ظريف : أزمة سوريا دخلت مساراً جديداً وهذه سبل الخروج
كتب وزير الخارجية الدكتور محمد جواد ظريف في صحيفة "السفير" اللبنانية ان الأزمة السورية دخلت مساراً جديداً إثر التطورات الأخيرة وبعد اجتماعي فيينا (1 و2) ، ولاحت لأول مرة في الأفق بوادر أمل، ولو ضعيفة ، لوضع نهاية لواحدة من أكبر الكوارث البشرية في الحقبة المعاصرة ، مؤكدا أن لا حل عسكريا للازمة ، و ان السبيل الوحيد للخروج من الوضع الراهن هو الحل السياسي المتفق عليه ، و القائم علي الحوار السوري - السوري بين الحكومة والمعارضة المناهضة للارهاب.
وفي إطلالة على هذا المسار الجديد ، يبدو من الضروري لفت النظر إلي نقاط بإعتبارها الإطار الذي تنظر من خلاله الجمهورية الاسلامية الايرانية إلي الأزمة السورية وسبل الخروج منها:
1- قامت سياسة الجمهورية الاسلامية الايرانية فيما يخص الأزمة السورية منذ بدايتها علي ثلاثة مبادئ :
• الأول : احترام مطالب وإرادة الشعوب في تعيين مصيرها وإدارة وتعديل أمورها بنفسها
• الثاني: معارضة التدخل الخارجي لفرض رغبات لاعبين أجانب علي حكومة وشعب مستقلين
• الثالث: رفض استخدام الإرهاب كأداة لبلوغ أهداف سياسية في النزاعات الداخلية بالبلدان
2- علي أساس هذه المبادئ الثلاثة ، رأت ايران دائماً بأن الأزمة السورية ليس لها حل عسكري ، و ان السبيل الوحيد للخروج من الوضع الراهن هو الحل السياسي المتفق عليه والقائم علي الحوار السوري-السوري بين الحكومة والمعارضة المناهضة للارهاب.. وفي هذا الصعيد، لابد من وضع حد لتوهم اللاعبين بنجاح الحل العسكري من خلال عقد صفقات عسكرية هائلة وأن يدركوا بأنه لو تم صرف نسبة قليلة من النفقات الهائلة علي مشتريات الأسلحة من الشركات الغربية، علي التنمية الاقتصادية للبلدان والمجتمعات الاسلامية لكانت قد جفت أحد الجذور الرئيسية للإرهاب والعنف.
3- إن إطالة أمد الأزمة السورية وما يعيشه هذا البلد حالياً من أوضاع مأساوية، علاوة علي الظروف الداخلية غير المساعدة، هي من نتاج التدخل الخارجي الواسع، والسياسات التي تعتمد علي العنف والتطرف والإرهاب كأدوات لتصفية الحساب مع الحكومة والشعب السوريين. وللأسف أن بعض الحكومات لا تزال تري ان داعش وجبهة النصرة والمجموعات الإرهابية التكفيرية الأخري أو الأشكال المختلفة والحديثة منها لا تشكل خطراً عاماً، بل تراها عنصراً يدفع بآمالها ومطالبها الإقليمية إلي الأمام. وإن ربط المحاربة الجادة والشاملة للإرهاب التكفيري بتحديد المصير السياسي لسوريا، مؤشر ومصداق لهذه الاستراتيجية الخطيرة المتبعة إقليمياً ودولياً. وفي حين كشفت المجموعات التكفيرية مرات ومرات عن تنفيذ نواياها المشؤومة وبأنها لا ترحم حتي المتحالفين السابقين والحاليين معها، فإن حماة هذه المجموعة لم يعوا هذه الحقيقة حتي الآن للأسف. 4- إن الدول التي تفتقد إلي أبسط البني والمبادئ الديمقراطية مثل الدستور والانتخابات الحرة، تبادر بدعوي دعمها لمطالب الشعب السوري لنيل الديمقراطية إلي فرض شروط غير عملية وغير مقبولة لدي هذا الشعب، وتسببت عملياً بالحيلولة دون التوصل إلي حلول سياسية واستمرار الحرب طوال الأعوام الأربعة الماضية ، وعملت علي اتساع العنف والإرهاب بالمنطقة والعالم، بأمل إحراز النصر العسكري العاجل ومهدت لتفاقم الأزمة السورية واستمرارها.
5- إن رسم مسار لوضع نهاية للأزمة السورية يستدعي النظر في جذور نشأة واستمرار الأزمة. وعلي هذا الأساس، نعتقد ان أي شكل من أشكال حل الأزمة السورية يجب أن يقوم علي المبادئ التالية :
• الأول : إن حل الأزمة السورية يأتي فقط من خلال إرادة ورأي الشعب السوري، ولا يحق لأي من اللاعبين الأجانب التحدث باسم هذا الشعب.. فالشعب السوري شعب حر ومستقل وليس بحاجة لوصي عليه، والوصاية علي الشعوب قد ولت حقبتها.
• الثاني: إن الخطوة الأولي في مسار حل الأزمة تتمثل في الوقف الفوري لإطلاق النار ووضع نهاية لإراقة الدماء، والتنسيق الدولي الشامل لمكافحة الإرهاب والتطرف، وهذا سيمهد للخطوات الموازية اللاحقة.
• الثالث: إن اللاعبين الأجانب، وبدلاً من السعي للتدخل وفرض إملاءاتهم، عليهم ضمن المجابهة غير المشروطة ضد المجموعات التكفيرية الإرهابية المعروفة، مد يد المساعدة للحكومة والمعارضة السورية لتبدآن مسيرة الحوار السوري-السوري، والعمل علي اتخاذ الخطوات الأولي للتوافق السياسي بهدف تحقيق المصالحة الوطنية والتحرك باتجاه الخروج من الأزمة الحالية باللجوء إلي الرأي العام السوري.
• الرابع: إن جميع اللاعبين، الشركاء في مسيرة وضع نهاية للأزمة، عليهم وضع حد للسياسات العقيمة وغير الفاعلة القائمة علي أساس إستغلال الإرهاب، وفرزه إلي جيد وسيئ، ويجب اعتبار كل أشكال الإرهاب منبوذة.. وعلي اللاعبين الذين أنفقوا المبالغ الطائلة وقدموا الدعم للمجموعات الإرهابية وجعلوا، بممارساتهم وسياساتهم، سوريا والمنطقة والعالم تعيش في حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن، عليهم وضع نهاية لسياساتهم في هذا الصعيد.. الأولوية هنا هي الامتناع عن شراء النفط الذي يبيعه (داعش)، ووقف التحويلات المالية لهذا التنظيم الإرهابي، والحيلولة دون دخول الإرهابيين الأجانب إلي المنطقة.
6- إن المواجهة الموحدة والمنسجمة ضد الإرهاب، بموازاة التقدم في مسيرة الحوار والتوافق السياسي السوري-السوري، يمكنها أن تمهد للخروج من الوضع الحرج الحالي والبدء بوضع خاتمة لهذه المأساة الكبري.
7- إن مكافحة الإرهاب بصورة فاعلة وعلي الأمد الطويل، وهذا بالطبع إلي جانب ما لا يمكن تجنبه من أعمال عسكرية وأمنية ضرورية، تتطلب سبل حل شاملة وعميقة اجتماعية وثقافية واقتصادية، والتي إن لم تحظ بالعناية، فستبقي الحلول العسكرية، بل وحتي السياسية مؤقتة وغير دائمة.
8- في هذا السياق، لابد من التوقف عن حالة الإسلاموفوبيا وتوجيه الإهانة للمقدسات الإسلامية في الغرب، الأمر الذي أدي إلي تهميش ونفور المجتمعات الإسلامية.. وبنفس الوقت، من الضروري وضع نهاية للترويج للأسس الثقافية للفكر التكفيري الذي تصرف الأموال الطائلة لتسويقه إلي أرجاء العالم باسم الدين الإسلامي.
9- وعلي المدي القريب، وحتي الوصول إلي الحل السياسي، فإن الضرورة التي لا يمكن تجنبها تتمثل في سد الإحتياجات الفورية للاجئين خارج سورية والنازحين داخلها.