على هامش الزيارة المرتقبة للمالكي الى طهران : ما الذي يقرأه الإيرانيون الإستراتيجيون ولا يراه بعض العراقيين ؟
تحظى زيارة نائب الرئيس العراقي نوري المالكي الى طهران أواسط آب الجاري كسابقاتها بإهتمام الجانب الإيراني ؛ نظرا لما يمثله من رمزية إسلامية إقليمية وعراقية وطنية ؛ و كونه أحد أبرز أقطاب جبهة المقاومة والممانعة في المنطقة ، والرجل الذي صوّت لوحده ثلث الشعب العراقي في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة ، وصاحب أكبر كتلة في البرلمان تشكل ثلث مقاعده تقريباً ؛ فضلاً عن كونه أمين عام أهم وأقدم حزب إسلامي في العراق ؛ الذي لايزال يترأس أعضاؤه الحكومة العراقية منذ عام 2005 وحتى الآن.
والأهم هو تضحيته النادرة التي كرّست رمزيته الإسلامية والوطنية ؛ حين تنازل عن إستحقاقه الإنتخابي ؛ حفاظاً على أمن العراق و سلامته المجتمعية واستمرار العملية السياسية ، و تفويتاً للفرصة على الأعداء الإقليميين الذين يتبرصون بالعراق شراً .
و كتب الباحث و المراقب الإيراني "مراد غفوريان" إن الزيارة المرتقبة؛ تعيدنا بالذاكرة الى زيارته السابقة في تشرين الثاني من العام الماضي ؛ إذ كان الإهتمام الإيراني بالسيد نوري المالكي لافتاً لنظر المراقبين المحليين والدوليين؛ إذ لم يحظ أي مسؤول عراقي بهذا الإهتمام الرسمي و الإعلامي خلال الأعوام الأخيرة ؛ بل حتى زيارات السيد المالكي نفسه خلال فترة رئاسته الحكومة العراقية لم يتم إخراجها إيرانياً بهذا الشكل والمضمون . و كان اللافت أيضاً الإجماع الإيراني على الإشادة الكبيرة بالمالكي ودوره ؛ اذ أشاد الرئيس روحاني بالمالكي ودوره وموقعه إشادة غير مسبوقة ؛ حتى قال بعض المراقبين الإيرانيين إنها تجاوزت البعد الدبلوماسي الى البعد الوجداني. وهو ماحصل أيضا في لقاءات السيد المالكي مع باقي قادة الدولة الإيرانية ومراجعها الدينين ، فيما أكّدت التسريبات إن بعض القادة الإيرانيين كانوا أنفسهم حريصين على لقاء المالكي .
أما الصحافة الإيرانية ؛ الحكومية والحزبية والمستقلة ؛ فقد بقيت تنشر أخبار الزيارة وصورها على صفحاتها الأولى خلال ثلاثة أيام . وهكذا بالنسبة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة وهو ما لم يفعله الإعلام العراقي الرسمي والحزبي والمستقل؛ لأنه لم يكن يرى ما يراه الإعلام الإيراني؛ بل كان هناك جهد سياسي وغير مهني للتعتيم على الزيارة ونجاحها وما حققته من مكاسب للعراق . و حتى صحافة الدولة العراقية الرسمية كانت تنشر أخبار الزيارة بإقتضاب في صفحاتها الداخلية؛ على الرغم من أن النائب الأول لرئيس الجمهورية يعد بروتوكولياً الرجل الثاني في الدولة بعد رئيس الجمهورية .
• ما لا يراه بعض العراقيين
لقد كان الإهتمام الديني و الرسمي و الإعلامي بالمالكي وزيارته يتعدى المنصب الرسمي و الحزبي له ؛ بل يدخل في إطار نظرة إستراتيجية شمولية للمنطقة العربية . و هذا البعد الإستراتيجي المهم الذي إكتشفه الإيرانيون في شخصية المالكي ودوره وموقعه لا يريد معظم الفرقاء السياسيين العراقيين أن يرونه؛ بمن فيهم بعض أطراف حزب الدعوة الذي يقوده المالكي . والحال ان السياسي الناجح يتعامل مع الحقائق الموضوعية ولا يتعامل على أساس الرغبات والتمنيات . بينما ترتكز الرؤية الإيرانية الإستراتيجية الى ثلاث نقاط أساسية واقعية ؛ تكشف عن حقيقة هذا الإهتمام بالمالكي :
1- أن السيد المالكي أثبت خلال السنوات الثماني من رئاسته للحكومة ؛ إنه ليس شخصية سياسية وحسب ؛ بل شخصية إسلامية قيادية سياسية وثقافية وفكرية ؛ وهو ما كان يتمظهر في سلوكياته و إهتماماته الإقليمية وخطاباته ومصطلحاته ، الأمر الذي جعل الإيرانيين ينظرون اليه كقائد إسلامي عربي تجاوز حدود العراق، وبات بحجم المنطقة العربية ، وهو ما ظهر في بعض تحليلات الصحافيين الإيرانيين الذين قرنوا إشادة آية الله الامام الخامنئي بالسيد المالكي بإشادته بالسيد حسن نصر الله ؛ و كأنهم يريدون القول بأن المنطقة العربية تحظى اليوم بقائدين إسلاميين ميدانيين هما الأكثر تاثيراً في الإقليم ؛ هما السيد حسن نصر الله والسيد نوري المالكي ؛ لا سيما وإنهما الأمينين العامين لأكبر و اهم حزبين إسلاميين شيعيين في الوسط العربي ( حزب الله وحزب الدعوة الاسلامية اللذين ينتميان الى جذر تنظيمي واحد وتاريخ واحد ). ويعتقد بعض المراقبين إن الرؤية الإستراتيجية الإيرانية تأمل عبر النظر بواقعية الى نصر الله و المالكي ودورهما وتأثيرهما ؛ في كبح جماح الطائفيين رجب طيب أردوغان وعبد الله بن عبد العزيز ودوريهما التخريبيين في المنطقة العربية . فالمالكي وحزبه نظيران و ندان لأردوغان وحزبه ، ونصر الله وحزبه نظيران وندان لعبد الله ومنظومته . ولاشك فإن الإيرانيين لا يرسمون هذه الأدوار ولا يحركون لاعبيها ؛ بل يتكاملون معها ويدعموها ؛ لأن المالكي ونصر الله لا يعملان لدى الإيرانيين ولا ينفذان أوامرهما؛ بل أن الثلاثة موجودون تلقائياً في مساحة عمل واحدة مشتركة وتحالف إستراتيجي إقليمي ، ويواجهون تحديات مشتركة ؛ شاءوا أم أبوا . و هو ما كان واضحا بجلاء خلال مرحلة الترشح لرئاسة الوزراء العراقية الأخيرة ؛ فقد ظل حزب الله اللبناني يدعم بقوة بقاء نوري المالكي في رئاسة الوزراء حتى اللحظة الأخيرة ؛ وهو ما كان يتكامل مع رأي القيادة الإيرانية . و بالتالي ؛ فان الجزء الأول من الرؤية الإستراتيجية الإيرانية ؛ يتمثل في نظرتهم الى السيد المالكي بإعتباره قائداً إسلامياً مؤمناً مثقفاً شجاعاً قوياً ( مضمون كلام الامام الخامنئي الذي يصف فيه المالكي) يتجاوز تأثيره حدود العراق الى المنطقة العربية. وهذه الحقيقة لا يريد معظم الفرقاء السياسيين العراقيين أن يرونها، وسيظلون يحجبونها ويحاججون من يكشف عنها ويردّون عليها الى ما لا نهاية .
2- إن الإيرانيين ينظرون الى السيد المالكي بإعتباره رجل العراق القوي ، وانه لايزال محافظاً على قوته الجماهيرية والسياسية ؛ على الرغم من فقدانه الموقع التنفيذي الأول، والحرب الشعواء التي ظل يتعرض لها من خصومه السياسيين. كما يدرك الإيرانيون إن إمتدادات المالكي الجماهيرية و تأثيره في قرار الدولة تتفوقان على هذه الأحزاب الخمسة مجتمعة ؛ و هو ما يفسر تأكيد آية الله الامام الخامنئي على السيد المالكي بالإستمرار بنهجه في دعم حكومة السيد العبادي؛ لأن هذا الدعم هو الكفيل بإنجاح حكومة العبادي وإستمرارها .
3- إن الإيرانيين يدركون بعمق طبيعة التضحية التاريخية النادرة التي قام بها المالكي، والتي أنقذ عبرها العراق وشيعته ومحور الممانعة برمته من أكبر كارثة تاريخية؛ كانت ستحول العراق الى ساحة حرب أهلية طاحنة لا تنتهي الّا بعد أن يحترق الوسط والجنوب، ويحتل الوهابيون كل المناطق السنية، وتعلن كردستان إستقلالها محتفظة بجميع المناطق المتنازع عليها، وتنهار الجبهة السورية ، ويضعف محور الممانعة الذي تتصدره إيران . لقد أنجز المالكي هذا العمل من خلال تنازله المسؤول عن حقه الشرعي والقانوني في رئاسة الحكومة العراقية لصالح السيد العبادي ؛ على الرغم من إيمانه الكامل وإيمان أنصاره بهذا الحق. وقد توقف الامام الخامنئي عند هذه النقطة كثيراً خلال إشادته بالسيد المالكي ، وكان يتحدث اليه بخصوصها معبراً عن إعتزاه الكبير وغبطته بهذه التضحية النادرة ؛ فقد قال له ما نصه : (( إن عملك العظيم حال دون الفوضى والإضطرابات وعدم الإستقرار)) . وهو ماكان يركز عليه القادة الإيرانيون أيضاً. بل ان الصحافة الإيرانية ركّزت كثيراً في تقاريرها على الصفحات الأولى على هذه النقطة بالذات ، وعدّته (( إنجازاً يتفرّد به المالكي عن قادة العالم الآخرين ، وأنه ضحّى بحقه كي لا تشتعل النيران في بغداد والوسط والجنوب )) .
وفي الوقت الذي يدرك الجيران بنظرتهم الإستراتيجية العميقة هذه الحقيقة ؛ فإن الخصوم السياسيين العراقيين و وسائل إعلامهم يعدّون تنحي المالكي لصالح العبادي إنتصاراً لهم ، و يستثمرون إيثار الرجل للشماتة به وبأنصاره، وهو لون فاقع من ألون المراهقة السياسية والسذاجة الإعلامية .

• تقويم الامام الخامنئي لشخصية المالكي
يبقى تقويم آية الله الامام الخامنئي لشخصية السيد نوري المالكي و إنجازاته ؛ هي الأهم والأكثر لفتاً لأنظار المراقبين في هذا الإطار؛ فنادراً ما يخاطب السيد الخامنئي ( خارج مناسبات التأبين) شخصية سياسية غير إيرانية بعبارات الإشادة والمديح والتقويم الإيجاني الكامل ؛ بإستثناء إشاداته بالسيد حسن نصر الله . وفي لقائهما في طهران في التاسع من تشرين الثاني من العام الماضي ؛ قال آية الله الامام الخامنئي مخاطباً السيد المالكي ما نصه : (( إن شجاعتك وقوتك وحسن إدارتك خلال فترة ترؤسكم للحكومة العراقية أمر مشهود له ، وقد قدّمت خدمات كبرى باتجاه المحافظة على إستقرار العراق وإستقلاله وتقدمه . إن العمل العظيم الذي قمت به خلال عملية إنتقال السلطة في العراق ، منع حدوث الإضطرابات وعدم الإستقرار، وإن هذا الموقف لن تنساه الساحة العراقية أبداً ، و إن منهجك في دعم حكومة السيد حيدر العبادي وإيجاد الوحدة بين مختلف القوى العراقية هو عمل جيد للغاية ، ويجب أن يستمر)).
ومن أجل فهم أهمية هذا الكلام وأبعاده ؛ ينبغي التوقف عند النقاط الثلاث التالية :
1- إن قائل هذا الكلام هو آية الله الامام السيد علي الخامنئي الذي يتحمل مسؤوليتين دينيتين خطيرتين ومسؤولية سياسية رأسية ؛ فهو مرجع ديني كبير ، والولي الفقيه في إيران وفي المساحات الشيعية التي تتمركز فيها التيارات الشيعية الرئيسة التي تؤمن بولايته . وهو كذلك قائد أهم دولة في الشرق الأوسط. وبالنظر للمسؤوليتين الدينيتين اللتين يتحملهما ؛ فإن الامام الخامنئي لا يجامل أحداً على حساب الحقيقة ، ولا يطلق عبارات دبلوماسية ، و لا يهدف الى أرضاء أحد ، وليس لديه مصلحة خاصة مع أحد ؛ بل أنه يتكلم من منطلق مسؤوليته الشرعية الدينية التي تملي عليه تقويم الأحداث والأشخاص تقويماً شرعياً مسؤولاً . كما أن موقعه السياسي بإعتباره قائد الدولة الأكثر نفوذا في العراق ؛ تجعل معرفته بالأشخاص وبمجريات الأحداث ؛ معرفة تفصيلية دقيقة ، و تقويمه دقيقاً أيضاً و لصيقاً بالواقع . وتتعمق المسؤولية في كلامه كونه يوجه خطابه لشخصية سياسية إسلامية شيعية قيادية ؛ تتعرض لهجمات الأقربين قبل الأبعدين؛ أي إنه يستحضر الموقف الشرعي في التقويم قبل كل شيء.
2- إن المعني في الخطاب هو السيد نوري المالكي ؛ الشخصية القيادية الإسلامية الشيعية السياسية ، وأمين عام أكبر و أهم وأقدم حزب إسلامي شيعي في العراق والبلدان العربية ، و نائب رئيس جمهورية العراق، ورئيس أكبر إئتلاف برلماني، والحاصل على أكثر الأصوات في الإنتخابات البرلمانية . وكان لإنجازاته خلال ثماني سنوات من رئاسته للحكومة العراقية الدور الأساس في بناء العراق الجديد . هذا الرجل الذي يحمل كل هذه الصفات والإمتيازات ؛ تنازل عن حقه في رئاسة الوزراء في عملية تاريخية نادرة ؛ لصالح قيادي آخر في حزبه ، وانقذ بذلك العراق من كارثة كبرى. ورغم ذلك فهو يتعرض لأشد حملات التشويه.
3- إن الخطاب يتضمن دلالات على قدر كبير من الأهمية؛ فهو يصف السيد المالكي بصفات محددة : الشجاعة، القوة، حسن الإدارة، تقديم الخدمات الكبيرة من أجل إستقرار العراق، وإستقلاله، وتقدمه، الإيثار والتضحية ومنع الإضطرابات والإنهيار في العراق من خلال تنحيه و نقل السلطة سلمياً ؛ وهو عمل عظيم ، ويؤكد صحة المنهج الذي يقوم به بدعم حكومة السيد العبادي وتوحيد صفوف القوى العراقية المختلفة . وكما ذكرنا فإن الامام الخامنئي لا يدلي بهذه الشهادات المهمة جداً؛ محاباةً أو مجاملةً أو مصلحةً ، ولا يطلقها دون تمحيص ومعرفة دقيقة .
كما لم تكن إشادة آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي بالسيد المالكي خلال زيارته الاخيرة له ؛ تقل شأناً في شكلها ومضمونها عن إشادة الامام الخامنئي به؛ بل كانت أكثر وجدانية و تفصيلاً . و موقفه هذا إمتداد لدعمه المعروف للمالكي ؛ لاسيما خلال فترة أزمة تعيين رئيس الحكومة .
إن شهادة الامام الخامنئي بحق السيد نوري المالكي، التي لا يريد بعض العراقيين قراءة أبعادها ؛ هي - بإختصارـ تقويم شرعي وإستراتيجي دقيق من مرجعٍ ديني كبير مبسوط اليد ؛ يعطي للسيد المالكي ما يستحقه من التقدير والتبجيل والثناء، وتنصفه حيال الهجمات والإتهامات التي ظل يتعرض لها . وهي بعد ذلك؛ رسالة واضحة الى بعض السياسيين الإسلاميين الشيعة العراقيين .





