الشقاقي..20 عاماً على الشهادة والقدس تفجر الصراع
تصادف اليوم الذكرى العشرين لاستشهاد مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور المفكر فتحي الشقاقي (أبو ابراهيم) الذي اغتالته أيدي الموساد الآثمة في مالطا عام 1995، والتي تأتي في ظل اندلاع انتفاضة القدس التي استشهد من أجلها وأول من أكد على ضرورة أن تكون محور للصراع.
واضافت الوكالة في مقال نشرته بالمناسبة، في هذه الأيام تستمر انتفاضة القدس وتشتد المواجهات مع الاحتلال الصهيوني الذي اغتال الشقاقي، بعد أن ألهب بفكره ورسم بنضاله معالم الصراع مع الاحتلال، فاغتاله ليقتل روح النضال والمقاومة في نفوس من تربوا على فكر الشقاقي.
فالمدينة المقدسة تشتعل هذه الأيام، وهي التي تحدث عنها وحذر العرب من الاستمرار في تهويدها فكتب:المدينة المقدسة تئن تحت الأسر والحصار، فيما المسلمون يتحررون بالجوع والصيام من طغيان المادة، ووطأة الجسد، عليهم أن يتوجهوا لتحرير القدس من طغيان «بني إسرائيل» ووطأة الاحتلال الصهيوني البشع".
فهذه الكلمات التي خطها الدكتور الشهيد الشقاقي قبل اثنين وعشرون عاماً وبالتحديد في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر يوم القدس العالمي بإيران في اذار 1993 , حيث حاول حينها تحذير العالم العربي والإسلامي للمخاطر التي سيتعرض لها المسجد الأقصى خلال هذه الأيام تحديداً , والتي رسم وخطط لها المحتل ومنذ عشرات السنين واختار هذه الأيام لتنفيذها لسبات المسلمين .
تأتي الذكرى العشرين لاستشهاد المؤسس لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي ابراهيم الشقاقي, والأقصى يتعرض لتهويد زمني ومكاني , ومخطط يسعى الاحتلال من خلاله تفريغ القدس من أي سيطرة فلسطينية وتثبيت روايته الملفقة بشأن القدس وسط سبات عربي وعالمي.
كلمات الدكتور الشقاقي التي قال فيها " على العرب ان يجعلوا القدس في مركز اهتمامهم وان يرسموا بوصلة من الوعي والفكر والممارسة الجادة الملتزمة باتجاهها، عليهم أن يهبوا" ..... تدل على مدى تيقنه بالمخاطر التي ستلحق بالمسجد الأقصي .
الشقاقي هو مؤسس وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، من قرية "زرنوقة " بالقرب من يافا في فلسطين المحتلة عام 1948. شردت عائلة الشهيد من القرية بعد تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948 وهاجرت إلى قطاع عزة حيث استقرت في مدينة رفح، وأسرة الشهيد الشقاقي هي أسرة فقيرة حيث يعمل الأب عاملاً.
ولد الشهيد فتحي الشقاقي في مخيم رفح للاجئين عام 1951، وفقد أمه وهو في الخامسة عشرة من عمره، وكان أكبر إخوته ، درس في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية وتخرج من دائرة الرياضيات وعمل لاحقاً في سلك التدريس بالقدس في المدرسة النظامية ثم جامعة الزقازيق، وعاد إلى الأراضي المحتلة ليعمل طبيباً في مشفى المطلع بالقدس وبعد ذلك عمل طبيباً في قطاع غزة.
لم يكن الشقاقي بعيدا عن السياسة، فمنذ عام 1966م أي حينما كان في الخامسة عشرة من عمره كان يميل للفكر الناصري، ولكن هزيمة العام 1967، أثرت تأثيراً بارزاً على توجهاته ، حيث انخراط في سنة 1968 بالحركة الإسلامية إلا أنه اختلف مع الإخوان المسلمين، وبرز هذا الخلاف بعد سفر الشهيد لدراسة الطب في مصر عام 1974 م فأسس ومجموعة من أصدقائه حركة الجهاد الإسلامي أواخر السبعينيات. اعتقل الشهيد الشقاقي في مصر في 1979 بسبب تأليفه لكتابه «الخميني، الحل الإسلامي والبديل»، ثم أعيد اعتقاله في 20/7/1979 بسجن القلعة على خلفية نشاطه السياسي والإسلامي لمدة أربعة أشهر. غادر الشهيد المعلم مصر إلى فلسطين في 1/11/1981 سراً بعد أن كان مطلوباً لقوى الأمن المصرية.
قاد بعدها الشهيد حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وسجن في غزة عام 1983 لمدة 11 شهراً، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى عام 1986 وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة 4 سنوات و5 سنوات مع وقف التنفيذ، لارتباطه بأنشطة عسكرية والتحريض ضد الاحتلال الصهيوني ونقل أسلحة إلى القطاع" وقبل انقضاء فترة سجنه قامت السلطات العسكرية الصهيونية بإبعاده من السجن مباشرة إلى خارج فلسطين بتاريخ 1 (آب) 1988 بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. تنقل بعدها الشهيد المعلم فتحي الشقاقي بين العواصم العربية والإسلامية لمواصلة جهاده ضد الاحتلال الصهيوني إلى أن اغتالته أجهزة الموساد الصهيوني في مالطا يوم الخميس26/10/1995 وهو في طريق عودته من ليبيا إلى دمشق بعد جهود قام بها لدى العقيد القذافي بخصوص الأوضاع المأساوية للشعب الفلسطيني على الحدود المصرية.
ويعد الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي أحد أبرز رموز التيار المستنير داخل الحركة الإسلامية لما يتمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الحركات الإسلامية وقضاياها في العالم العربي والإسلامي. كما يعتبر الشهيد مجدد الحركة الإسلامية الفلسطينية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح، فدخلت بذلك طرفاً رئيسياً ضمن قوى الإجماع الوطني الفلسطيني بعد طول غياب.
أراد الشقاقي بتأسيسه لحركه الجهاد الإسلامي أن يكون حلقة من حلقات الكفاح الوطني المسلح لعبد القادر الجزائري، والأفغاني، وعمر المختار، وعزّ الدِّين القسَّام الذي عشقه الشقاقي حتى اتخذ من اسم "عز الدين الفارس" اسما حركيا له حتى يكون كالقسَّام في المنهج وكالفارس للوطن، درس الشقاقي ورفاقه التاريخ جيِّدا، وأدركوا أن الحركات الإسلامية ستسير في طريق مسدود إذا استمرت في الاهتمام ببناء التنظيم على حساب الفكرة والموقف (بمعنى أن المحافظة على التنظيم لديهم أهم من اتخاذ الموقف الصحيح)؛ ولذلك انعزلت تلك الحركات -في رأيهم- عن الجماهير ورغباتها، فقرَّر الشقاقي أن تكون حركته خميرة للنهضة وقاطرة لتغيير الأمة بمشاركة الجماهير، كذلك أدرك الشقاقي ورفاقه الأهمية الخاصة لقضية فلسطين باعتبار أنها البوابة الرئيسة للهيمنة الغربية على العالم العربي.
لم يكن الشقاقي مجرد قائد محنك، بل تعدى حدود القيادة ليكون أخا وزميلا لكل أبناء المقاومة الفلسطينية فقد عُرف عنه نزاهة النفس، وصدق القيادة.. أحب فلسطين كما لم يحبها أحد، بل ما لم يعرف عن الشقاقي أنه كان عاشقا للأدب والفلسفة، بل نَظَمَ الشعر أيضا، ومن قصائده قصيدة "الاستشهاد. حكاية من باب العامود" المنشورة بالعدد الأول من مجلة المختار الإسلامي في تموز 1979:
- تلفظني الفاء،
- تلفظني اللام،
- تلفظني السين،
- تلفظني الطاء،
- تلفظني الياء،
- تلفظني النون،
- تلفظني كل حروفك يا فلسطين،
- تلفظني كل حروفك يا وطني المغبون،
- إن كنت غفرت،
- أو كنت نسيت.
لم يكن جبانا قط، بل إن من شجاعته ورغبته في الشهادة رفض أن يكون له حارس خاص، وهو على دراية تامة بأنه يتصدر قائمة الاغتيالات الصهيونية، فضَّل أن يكون كالطير حرا طليقا لا تقيده قيود ولا تحده حواجز.
وصل الشقاقي إلى ليبيا حاملا جواز سفر ليبيا باسم "إبراهيم الشاويش"؛ لمناقشة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين على الحدود الليبية المصرية مع الرئيس القذافي، ومن ليبيا رحل على متن سفينة إلى مالطا باعتبارها محطة اضطرارية للسفر إلى دمشق (نظرا للحصار الجوي المفروض على ليبيا)، وفي مدينة "سليما" بمالطا وفي يوم الخميس 26-10-1995 اغتيل الشقاقي وهو عائد إلى فندقه بعد أن أطلق عليه أحد عناصر الموساد طلقتين في رأسه من جهة اليمين؛ لتخترقا الجانب الأيسر منه، بل وتابع القاتل إطلاق ثلاث رصاصات أخرى في مؤخرة رأسه ليخرَّ الشقاقي "أبو إبراهيم" ساجدا شهيدا مضرجا بدمائه.
فرَّ القاتل على دراجة نارية كانت تنتظره مع عنصر آخر للموساد، ثم تركا الدراجة بعد 10 دقائق قرب مرفأ للقوارب، حيث كان في انتظارهما قارب مُعدّ للهروب.
رحل الشقاقي إلى رفيقه الأعلى، وهو في الثالثة والأربعين من عمره مخلفا وراءه ثمرة زواج دام خمسة عشر عاما، وهم ثلاثة أطفال وزوجته السيدة "فتحية الشقاقي" وجنينها.
رفضت السلطات المالطية السماح بنقل جثة الشهيد، بل ورفضت العواصم العربية استقباله أيضا، وبعد اتصالات مضنية وصلت جثة الشقاقي إلى ليبيا ؛ لتعبر الحدود العربية لتستقر في "دمشق" بعد أن وافقت الحكومات العربية بعد اتصالات صعبة على أن تمر جثة الشهيد بأراضيها ليتم دفنها هناك.
وفي فجر يوم 31-10-1995 استقبل السوريون مع حشد كبير من الشعب الفلسطيني والحركات الإسلامية بكل فصائلها واتجاهاتها في كل الوطن العربي جثة الشهيد التي وصلت أخيرا على متن طائرة انطلقت من مطار "جربا" في تونس، على أن يتم التشييع في اليوم التالي 1-11-1995، وبالفعل تم دفن الجثة في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك بعد أن تحول التشييع من مسيرة جنائزية إلى عرس يحمل طابع الاحتفال بجريمة الاغتيال، حيث استقبله أكثر من ثلاثة ملايين مشيع في وسط الهتافات التي تتوعد بالانتقام والزغاريد التي تبارك الاستشها
توعدت حركة الجهاد الإسلامي بالانتقام للأب الروحي "فتحي الشقاقي"، فنفَّذت عمليتين استشهاديتين قام بهما تلاميذ الشقاقي لا تقل خسائر إحداها عن 150 صهيونيا ما بين قتيل ومصاب.
في نفس الوقت أعلن "إسحاق رابين" سعادته باغتيال الشقاقي بقوله: إن القتلة قد نقصوا واحدا"، ولم تمهله عدالة السماء ليفرح كثيرا، فبعد عشرة أيام تقريبا من اغتيال الشقاقي أُطلقت النار على رابين بيد يهودي من بني جلدته هو "إيجال عمير"، وكأن الأرض لم تطق فراق الشقاقي عنها بالرغم من ضمها له، فانتقمت له السماء بمقتل قاتله.