عاصفة جوية روسية في سماء سوريا نحو شرق أوسط جديد
مع الجولة الأولي من الغارات الجوية الروسية علي مواقع التنظيمات الإرهابية في سوريا ومنها تنظيم «داعش»، دخلت الحرب في سوريا، مسارا جديدا، فيما دخلت المنطقة برمّتها فصلا جديدا فقد أجاز مجلس الاتحاد الروسي للرئيس فلاديمير بوتين بعد ساعات قليلة علي خطاب الاخير في نيويورك ، وبناءً علي طلب من الرئيس السوري بشار الأسد ، تنفيذ عمليات عسكرية خارج الحدود ، وبادرت الطائرات الروسية فورًا إلي تنفيذ سلسلة من الغارات علي مواقع التنظيمات الإرهابية في محافظات حمص واللاذقية وحماه.
و اكدت صحيفة «السفير» اللبنانية في تقرير لها اليوم الخميس أن أهداف الغارات الروسية تنوعت ، ولم تستثن فصيلاً ، من تنظيم «داعش» الي «جبهة النصرة» الي «حركة أحرار الشام» وصولا حتي إلي فصائل تابعة لما يسمي «جيش الفتح» و «الجيش الحر»، بما يعنيه ذلك من رسالة روسية صارمة ان ولاءات وانتماءات هذه الفصائل إقليمياً، لا تعني موسكو شيئا.
وقالت الصحيفة، إن الروس تعمدوا إبلاغ الجميع (باستثناء فرنسا علي ما يبدو) بما في ذلك الولايات المتحدة، ان سماء سوريا يجب أن تُخلي من الطائرات خلال ساعة.
أما كيف تبلغ الاميركيون بالغارات الروسية ، فهي بحسب الصحيفة رسالة اخري لا تقل أهمية : عبر جنرال روسي يعمل في غرفة العمليات العسكرية المشتركة المقامة في بغداد (تضم العراق وايران وسوريا وروسيا) ، توجه الي السفارة الاميركية في العاصمة العراقية وأبلغهم «شفهيا» بقرار الكرملين بدء الغارات . ولم يعترض أحد تقول الصحيفة ، باستثناء الاحتجاج الفرنسي المضحك .. حتي ان الاميركيين بدوا مرتبكين في التعاطي مع عاصفة الغارات الروسية المفاجئة في سرعتها واتساعها . فتارة قالوا إن الغارات تنسجم مع تفاهم بوتين ونظيره الاميركي باراك اوباما قبل يومين بالقضاء علي تنظيم «داعش»، ثم قالوا إن الروس لم ينتظروا التنسيق العسكري معنا، ليكتمل مشهد الارتباك في ظهور وزير الخارجية الاميركي جون كيري الي جانب نظيره الروسي سيرغي لافروف، لا للاعتراض علي الهجوم الروسي، بل للتشديد علي أهمية التنسيق والتفاهم بين موسكو وواشنطن، أقله علي الصعيد العسكري، مع تأكيد أهمية الحفاظ علي وحدة الاراضي السورية.
لكن العاصفة الروسية التي فتحت معادلات جديدة اقليميا ودوليا، والتي وضعتها موسكو مرارا في اطار دعم مؤسسات الدولة السورية والجيش السوري ومكافحة الارهاب المتمدد في المنطقة في ظل فشل «التحالف» الذي أعلنته الولايات المتحدة قبل عام ولم يساهم في دحر التنظيمات التكفيرية في المنطقة برمّتها، بل في تناميها، تطرح، وستطرح في الايام المقبلة، العديد من الاسئلة والهواجس.
وتضيف «السفير»: ماذا بعد الغارات الجوية، خصوصا ان الطلب الرئاسي السوري لم يتضمن دعوة لعمل بري، وبوتين كررها أمس ان لا نية للعمل علي الارض مباشرة، وهناك من يذكّر بأن الحملة الجوية التي شنها «التحالف» الاميركي في العراق وسوريا لم تحقق نتائج جيدة؟ كما ان هناك من يذكّر بأن للحملة الروسية عناصر أكثر فاعلية لأنها تستند الي اعتماد علي وجود الجيش السوري علي الارض بكثافة، وهو كما اكد بوتين خلال الايام الماضية، الجهة الوحيدة المؤهلة والقادرة علي خوض المعركة ضد الارهاب. إلا ان الاجابة عن التساؤل ستنتظر ما ستحمله الغارات الجوية من نتائج خلال الايام وربما الاسابيع المقبلة.
ولا تتوقف أسئلة الصحيفة هنا: هل هي بداية نهاية للحرب السورية؟ ام انها بداية تصعيد جديد فيها؟ هل هي ضوء في نهاية نفق السنوات الخمس المظلمة؟ ماذا يريد الروس فعليا؟ وهل هو تدحرج اقليمي نحو تصعيد اكبر، ام انه مؤشر علي بلورة تفاهمات، سورية، اقليمية ودولية، ربما حان قطافها؟ ومن سيخرج رابحا في المشهد الجديد الذي اقتحمه الروس بقوة؟ وما هي لائحة الخاسرين عربيا واقليميا بعد اكثر من اربعة اعوام من الرهانات علي إسقاط دمشق، من دون جدوي، إلا تضخيم المأساة السورية وخسارات السوريين شعبا ودولة؟
من جانبها رأت صحيفة «الأخبار» ، أن أولي الغارات الجوية الروسية علي التنظيمات الإرهابية في سوريا هي الاختبار الميداني الأول، لحقيقة كسر أحادية القيادة الأميركية للعالم منذ ربع قرن. وهي فوق كل ذلك، إعادة تموضع القوة العسكرية الروسية في سوق العمل المباشر في مناطق المواجهات الباردة مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
وقالت "الاخبار" : أشياء كثيرة عبّر عنها قرار روسيا المباشرة بعمليات عسكرية مباشرة في سوريا. منها ما يخص روسيا نفسها، وما يخص أميركا وحلفاءها الغربيين والشرق أوسطيين، ومنها ما يخص إيران وحلفاءها الميدانيين في لبنان وسوريا والعراق، ومنها ما يخص أيضاً العدو «الإسرائيلي» . ولكن، قبل كل هؤلاء، في ما حصل أمس، ما يخص الشعب السوري، والقسم المناصر لحكم الرئيس بشار الأسد وجيشه مشيرة إلي أننا بتنا اليوم أمام الفرصة الأكبر لإدخال سوريا في مسار حل حقيقي، ولو كان التمهيد له بالنار .
وأشارت إلي أن الضربات التي نفذتها الطائرات الروسية أمس هي أولي المهمات في إطار برنامج عمل ، ورد تفصيلياً ضمن خطة التعاون القائمة بين موسكو وحلفائها في الحرب في سوريا والعراق وهي خطة منسقة بأدق تفاصيلها مع الحليفين السوري والإيراني، وتالياً حزب الله. وهي واقعة لها ما بعدها، ومن يدقق في نوعية الأهداف، وطبيعة الضربات، والبقعة الجغرافية، ثم يعود إلي كلام الرئيس فلاديمير بوتين، عن أن روسيا ستلعب دوراً في الجو لا علي الأرض، يمكنه أن يفهم أن ما حصل أمس، وله تتمته قريباً، هو تمهيد ضروري لعمل عسكري أكبر، بينه القسم البري الذي سيتولاه الآخرون من قوي التحالف. أي، بلغة مباشرة، إن قصف مراكز القيادة والتحكم، ومخازن أسلحة رئيسية، ومواقع مدفعية تخص المسلحين، سيكون مدخلاً لعمل عسكري ينفذه الجيش السوري علي الأرض، بدعم مباشر من إيران وحزب الله وحتي قوات من «الحشد الشعبي العراقي» .
واعتبرت «الأخبار» أن عناصر الاستغراب والدهشة التي بدت لدي الأميركيين والغربيين و«الإسرائيليين» والأتراك والسعوديين، دليل إضافي علي ضعف التوافق المسبق حول مصير المبادرات حيال الأزمة السورية.
وأكدت أنه لم يعد بالإمكان تجاوز قرار محور المقاومة، مدعوماً من روسيا، ليس بمنع سقوط الأسد فقط ، بل بإضعاف خصومه ، وكل خصومه دونما أي تفريق . ورأت أنه من الواقعي، الاستفادة من دعم روسيا - وهي طرف داعم، وليست من عداد محور المقاومة - لأجل الاستعداد لخوض معارك قاسية وحاسمة في عدة مواقع من سوريا. وهو أمر يتطلب رفع مستوي الجاهزية، والاستنفار، وخلق الآليات العملانية للاستفادة من الترسانة العسكرية الروسية الموجودة أو الآتية إلي سوريا .
ورأت الصحيفة أن روسيا فتحت أمس، صفحة جديدة في تاريخ العالم. ومهما بلغ شأن العمل العسكري الميداني، فإن النتائج السياسية والاستراتيجية تبقي الأكبر، وستفتح الباب أمام بعض الواهمين بأن أميركا لا تزال قائدة العالم والمتحكمة بمصيره، لأن يجروا مراجعة، ومن لا يرغب منهم بالتراجع، فليبقَ حيث يشاء، لكن ليأخذ في الاعتبار أنه صار لزاماً عليه الاتكال علي نفسه أكثر من أي وقت مضي... وهو كلام يشمل سوريا والعراق وفلسطين وحتي الجزيرة العربية وشمال أفريقيا! .




