سلمان وليا لولي العهد، وامتد الأمر إلى الطعن في شرعية البيعة للمحمدين، بل هناك ستة من كبار أبناء الملك عبد العزيز رفضوا بيعة المحمدين، وهناك من يطالب علنا بإقالتهما، وتدخل كبار الأمراء في الأسرة لإنقاذ الموقف، من "تهور" محمد بن سلمان، و"خوف" محمد بن نايف على منصبه، من جموح "بن سلمان" والإطاحة به، في ظل استغلال الأخير لمرض والده العاهل السعودي، الذي لم يعد سرا.
هيئة البيعة.. أين؟
الصراع داخل الأسرة الحاكمة، لم يعد صراعا على السلطة والنفوذ، بل بين من يملك أدوات القوة، وسطوة المال للتأثير على الآخرين، من أبناء الملك عبد العزيز، أو أبناء الأبناء، ممن لهم حق التصويت في "هيئة البيعة"، التي لم يعد يسمع لها صوتا، ولم تعقد أي اجتماعات لها، منذ تعيين الأمير مقرن وليا لولي العهد، والتي لم يعتد بقرارها المحصن، الذي لا يجوز إلغاؤه "كائن من كان"- بنص الأمر الملكي الصادر بهذا الشأن، ويحاول "ابن نايف"- يملك قوة الأجهزة الأمنية- بصفته وزيرا للداخلية، و"ابن سلمان"- قوة الجيش- بصفته وزيرا للدفاع، حسم الأمر بالقوة، ومن ثم ستكون خطوتهما القادمة تجريد "متعب بن عبد الله" من رئاسة الحرس الوطني، وضم الحرس إلى وزارة الدفاع، وبهذا يتم التخلص من خطر "متعب"، وخشية التلويح بقوة الحرس في حالة وفاة الملك سلمان المفاجئة، لتختلط الأوراق من جديد، كما حدث بعد وفاة الملك عبدا لله.
الأخطاء الكبيرة
وهذا ما يتخوف منه "محمد بن سلمان"، لأنه يوقن أن وفاة والده يعني الإطاحة به من ولاية العهد، كما حدث مع "مقرن"، خصوصا أن هناك معارضة قوية له داخل الأسرة الحاكمة، بل من كبار الأمراء، الذين رفضوا مبايعته، كذلك لم يبايعوا "محمد بن نايف"، ويرون أن تخطي الأمير أحمد بن عبد العزيز، صاحب الشعبية الكبيرة والاحترام والتقدير داخل الأسرة، من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها الملك سلمان، وتعقد المشهد داخل السعودية، والتفجيرات التي تنفذ في الداخل، وإطالة الحرب مع الحوثيين، وعدم حسمها، كل ذلك يعقد الأمور بالنسبة للمحمدين، ويعزز الأصوات داخل الأسرة التي تطالب بمراجعة الموقف، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
الاستئثار بالقوة والنفوذ
وهناك من يرى أن الصراع ليس فقط بين "بعض" الأمراء وبين "ابن نايف" و"ابن سلمان"، بل رصد المراقبون للشأن السعودي، صراعا خفيا بين "المحمدين"، على الظهور والاستئثار بالقوة والنفوذ، ومخاطبة الداخل والخارج، وأن جولات "بن سلمان" للخارج، خاصة زيارته لروسيا وفرنسا، التي حظيت بتغطية و"تلميع" إعلامي ضخم، كانت على حساب "ابن نايف"، الرجل الثاني في الدولة، وأن "ابن سلمان" يحاول أن يقفز على حساب محمد بن نايف، وبات الأخير يخشى الأول بقوة، ويقول أحد المعارضين السعوديين الذين يعيشون في المنفى في بريطانيا: "لو يعلم بن سلمان أن والده سيموت غدا لأزاح بن نايف اليوم ونصب نفسه ملكا، لكنه لا يعلم الغيب ولا يريد مزيدا من الصراع داخل الأسرة المالكة حالياً، فيبقى الصراع فيما بينهم على الحكم متروكا للمستقبل".
مملكة وشعب عبد العزيز..!!
عموما إنها "مملكة عبد العزيز"، على حد وصف الملك السابق "عبد الله" عند استقباله الوفد المصري أثناء الأزمة بين البلدين، و"آل سعود" يرون أن البلد "ملك" لعبد العزيز وأولاده، وبهذا المفهوم يتصرف "آل سعود" على أن الأرض وما عليها من بشر وحجر ملك لهم، دون النظر إلى "الرعية"، أو كما يوصف السعوديون أنفسهم بأنهم يحملون "التابعية"- يقصدون بطاقة الهوية- أي يتبعون لآل سعود.
وتكمن خطورة الصراع داخل الأسرة الحاكمة أنها ستجعل الشرائح المثقفة من الشعب السعودي، والذين أكملوا دراستهم في الخارج -180 ألف مبتعث ضمن برنامج الابتعاث- يتطلعون إلى المشاركة في الحكم بصفتهم "مواطنين" وليسوا "تابعين"، وأن لهم حقوق مثل غيرهم، وقد يعزز هذا المعارضة في الداخل، إذا استمر اختزال الدولة والسلطة والنفوذ والجاه في الأسرة الحاكمة فقط، وهو ما يخشاه الكثير من الأمراء السعوديين، الذين لم يخفوا معارضتهم لقرارات الملك عبدا لله، والملك سلمان.
قرارات ارتجالية
وأبرز هؤلاء الأمراء، الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي قال في تغريدة له عبر حسابه على موقع (تويتر): "فوجئت عند نهاية العهد ما قبل الحالي- الملك عبد الله- وهذا العهد- الملك سلمان- بقرارات ارتجالية، أعتقد بعد التوكل على الله، أنها لا تتفق مع شريعتنا الإسلامية، ولا أنظمة الدولة، وسبق لي أن ذكرت في هذا الموقع أنه لا سمع ولا طاعة، وبالتالي لا بيعة لمن خالف هذا وذاك"، وأضاف قائلا "وإنني أؤكد على موقفي هذا، وأدعو الجميع إلى التروي، وأخذ الأمور بالهدوء تحت مظلة نظام البيعة الذي وبالرغم من مخالفته لما اتفق عليه في اجتماعات مكة بين أبناء عبد العزيز، لا يزال هو أفضل المتاح، رغم أن الأمر الذي اتفق عليه في مكة، أن ينظر في تعديل بعض المواد– إذا وجد ذلك ضرورياً- بعد سنة من إقراره، الأمر الذي لم يتم وللأسف".
وتابع الأمير طلال قائلا :"وبالتالي فإنني أكرر أنه لا سمع ولا طاعة، لأي شخص يأتي في هذه المناصب العليا مخالف لمبادئ الشريعة ونصوصها وأنظمة الدولة التي أقسمنا على الطاعة لها"، ودعا الأمير طلال إلى "اجتماع عام يضم أبناء عبد العزيز، وبعض أحفاده المنصوص عليهم في هيئة البيعة، ويضاف لهم بعضاً من هيئة كبار العلماء، وبعضاً من أعضاء مجلس الشورى، ومن يُرى أنه على مستوى الدولة من رجال البلاد، للنظر في هذه الأمور".
الرافضون الستة للبيعة
ولم يكن "طلال" فقط الذي رفض قرارات "سلمان"، بل هناك خمسة أمراء آخرين من كبار العائلة الحاكمة رفضوا مبايعة "محمد بن نايف"، و"محمد بن سلمان"، وهم: : الأمير بندر بن عبد العزيز آل سعود، الابن العاشر من أبناء الملك عبد العزيز، لم يتقلد أي منصب رسمي في الدولة منذ تأسيسها، ويمثله ابنه الأمير فيصل في هيئة البيعة، والأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز آل سعود، نائب وزير الدفاع والطيران السابق، الابن السادس عشر من أبناء الملك عبد العزيز الذكور، ووالدته هي الأميرة حصة بنت أحمد السديري، ويعتبر أحد من يطلق عليهم لقب "السديريون السبعة"، والأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود (1350 هـ / 1931 م)، وزير الشؤون البلدية والقروية سابقاً، وهو الابن السابع عشر من أبناء الملك عبد العزيز الذكور.
رسالة الأمير ممدوح للملك
إضافة إلى الأمير ممدوح بن عبد العزيز، الابن الثامن والعشرين من أبناء الملك عبد العزيز الذكور من الأميرة نوف بنت نواف بن النوري الشعلان، الذي عين عام 1406 هـ الموافق لعام 1986، أميرا على منطقة تبوك إلى عام 1407 هـ، وبعدها عين رئيسا «لمركز الدراسات الاستراتيجية» الذي بقي يتولى رئاسته حتى نحي عنه، كتب رسالة إلى الملك سلمان وولي عهده وولي ولي عهده ولآل سعود في 20 نيسان 2015، بدأها بقول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ...), واختتمها بحديث الرسول الاكرم صلى الله عليه واله سلم, (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، والإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)، والأمير عبد الإله بن عبد العزيز، مستشار الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، هو الابن التاسع والعشرون من أبناء الملك عبد العزيز الذكور، وعين أميرا على منطقة القصيم، وظل أميرا عليها إلى عام 1412 هـ، وفي عام 1419 هـ عين أميرا على منطقة الجوف إلى عام 1423 هـ، وفي عام 1429 هـ عين مستشاراً للملك عبد الله، وبقي مستشاراً للملك سلمان بن عبد العزيز.
نفوذ وقوة السدارة
ويرى الباحث والمحلل السياسي المختص في شؤون السعودية بمعهد واشنطن، "سايمون هندرسون"، أن المعركة القادمة على الحكم داخل الأسرة السعودية ستكون شائكة جدا، فمن المهم أن نفهم نظام الخلافة القائم في المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها، والانتقال من حكم الأبناء إلى حكم الأحفاد، ويقول "هندرسون": إن الصراع في جوهره يتركز بين السديريين– أكبر مجموعة من الأخوة الأشقاء من أبناء بن سعود- والباقي (من أبناء الملك عبد العزيز)، والسديريون كانوا في الأصل سبعة، جميعهم ولدوا من نفس الأم التي تنحدر من عشائر سدير، وبالتالي لقبوا بـ "السديريين السبعة"، وقد ضمت هذه المجموعة بعض الأبناء الأكثر طموحاً للملك عبد العزيز، وهيمنوا على بيت آل سعود منذ ستينيات القرن الماضي، منهم الملك فهد (توفي عام 2005)، وولي العهد الأمير سلطان (توفي عام 2011)، وولي العهد الأمير نايف (توفي عام 2012) كانوا من السديريين، وهم الأخوة الكبار للملك سلمان، أما الإخوة الآخرين فهم نائب وزير الدفاع السابق الأمير عبد الرحمن، والأمير تركي الذي يُعتبر بمثابة البطة السوداء في العائلة المالكة، ونائب وزير الداخلية السابق الأمير أحمد.
ويرى هندرسون" أن السدارة بذلوا جهود جبارة لإبعاد الملك عبدا لله، ولكن منذ أن أصبح ملكاً في عام 2005، كان على الملك عبد الله أن يقبل بثلاثة سديريين أولياء للعهد، وهم على التوالي: الأمير سلطان ثم الأمير نايف، وسلمان الذي تولى الملك، ومع عدم وجود إخوة أشقاء له على قيد الحياة، وأقام "عبدا لله" تحالفات مع أمراء آخرين من غير السديريين لتعزيز سلطته، وجاء "سلمان" ليعيد السلطة والنفوذ للسدارة مرة ثانية، بعد التخلص من "مقرن".
تأمين يمين الولاء
وقال "هندرسون": إن الملك عبد الله، عند تأمين يمين الولاء– بشكل مسبق إلى الأمير مقرن- لم يحصل على إجماع كبار الأمراء الآخرين، وهو السلوك نفسه الذي اتبعه سلمان، الذي خالف خطط الملك عبد الله بمجرد أن أصبح ملكاً، ولكنه خالف التوقعات ولم يعين أخيه الشقيق الأمير أحمد، وليا للعهد، الذي تم تجاوزه الملك عبد الله، وجاء "سلمان" بمحمد بن نايف ابن شقيقه "نايف" وليا للعهد، وبنجله "محمد بن سلمان" وليا لولي العهد، لتركيز السلطة من جديد في يد الأمراء السديريين.
وطبقا للمغرد السعودي الشهير "مجتهد"، فإنه "يتردد في مجالس العائلة أنهم سكتوا عن التغييرات طمعا في أن يتحرك بن نايف لاحقا، لإعادة الترتيب ظنا منهم أنه يقدم مصلحة العائلة على مصلحته، ويضيف: "كانت مراهنة العائلة أن بن نايف سيبادر مع مرور الوقت لسحب صلاحيات بن سلمان، والتحرك مع أعمامه لإعادتهم للسلطة، وإعفاء الملك بسبب عجزه، لكن حصل العكس وتبين أن بن نايف استغل ثقتهم للتخلص من طموحهم، وفي المقابل تذلل لابن سلمان حتى يضمن البقاء في ولاية العهد، ليصبح ملكا بعد ذلك".
إسرار خطيرة من الداخل
ويتابع: "منذ موت الملك عبدا لله، ثم إقالة مقرن، لم يقدم على أي خطوة تعيد الاعتبار لأبناء عبدالعزيز- وخاصة أحمد- وفي المقابل رضي بدور الخادم لابن سلمان، ويتحدث أعمامه وكثير من بني عمه أنه لم يعد يكثرث بتوازن العائلة، ولا يهمه إلا شيء واحد: ألا يطرده بن سلمان، ولذلك يراعيه في كل تصرفاته"، وكشف الأمير سعود بن سيف النصر أحد أبناء الأسرة الحاكمة، عن أسرار كثيرة من داخل الأسرة، وحالة الرفض للمحمدين، وفساد "ابن سلمان" ووسائل الفساد والنهب المتنوعة التي تستهلك مئات المليارات، وما يحصل عليه الجنرال الصغير شهرياً، على عدة مليارات من الصفقات ومن أرامكو مباشرة وأوامر والده المالية والعقارية، وتعميد شركاته رغم أنف الجميع، وأن دخل الجنرال الصغير يكفي لحل واحدة أو أكثر من المشكلات حلاً جذرياً، وإنقاذ المجتمع من آثار الفقر والديون والبطالة وغيرها، ومطالبته التحرك للأخذ على يد من يستغل وضع الملك للاستمرار في هذا النهب الخرافي.
والسؤال: هل سيتحرك فعلًا كبار الأمراء من داخل الأسرة الحاكمة لحسم الموقف، أم أن امتلاك المحمدين للقوة والنفوذ والسلطة حسم الأمر، وعلى الجميع الانتظار لمرحلة "ما بعد سلمان"؟





