استغلال التظاهرات الشعبية في العراق : "تحذير هام"
أفادت مصادر وكالة "تسنيم" الدولية للانباء ، بأن عددا من المدن العراقية شهدت تظاهرات شعبية تطالب بتوفير الخدمات الرئيسية ومنها الكهرباء و مياه الشرب والخدمات الصحية ، حيث يرى المراقبون و المتابعون للشأن العراقي ان الخدمات الاجتماعية التي يجب أن يتمتع بها المواطن العراقي لم ترق الى الدرجة المطلوبة خلال السنوات الماضية ، و لم تتمكن الحكومة من تحقيق مطالب الشعب في هذه المجالات .
من ناحية أخرى ، أصبحت محاربة الفساد مطلبا جماهيريا ، خاصة بعدما أكدت المرجعية الدينية مرات عديدة على محاربة الفساد و بشدة . وفي هذا الصدد أقدم رئيس الوزراء لعراقي حيدر العبادي ، على اتخاذ مجموعة من القرارات الهامة والاصلاحات لتنفيذ مطالب الشعب و المرجعية الدينية ، و هي قرارات تحتاج الى موافقة مجلس النواب لاقرارها ، الامر الذي تم امس الثلاثاء ، حيث صادق النواب بالاجماع على "حزمة الاصلاحات الحكومية الاولى" .
و لاشك إن التساهل او التهاون في موضوع الخدمات الاساسية وإهمالها قد يؤدي الى استغلال الدول الطامعة في التدخل بشؤون العراق ، و من ناحية أخرى ، قد تلجأ بعض التيارات السياسية المرتبطة بحكومات عربية رجعية لاستغلال هذه الأوضاع ايضا ، فتعمد الى التركيز عليها ، فتجعلها شماعة وصولا الى تحقيق اغراضها .
ولعل تصريح أياد علاوي رئيس الوزراء العراقي الاسبق ، الذي أمهل فيه حكومة حيدر العبادي 3 أشهر لتنفيذ ما أسماه بـ "مطالبنا بالإصلاح" ، خير دليل على ما تقدم ، و يكشف أن هؤلاء لا يبالون بالشعب ، و لا يترددون في استخدام أي سبيل لتحقيق أهدافهم و اغراضهم حتى لو كانت عبر استغلال مطالب الشعب المشروعة. إن هذه الممارسات تطورت الى درجة راح اصحابها يردد نداءات تطالب باجراء انتخابات مبكرة في العراق ، في الوقت الذي يحاولون تصوير الحكومة العراقية بالفاشلة ، ويوحون للشعب بأن خطة العبادي للإصلاح ، ليست الا استعراضية ودعائية في مجال محاربة الفساد ، و إن الحكومة غير جادة في ذلك .
من هنا ، نرى أن العراق يمر بمرحلة خطرة ، فهو من جهة يواجه خطر الإرهاب والحرب مع الجماعات التكفيرية ، و من جهة أخرى ، يواجه نزاعات و تجاذبات سياسية ، و قد يؤدي هذا الأمر الى نسيان القادة السياسيين للخطر الأساسي المتمثل في الإرهاب ، و الاتجاه نحو الأمور الهامشية و الصراعات السياسية والحزبية ، مما يمهد الأرضية للارهابيين و التكفيريين والمتعاونين معهم لاحتلال جزء آخر من الأراضي العراقية ؛ الامر الذي يتطلب وقفة شجاعة ومخلصة ويقظة من القادة السياسيين العراقيين و الشعب العراقي .
وبالطبع فان المرجعية الدينية في العراق تشكل - كما كانت دوما - صمام الأمان في هذا البلد خلال مواجهته المخاطر الداخلية و الخارجية ، و قد استطاع العراق ، بفضل حكمة المرجعية و حنكتها وحضورها الواعي و الفاعل ، اجتياز مخاطر ومنحدرات كبيرة ، لكن مع ذلك لابد من الحذر والانتباه في الوقت نفسه والالتفات بقوة الى أن العراق لطالما كان – ولايزال - محط أنظار الدول التي تتدخل في شؤونه ، و التي حاولت أن تسلب هذا البلد استقراره السياسي و الأمني .
ومن هنا ، فان من الضروري جدا الأخذ بنظر الاعتبار تحذير نوري المالكي نائب الرئيس العراقي ، من خطر استغلال التظاهرات الاحتجاجية ، التي تعكس المطالب الشعبية ؛ اذ من الممكن ان تخرج هذه التظاهرات عن اطار "المطالب الشعبية" وتتعرض للاستغلال من قبل عناصر معينة مشبوهة مشكوك بولائها و اخلاصها للشعب ، وقد يرفع البعض في التظاهرات شعارات تخرج عن اطارها الشعبي .
إن الاحتجاجات الشعبية تطالب بتوفير الماء و الكهرباء ومحاربة الفساد السياسي ، وهذا لا يختص بتيار معين ، بل يحمل طابعا اجتماعيا ، في حين يحاول البعض تصويره على انه سياسي ليركب موجة الاحتجاجات الشعبية ، فيُسقط حكومة حيدر العبادي ويحقق "أمنية" في نفسه بهذه الطريقة .
ان العراق بحاجة اليوم اكثر من اي وقت مضى ، الى التعاون والوحدة بين جميع التيارات السياسية من اجل اجتياز هذه المرحلة الصعبة في تاريخه ، كما على الحكومة العراقية تجنب أي تصرف متسرع من شأنه يؤدي الى زيادة حدة الصدام السياسي في البلاد ، وتفويت الفرصة على "الاستغلاليين" ، المتربصين بهذا البلد وبحكومة العبادي من اجل أن يضعوها في مأزق يمهد لعودة العناصر المشبوهة لاستلام زمام السلطة .
باحث و صحفي
/انتهي/