الاتفاق النووي : اعتراف بإيران كقوة سياسية ونووية وعلمية عالمية

أعلنت القوى العالمية الست الكبرى في العاصمة النمساوية توصلها الي إتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يقضي برفع كامل الحظر عن إيران؛ وهو الحظر المسيّس الذي بدأ الغرب بفرضه على طهران منذ أكثر من ثلاثة عقود ونصف ، وبهذا أسدل الستار على ماراثون المفاوضات الصعبة التي استمرت ما يقرب من إثني عشر عاماً ، و تكثّفت خلال العامين الماضيين لتختتم في فيينا بعد 17 يوما متواصلة .

و كتب المفكر العراقي الدكتور علي المؤمن رئيس مركز دراسات المشرق العربي : على الرغم من أن موضوع هذا الإعلان وعنوانه هو البرنامج النووي الإيراني، وبصرف النظر عن تفاصيله الفنية ، إلا أنه ينطوى على تحولات أساسية في المسارات السياسية الشرق أوسطية والعالمية؛ من أهمها:

1- الاعتراف بإيران قوةً سياسيةً عالمية؛ الى جانب القوى الست الكبرى: أميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والمانيا. وهو إعتراف لم يقدم لإيران هدية على طبق من ذهب؛ بل إنتزعته إيران إنتزاعاً بمقاومتها وصبرها وحنكتها وقدراتها الذاتية. وسيترتب على هذا الإعتراف تكريس وجود إيران شريكاً متكافئاً مع روسيا والصين في محور شنغهاي من جهة، وإعادة توزيع مناطق النفوذ بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى؛ إذ سيكون هناك نوع من التفاهم المتبادل بشأن الصراعات بين الطرفين في الشرق الأوسط، والحضور الإيراني في آسيا الوسطى وأفريقيا وأميركا اللاتينية؛ ما سيساهم بقوة في تخفيف بؤر التوتر؛ ولا سيما في النقاط الملتهبة في منطقة المشرق العربي؛ كأفغانستان والعراق والبحرين وسوريا ولبنان واليمن.
2- الإعتراف بإيران قوةً نووية وعلمية وتكنولوجية عالمية؛ ومايترتب عليه من تعاون دولي شامل على هذا الصعيد؛ سيحقق لإيران قفزات علمية إضافية كبيرة في جميع المجالات؛ بالنظر لدخول التكنولوجيا النووية في معظم مجالات الحياة؛ كالطاقة والطب والهندسة والتعليم العالي والصناعة وغيرها. وسيكون بمقدور دول الشرق الأوسط؛ ولاسيما المجاورة لإيران الإستفادة المباشرة من النتاجات الإيرانية في المجالات المذكورة.
3- التحول في إقتصاديات منطقة الشرق الأوسط وأوربا وشرق آسيا وروسيا؛ إذ ان رفع الحظر عن إيران؛ سيؤدي الى مداخيل إضافية لإيران لا تقل عن مائة مليار دولار سنويا، وانتعاش غير مسبوق للإقتصاد والصناعة والتكنولوجيا في إيران، وتحولها الى مركز لحراك اقتصادي عالمي جديد وتعاون صناعي وتكنولوجي يمتد من شرق آسيا روسيا الى اوروبا عبر ايران؛ ما يؤدي الى انتعاش لإقتصاديات كل هذا المحور. ومن هنا ظلت روسيا والصين وفرنسا والمانيا تسقط مصالحها الإقتصادية مع إيران في المفاوضات وفي إعلان الإتفاق؛ لأنها تطمح الى تعاون صناعي وتجاري مميز مع إيران.
4- عودة المحور الشرقي عبر منظمة شنغهاي التي تضم روسيا والصين وإيران ودول أخرى؛ الى قوة عالمية سياسية وإقتصادية وعسكرية؛ مقابل المحور الغربي الذي تقوده أميركا؛ مما سيحد من الهيمنة الأميركية على القرار العالمي، ويفرض التكافؤ في القوة بين المحورين. وهذا مايفسر دعم روسيا والصين لحليفتهما إيران في المفاوضات؛ لأن خروج إيران منتصرة نسبياً من المفاوضات؛ سيقوي محور شنغهاي؛ وسيحقق لروسيا والصين أيضاً نفوذاً إضافياً على كل الصعد.
5- إنتعاش محور الممانعة والمقاومة في الشرق الأوسط، وتقويته سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً وتوسعته جغرافيا وإجتماعياً؛ والإذعان بوجوده في إطار المركزية الإيرانية؛ ما يعطي لحماية إيران لحلقات هذا المحور في العراق واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين؛ مشروعية سياسية إقليمية ودولية. وسيساعد هذا الإنتعاش على النزع التدريجي لفتائل الأزمات في هذه البلدان.
6- ستنعكس قوة محور الممانعة الذي تقوده إيران على شيعة المشرق العربي؛ ولاسيما شيعة العراق والسعودية والبحرين واليمن ولبنان، وستخفف عنهم الضغوطات الطائفية؛ الإجتماعية والثقافية والإعلامية والسياسية والإرهابية تدريجيا؛ ولا سيما من الدول والجماعات التي تستهدف الواقع الشيعي؛ كالسعودية وقطر وتركيا والأردن والقاعدة والنصرة وداعش والبعث.
يمكن القول إن جميع الدول السبع خرجت راضية من المفاوضات، وكانت حصيلة المفاوضات عادلة الى حد كبير. وإذا كان المحور الرابح فيه هو المحور الشرقي: الروسي الصيني الإيراني، وإن الدولة الأكثر ربحاً هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فإن المحور الغربي لم يكن خاسراً، ويعتقد إنه خرج بمكاسب على مستوى الأمن العالمي والشرق أوسطي؛ فضلاً عن المكاسب الإقتصادية. أما المحور الذي يعد نفسه خاسراً في هذا الإتفاق العالمي؛ فهو المحور العنصري الطائفي الذي يعادي إيران من منطلقات ايديولوجية؛ والذي يقوده الكيان «الإسرائيلي» والمملكة السعودية.