بين المعسكرين ...
اعتبرت الدكتورة "حنان مرجي" ، الخبيرة و الاخصائية في علم النفس العيادي والتوافقي إنّ الوقوف على أحداث كربلاء ليس مجرّد وقفة عقائدية يستلهم منها المؤمنون نهجاً يقتدون به ، واكدت ان موقف أولئك الذين يسمعون صرخة المسجد الأقصى ويلوذون بالصمت بذرائع مختلفة لا يقل دموية عما جرى آنذاك فهم كأؤلئك الذين وصفهم الفرزدق "قلوبهم معك وسيوفهم عليك" .
و كتبت هذه الخبيرة مقالا لوكالة "تسنيم" تحت عنوان : بين المعسكرين ، جاء فيه :
تعْبُرُ بي السطور عصوراً ، و كأني أسافر عبرها روحاً وجسداً . تنقلني بطريقةٍ سرمديّة إلى عام ٦١ للهجرة . الآن نحن نقف في طف كربلاء بين معسكرين : مُعسكر ابن سعد ومُعسكر الإمام الحسين عليه السلام . و في هذه اللحظة يتناهى إلى مسامعي صوت ابن سعد هاتفاً "إشهدوا لي عند الأمير أني أوّل من رمى"، كم يُشبه ذلك السهم أول صاروخٍ أصاب صُعدة وصنعاء.
وكم يُشبه صمت العرب صمت أولئك الذين رُبما لم يجرؤا على إعتراض أمير ذاك الزمان وحين تكلموا كانت أصواتهم مدوّية تقصف الأطفال و النساء في غزّة واليمن . و لم يكتفوا بذلك بل قامت الدنيا ولم تقعد إحتجاجاً على سيد المقاومة حسن نصر الله و موقفه الإنساني ، قبل أن يكون سياسياً ، وليس عيباً أن نقول عقائدياً .
إنّ الوقوف على أحداث كربلاء ليس مجرّد وقفة عقائدية يستلهم منها المؤمنون نهجاً يقتدون به . فلو كان كذلك .. لما سعى المغرضون جهدهم لمحاولة إطفاء وطمس قدسيّة هذه الشعائر . إن المراقب والمتابع للأحداث التي جرت قبل تطور الأحداث الإقليميّة وقبل حرب تموز ٢ ٦ بأعوام قليلة وخاصة ظهور تلك الفتاوى التي جعلت كلمة "شيعي" تعادل كلمة "الكافر" زوراً و بهتاناً، حيث دأبت الأقلام الدمويّة في التحريض على قتال الشيعة ليس لأنّ هذه الفرقة الإسلاميّة تُخالف بعض معتقداتهم وإنّما بهدف تحويل كل فكر إنساني يملك روح العروبة ويؤمن بحرية الشعوب عن القضية الأساس وهي تحرير المسجد الأقصى وإزالة الكيان الصهيوني من الوجود .
ولا يقل في الدموية موقف أولئك الذين يسمعون صرخة الأقصى ويلوذون بالصمت بذرائع مختلفة فهم كأؤلئك الذين وصفهم الفرزدق "قلوبهم معك وسيوفهم عليك" . والعجيب في أمرهم أنّهم يدعون الناس للحذر من الهلال الشيعي وكأن التشيّع له سوابق تاريخيّة في الحكم الظالم بينما يتبجحون بعلاقاتهم مع أمريكا وكأنّها دولة أعلنت "الحب" على العراق و الدول العربيّة و رمت هيروشيما بوردة . إن دعم الأمريكي للكيان الصهيوني الغاصب هو دعم علني وتاريخي وفيما كانت أغلب قيادات الدول الخليجية تدعم هذا الكيان و تملأ خزانات الطيران الحربي الصهيوني بنفطها كانت وما زالت صرخة إيران تعلو فوق كل الأصوات بوجه كل عدوان. هذين السطرين ينقلانا مجدداً لنقف بين المعسكرين.
إن موقف المقاومة الإسلاميّة في لبنان وموقف الجمهورية الإسلاميّة في إيران المتوحّد في العقيدة لا يُمثّل خطراً إلاّ على الكيان الصهيوني ووجود ما يُعرف بـ«إسرائيل» . وقبل الإسترسال حول هذه النقطة لا بدّ من الإشارة والتذكير بثروات الشعوب العربيّة المسلوبة التي بها يزدهر إقتصاد الغرب. فمن يزور أوروبا وأمريكا تُبهره طرقاتها ونظامها ونظافة شوارعها وبنيانها ورفاهية العيش فيها والأهم تأمين كافة الحاجات للسكان ولشعوبها وهذا ما تريده إيران للدول المستضعفة التي يتحكّم بإدارة أموالها فراعنة العصر. فثروة العراق المنهوبة وسوريا المنكوبة ومصر المضطربة وليبيا الضائعة وفلسطين المنسيّة في ضمائر حكّام العرب ، أضف إلى ذلك دول أفريقيا والسودان وما جرى في أفغانستان، إنّما يحدث كما تريده الدول المستكبرة تماماً. ومن يراجع تواريخ الأحداث سيلاحظ أن الحرب العالمية الثانية لم تنته . بل سيلاحظ أنّ قيام الكيان الصهيوني هو إمتدادها والعجيب أن القراءات السياسية تكرر بشكل مستمر أن هناك حرب عالميّة ثالثة . وهل عدم سقوط صواريخ على باريس أو عدم رؤية قتال في شوارع برلين يعني أن الحرب إنتهت ؟ هذه الدول تقود الحرب وعمليات السلب حول العالم وتبني إقتصادها : حربٌ يليها إحتلالٌ فإنتدابٌ ثمّ يأتي وعد بلفور وفي ليلة وضحاها تُشرّد فلسطين! ثمّ يأتي إجتياح الأراضي اللبنانيّة وإحتلالها ولاحقاً يتم تهجير أبناء القرى ووصلت الوقاحة إلى بناء مستعمرات على مرمى بصر الجنونيين. بعدها إشتعلت الحرب الأهلية في لبنان ومراعاة للإختصار أتوقف عند تلك الحقبة بالتحديد: إذ حين إرتفع صوت المقاومة ونفذت الكلمة إلى قلوب الجماهير العربية وإلتفت حول المقاومة وسيدها، في هذه المرحلة وبعد حرب تموز، في الوقت الذي إلتحمت فيه قلوب الشعوب العربيّة كأسرة واحدة، فجأة، حين أصبحوا أهلاً لقتال الكيان الصهيوني وينتظرون الفرصة للزحف إشتعلت بهم نيران "الحرب الأهليّة" كتلك النيران التي أشعلت لبنان لتشغله عن أرضه وماله ونفطه الموجود من "تاريخ قديم" في جوفه.
وهنا، يتجلى دور إيران في مسعاها إلى إطفاء هذه الحرائق إذ تتصدى مع الدول الحليفة لحفظ كرامة هذه الشعوب ومنع الغطرسة الأمريكية من طمسها وطمس حضارتها كتلك الآثارات التي تمّ سرقتها ونهبها وتدميرها بأيدي الإرهابيين. إن نظرة أميريكا وحلفاءها الفوقيّة إلى باقي شعوب العالم هي من خصائص الشخصيّة المضطربة التي قد يصل بها الحد إلى المرض. وموقف إيران ونجاحها في فرض وجودها ما هو إلاّ إشعار بالحد لتلك الفوقيّة والدخول في مرحلة جديدة تعمل على إعادة الكرامة وحُسن التقدير للقيم الإنسانيّة التي أبادتها أمريكا وسياستها حول العالم.
أمّا ثالوث لبنان المتمثّل بمعادلة الجيش والمقاومة والشعب فلعله علينا أن نشرح لبعض الأقطاب السياسة هذا المفهوم أكثر بالصيغة التالية: هي "أمّ" وأنجبت ولداً هذا الولد هو جماعتها التي تدافع عن الأرض والعرض والوطن. فعناصر الجيش أولادنا وشباب المقاومة أولادنا وكلاهما الشعب. هم جسد واحدّ لا يتجزأ وليسوا صفقة تتقاسمونها. هذه الأم كتلك التي كانت عام ٦١ هـ وتقف بين المعسكرين وإن أردتم أن تعتبروا إيران معكسراً فنحن نُعلمكم سلفاً أننا إخترنا معسكر الحسين ع.
أجل، إنتصر الدم الزكي على السيف، وأُصيب جسد الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء بالكثير من الجراحات، وكان الجُرح فوق الجُرح وتباهى الظالمون بطحن جناجن صدره الشريف وقطع رأسه، لكنّهم لم يستطيعوا أن يخدشوا إيمان الحسين ابن علي، وهكذا فإنّ أحداً لن يستطعْ أن يخدشَ إيمان جماهير المقاومة بمقاومتهم وسيدها وإيماننا بالجمهورية الإسلاميّة في إيران إلى أن يتحرر كل شبر من فلسطين، بل إلى زوال الكيان الصهيوني .. حتماً..





