ليبيا ... قاعدة خلفيّة لتنظيم «داعش» الارهابي


ذكرت دراسة نشرتها مؤسسة «فيريسك مايبلكروفت» البريطانية ، التي تقدم استشارات أمنية ، أنّ «تنظيم داعش يدرك أن الفوضى في ليبيا توفر له فرصة تعزيز» قدراته ، معتبرةً أن التنظيم «يستطيع المحافظة على وجود مهم له في ليبيا، ويدعم فروعه في المنطقة كلها ، طالما أن الحرب في هذا البلد قائمة» .

ويقول المتحدّث باسم القيادة العامة للجيش الليبي، الرائد محمد الحجازي، لوكالة «فرانس برس» إن «سرت أصبحت مقرّ قيادة وتحكم لأعضاء التنظيم، يجري فيها تدريب المقاتلين الجدد ونشر الفكر الداعشي» .

كذلك ، يؤكّد ضابط برتبة عقيد في القوات الحكومية، رفض الكشف عن اسمه، أن «مئات المقاتلين الأجانب أصبحوا في سرت والمناطق المجاورة لها، آتين من تونس والسودان واليمن خصوصاً، وحتى من نيجيريا، ليتدربوا ويتجهزوا ويستعدوا لتنفيذ هجمات في دول أخرى».
وبحسب الخبير في الشؤون الليبية في «معهد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، ماتييا توالدو، فإن «القيادة المركزية» لهذا التنظيم «استثمرت في ليبيا منذ وقت طويل ... والآن بات المقاتلون الأجانب يتدفقون على سرت بدل التوجه إلى سوريا». ويضيف إن معقل التنظيم في ليبيا «يتحول إلى مركز الاستقطاب الرئيسي للمتشددين في المنطقة».
وقد حوّل التنظيم «إمارته» في منطقة سرت الليبية إلى «قاعدة خلفيّة» يجنّد فيها مئات المقاتلين الأجانب ويدربهم على تنفيذ هجمات في الخارج، بحسب مسؤولين وخبراء، وذلك بعدما تمكّن من دخول مدينة سرت، مسقط رأس الرئيس الليبي الراحل، العقيد معمّر القذافي، والواقعة على بعد 450 كلم شرقي طرابلس في شباط الماضي ، قبل أن يفرض سيطرته التامة عليها في حزيران . و استغل متطرّفو التنظيم الفوضى والاقتتال السائد في البلاد لتحويل سرت إلى معقل لهم . ويقدّر مسؤول في وزارة الخارجية الليبية ، تحدّث إلى وكالة «فرانس برس»، أعداد المقاتلين الأجانب في صفوف «داعش» في سرت حالياً «ببضعة آلاف»، إلّا أنه عبّر عن خشيته «من ازدياد هذه الأعداد في ظلّ الضغط الذي يتعرض له التنظيم في سوريا والعراق».
ويقول مسؤول حكومي آخر (في حكومة طبرق) إن «الضربات ضد داعش قد تدفعه إلى نقل قياديين وعناصر ومراكز قيادة إلى ليبيا». فيما يشرح مسؤول في المجلس المحلّي لسرت، يقيم في مدينة مصراتة التي تبعد نحو مئتي كلم شرقي طرابلس، أن «كلّ شيء تغيّر في سرت. مسلحو داعش يتجولون فيها وكأنها مدينتهم منذ وقت بعيد. الصلاة مفروضة على الجميع، والأحكام الشرعية بدأت تطبق فيها، والنساء لا يخرجن إلا للضرورة».
ويضيف المسؤول المحلي: «تمرّ على نقطة تفتيش، فيلقي عليك التحية ملثم سوداني. وعلى بعد أمتار، تصادف مسلحاً تونسياً أو خليجياً. كل هذا يجري والحكومة في طرابلس، وكذلك الحكومة في الشرق، تتجنبان خوض معركة تحرير هذه المدينة المنبوذة منذ نهاية الثورة»، في إشارة إلى كونها مسقط رأس القذافي الذي قتل عام 2011.
ونشر تنظيم «داعش» أخيراً صوراً وتسجيلات من سرت لمحال تبيع الحلويات واللحوم، في محاولة لإظهار وتيرة حياة طبيعية في المدينة، بينما نشر أيضاً أشرطة فيديو تظهر إقدام عناصره على بتر يد شخص عقاباً، ساعياً من خلال ذلك إلى تأكيد سطوته.
و قال مسؤول عسكري كبير في القوات الحكومية في شرق البلاد لوكالة «فرانس برس»، أمس، إن سلاح الجو يستهدف منذ الأسبوع الماضي مواقع «للمتطرفين» في أجدابيا ضمن «خطّة للحدّ من خطر سيطرة المتطرفين على المدينة».
ويسعى تنظيم «داعش»، الذي يقاتل أيضاً القوّات الحكومية في بنغازي وفي محيط درنة في أقصى الشرق الليبي، إلى توسيع حدود «إمارته» المتوسطية عبر التمدّد نحو مدن قريبة. وبعيد سيطرته على بلدة النوفلية التي تبعد نحو 120 كلم إلى الشرق من سرت، بدأ يستهدف مدينة أجدابيا على بعد 350 كلم في منتصف الطريق بين سرت وبنغازي، والواقعة ضمن منطقة الهلال النفطي.
ورغم تمدّد التنظيم في ليبيا، لا يزال المجتمع الدولي يحصر الجزء الأكبر من جهوده في مكافحة هذا التنظيم في سوريا والعراق.
وفي هذا الصدد، يقول ماتييا توالدو إنّ «داعش في ليبيا لا يملك القدرة ذاتها التي يملكها في سوريا والعراق. لكن مع دخول استراتيجية التنظيم بالقيام بهجمات في الخارج حيز التنفيذ، فإن ليبيا تعتبر جسر عبور مناسب نحو أوروبا».
وكان رئيس وزراء فرنسا، مانويل فالس، قد رأى، أمس، أن الوضع في ليبيا سيكون «الملف البارز الذي سيطرح في الأشهر المقبلة»، نظراً إلى التهديد المتعاظم للمتطرفين على أوروبا والدول المجاورة لليبيا، وخصوصاً تونس التي سبق أن أعلنت أن منفذي الهجمات الدامية الأخيرة فيها تدربوا في ليبيا.