معركة حلب الكبرى : الطوق يُرسم جنوباً ويساهم في عزل ادلب
بدا الجيش السوري و حلفاؤه معركة حلب الكبرى ، العمليّة التي فُتحت أمس انطلاقاً من الريف الجنوبي و تتناغم استراتيجيّاً مع عمليّات الجيش في ريفي حماة واللاذقية، وتسعى إلى عزل إدلب عن محيطها في الوقت نفسه يواصل الجيش تقدّمه نحو مطار كويرس العسكري في ريف حلب الشرقي و بات من الواضح أن عمليات الجيش في المرحلة الراهنة تحاول السير وفقَ استراتيجيّة مركزيّة تتولى تخطيط وتنسيق العمليات على جبهاتٍ عدّة في آن واحد .
وخلافاً لكل العمليّات السابقة التي حاولت رسم نصف قوس محكمٍ من الشمال ، عَكسَ الجيش وحلفاؤه مسار الطوق هذه المرّة حيث لا تعني الخطوة بالضرورة صرف النظر عن جبهات الريف الشمالي ، بقدر ما تعني أنّ غرفة العمليات العسكريّة قد أخذت في الحسبان جملة اعتبارات أدّت إلى إدخال تعديلات جوهريّة على خطط المعارك في حلب .
و أبرز ما يستوجب الوقوف عنده في هذا السياق هو تكامل مسار العمليّة التي انطلقت أمس مع معارك حماة واللاذقيّة سعياً إلى تحقيق هدف أساسي هو «عزل إدلب» . و خلافاً لما كانت عليه الحال على امتداد الحرب ، بات من الواضح أن عمليات الجيش السوري في المرحلة الراهنة تحاول السير وفقَ استراتيجيّة مركزيّة تتولى تخطيط وتنسيق العمليات على جبهاتٍ عدّة في آن واحد. ورغمَ أنّ الكثير من المصادر أشار إلى «فتح الطريق الدولي بين حلب ودمشق» بوصفه الدافع وراء عمليات الجيش جنوب وجنوب غرب حلب، غيرَ أنّ تحقيق هذا الهدف سيغدو مجرّد تحصيل حاصلٍ إذا أفلحت العمليات في عزل إدلب . و كانت سيطرة «جبهة النصرة» وحلفائها في «جيش الفتح» على محافظة إدلب في آذار الماضي واحداً من أبرز المنعطفات في مسار الحرب السوريّة، وأتاحت الفرصة أمام «جيش الفتح» لتهديد مناطق سيطرة الدولة السوريّة في كل من حماة واللاذقية بشكل متسارع. كذلك لحظت الخطط المستجدّة التي وُضعت لـ«فتح حلب» دوراً أساسيّاً لريفي إدلب الجنوبي والشرقي، خاصة بعد سقوط مطار أبو الظهور. ورغم الخلافات التي تنشب كلّ فترة بين مكوّنات «جيش الفتح»، غيرَ أنّ قبض اللاعب التركي على زمام الأمور في إدلب قد حوّلها إلى ما يمكن وصفه بـ«أكبر غرفة عمليّات أجنبيّة» داخل الأراضي السوريّة، تسهم في ذلك عوامل عدّة، أبرزُها أنّ المناطق الحدوديّة فيها لا تخضعُ لتداخلاتٍ أخرى كما هي الحال في ريف حلب مثلاً، حيثُ يحضر الأكراد بقوّة في عدد من النقاط. كذلك فإنّ خروج عدد كبير من مناطق ريف إدلب عن سيطرة الدولة السورية منذ بواكير الأزمة قد أتاحَ للمجموعات المسلّحة رفد صفوفها بكوادر يوفّرهم خزّان بشري كبير حدّد اصطفافَه منذ سنوات.
و تجدر الإشارة إلى أنّ سيطرة المجموعات المسلّحة على مناطق ملاصقة لأرياف إدلب قد أتاحت لها على الدّوام استقدام التعزيزات لدى الحاجة من محافظة إلى أخرى . و لعلّ أبرز الأمثلة في هذا السياق استقدام «النصرة» غيرَ مرّة لتعزيزات من ريف إدلب الشرقي إلى ريف حلب الغربي المُتلاصقين. ويُشكّل ريف حلب الغربي في واقع الأمر أبرز أهداف تحرك الجيش السوري الأخير في حلب. ويبدو الالتفاف نحو الريف الغربي عبر الريف الجنوبي أكثر أمناً وسهولةً من الالتفاف عبر الريف الشمالي، الذي تحضر فيه المجموعات المسلّحة بقوّة. أمّا جنوباً فتمنح سيطرة الجيش المستقرّة على عدد من النقاط الاستراتيجيّة أفضليّة في استقدام الأرتال والتعزيزات، خاصةً في ظل وجود معامل الدفاع في الواحة (على مقربة من السفيرة، في الريف الجنوبي الشرقي). كذلك فإنّ تمركز الحشود العسكريّة الجديدة التي وصلت حلب أخيراً في المنطقة ذاتها، أعطى زخماً إضافيّاً لأي عملية يشنّها الجيش وحلفاؤه هناك. ويبدو لافتاً حرصُ الجيش على توسيع نقاط السيطرة انطلاقاً من السفيرة في اتجاهين متزامنين: غرباً وشرقاً. ويُمهّد كلّ من التوسّعين لمعركة كبرى تبدو العمليات الراهنة مجرّد نزهةٍ إذا ما قيست بهما. فنجاح الجيش وحلفائه في توسيع السيطرة غرباً سيدقّ الساعة الصفر لفتح معركة ريف حلب الغربي (خان العسل ومن خلفها أورم الكبرى فالأتارب)، حيث تتمركز مجموعاتٌ كبيرةٌ مثل «حركة نور الدين الزنكي»، و«جبهة أنصار الدين» القاعديّة ، و«جبهة النصرة». وهذه المعركة هي المعوّل عليها فعليّاً لعزل المجموعات عن عمقها الاستراتيجي في ريف إدلب الشرقي، ومن خلفه الحدود التركيّة. ويعزّز هذا الاحتمال أن الجيش زامن أمس تقدّمه في كلّ من قرية عبطين وكتيبة الدبابات في قرية السابقيّة وحدّداين الغربيّة والكسّارات ومداجن الزيتونة وقرية مليحة (الريف الجنوبي) وتل الشهيد المشرفة على قرية الصبيحية مع غارات جويّة استهدفت العيس والحاضر والزربة (الريف الجنوبي الغربي) وصولاً إلى الأتارب في الريف الغربي. أمّا شرقاً فحقّق الجيش أمس تقدّماً مهمّاً عبر السيطرة على الناصريّة (شرق السفيرة، وجنوب شرق مطار كويرس العسكري) وهو تقدّم يقرّب استحقاق كسر حصار المطار، وهي معركة لها ما بعدَها، إذ تنقل الجيش من الدفاع إلى الهجوم إذا ما قرّر فتح الجبهات مع تنظيم «داعش». وتتيح السيطرة المستقرّة على كويرس (المنطقة، وليس المطار فحسب) وضعَ الجيش السوري على تخوم منطقة الباب (أحد أبرز معاقل «داعش» في ريف حلب الشرقي) من جهة الجنوب، إضافة إلى جهة الغرب (المقصود غرب الباب) حيث يتمركز الجيش في الشيخ نجّار حاليّاً.
• كيف تدار معركة حلب الكبرى؟ وعلى أي محاور؟
إلى عاصمة الشمال السوري "مدينة حلب" تتجه الأنظار حيث المعركة الكبرى. هكذا يعتبرها الجميع، فالحشد من قبل الجيش السوري وحلفائه يظهر حجم استعدادات غير مسبوق والأرتال المتدفقة شملت أسلحة ثقيلة بعضها يدخل حلب للمرة الأولى من جنوب شرق حلب . وكل المعارك حاليا تتركز على فتح طريق حلب دمشق وتأمينها بشكل مطلق في نقطة يمكن استخدامها منطلقا نحو غير جبهة: شرقا باتجاه كويرس، وغربا باتجاه الزربة، وجنوب غرب باتجاه أبو الضهور في ريف إدلب الشرقي.
إذن العمليات العسكرية بدأت من محاور أربعة :
الأول: من جهة خان طومان وصولا إلى بلدة الزربة.
الثاني: من جهة جبل عزان وصولا إلى الحضر.
والثالث: من جهة الوضيحي التي استعاد الجيش السيطرة عليها.
والرابع : تل شغيب..
وتمكن الجيش السوري استعادة السيطرة على كتيبة الدبابات في قرية السابقية والمنطقة المحيطة وقلعة نجم وقرية عبطين وحدادين ومداجن زيتونة وثكنة الكبدار وقرية مليحة تحت غطاء ناري كثيف ومشاركة الطيران الذي قصف مقار أحرار الشام وجيش المجاهدين في مزارع الأندلس غربي طريق حلب دمشق . ومن الطبيعي جغرافيا أن تبدأ المعركة من جبهة حلب الجنوبية الغربية في متابعة لمعركة ريف حماه الشمالي للوصول الى خان شيخون ومعرة النعمان بريف إدلب وفتح طريق حمص حلب واستكمال مثلث السيطرة بين الأرياف الثلاثة ..
إذا كل المعارك حاليا تتركز على فتح طريق حلب دمشق وتأمينها بشكل مطلق وتأمين كل المناطق التي يربطها سواءٌ من خلال معركة حماة اوريف حمص اومن جنوب غرب حلب، ولاسيما أن المجموعات المسلحة كانت قد منيت بخسارات جسيمة من جراء الغارات الروسية الجوية المتتالية كقصف مستودعات متخمة بالأسلحة في المنصورة في ريف حلب الغربي وفي الليرمون شمالا.
وعلى الجبهات الحلبية الأخرى فتعاني المجموعات المسلحة أيضا من جراء معارك الاستنزاف بين داعش من جهة ومجموعات «الجبهة الشامية» وحلفائها من جهة أخرى في ريف حلب الشمالي.
وفي الريف الشرقي لحلب يسعى الجيش السوري إلى فك حصار داعش على مطار كويرس العسكري. كل هذا الضغط العسكري جعل المجموعات المسلحة توجه نداءات استغاثة لمواجهة هذه "العاصفة".