مشاهدات من ماراثون العشق الحسيني : كل الطرق تؤدي الى "كربلاء" وكل الحناجر تردد "واحسيناه"
كتب الاعلامي "عادل الجبوري" مشاهداته من ماراثون العشق الحسيني قائلا : صور مدهشة، ومشاهد عجيبة، ومواقف استثنائية، وسلوكيات فريدة، تلك التي يراها ويسمعها ويلمسها من يشارك في مسيرة العشق الحسيني ، او قل ماراثون العشق الحسيني المليوني، او من يتابع وقائعها من قريب ، مؤكدا ان "كل الطرق تؤدي الى كربلاء ، وكل الحناجر تردد واحسيناه" .
و اضاف هذا الاعلامي في مشاهداته عن الملحمة العالمية الكبرى هذا العام : قد تبدو تلك الصور و المشاهد والمواقف والسلوكيات مكررة من أعوام سابقة .
ربما كانت في إطارها العام كذلك، الا انه في كل عام هناك ما هو جديد، سواء على صعيد الكم، او على مستوى النوع. وهذا ما يجعل المرء يقف في كثير من الأحيان مشدودا ومذهولا ، و يتساءل عن حقيقة ودلالات ما يراه ويسمعه ويلمسه ، ليأتيه الجواب سريعا من اعماق وجدانه .. انها عظمة الامام الحسين عليه السلام التي تجلت باوضح صورها ومعانيها في العاشر من محرم الحرام قبل الف وثلاثمائة وستة وسبعين عاما على ارض ألطف الخالدة .
• كل الطرق تؤدي الى كربلاء
واذا قلنا "ان كل الطرق تؤدي الى كربلاء" ، فان مثل هذا القول يعكس الواقع بدقة وعمق، وهو ليس قولا مجازيا، او توصيفا عاطفيا وبلاغيا.
في الطريق الرئيسي الممتد من بغداد الى كربلاء (110 كم) ، وفي الطريق الممتد من النجف الى كربلاء (80 كم) ، وفي الطريق الممتد من بابل الى كربلاء (40 كم) ، لا يشاهد المرء الا حشودا بشرية هائلة ، تمثل سلسلة لا انقطاع لها ، وهكذا بالنسبة للطرق الواصلة بين مختلف محافظات ومدن الجنوب والفرات الاوسط، بدءا من البصرة في اقصى الجنوب، مرورا بميسان وذي قار والمثنى وواسط .
ولا يختلف الحال كثيرا عن الطرق و المسالك التي تخترق المناطق الريفية الزراعية ، حيث الاعداد الهائلة من الزوار ومواكب الخدمة التي تقدم كل شيء من طعام وشراب ومنام وعلاج، طيلة عدة اسابيع.
و لا نبالغ اذا قلنا ، انه لم يخل شارع او زقاق صغير، او طريق زراعي يؤدي الى كربلاء من اناس يسيرون نحو مرقد الامام الحسين عليه السلام.
• الجميع الى كربلاء
وهذه الحشود المليونية المشاركة في ماراثون العشق الحسيني، شملت كل فئات وشرائح المجتمع، فالمراقب والمتابع يشاهد اعدادا لا يستهان بها من الاطفال الصغار واليافعين ، الى جانب النساء، ويشاهد الشيوخ من كبار السن الى جانب الشباب، ويشاهد المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، وبعضهم جاء على الكرسي المتحرك، وبعضهم الاخر يتكأ على العكاز .
و بين تلك الحشود المليونية الهائلة، تجد عالم الدين ، و الطبيب والمهندس والاعلامي والتاجر والكاسب والموظف الحكومي والفنان والسياسي، دون ان تستطيع التفريق والتمييز فيما بينهم ، لانهم انصهروا في بوتقة واحدة، هي بوتقة حب الحسين عليه السلام، وساروا في طريق واحد، وتناولوا نفس الطعام والشراب، وناموا في ذات الخيم والفراش، ورفعوا نفس الرايات.
عشرون مليون شخص ، و ربما اكثر من ذلك ، دونما شك رقم كبير جدا، مقارنة بأكبر تجمع ديني – وحتى غير ديني في العالم - والمتمثل بشعيرة الحج السنوي، الذي لا يتجاوز عدد المشاركين فيه الثلاثة ملايين شخص في افضل الاحوال .
والمفارقة الجميلة ، هو انه بينما غصت كربلاء بأحيائها وشوارعها و ازقتها وبيوتها وفنادقها بالناس القادمين من كل حدب وصوب ، خلت مدن ومحافظات عديدة من سكانها، حتى بدت وكأنها مهجورة ومقفرة.
• رسالة الحسين الانسانية - العالمية
ويخطأ من يقول ان الامام الحسين ضحى بأغلى ما يملك من اجل فئة معينة، بل انه ضحى من اجل الانسانية جمعاء ، ورسخ بتضحيته قيما ومباديء سامية اصبحت منارا يهتدي به كل دعاة الحرية والثائرين، والساعين الى تكريس قيم العدل والصلاح ونبذ الفساد والرذيلة والتحلل والظلم والطغيان.
وهذا ما سمعناه من اناس ينتمون الى المذهب السني ، و من مسيحيين وصابئة، واكراد وايزيديين ، نصبوا المواكب ليقدموا الخدمة للزائرين ، او تركوا بيوتهم وعطلوا اعمالهم ومصالحهم ليشاركوا في ماراثون العشق الحسيني.
واشارت احصاءات غير رسمية الى ان عدد مواكب الخدمة الحسينية لغير المسلمين ، و لغير اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام ، تجاوزت خمسمائة موكب ، وهو بلا شك عدد كبير ، يعكس اثر الثورة الحسينية في نفوس الناس على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم الدينية والمذهبية والفكرية، بعيدا عن التعصب والانغلاق والتطرف الذي يتبناه ويروج له ادعياء الاسلام واصحاب النهج التكفيري .
• حضور مرجعي وعلمائي متميز
وكان للمرجعيات الدينية حضورها ومشاركتها في ماراثون العشق الحسيني الى جانب ملايين الزوار ، فالمرجع الديني الكبير اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم شارك زوار الامام الحسين مسيرهم في الطريق من النجف الى كربلاء رغم تقدمه في السن ووضعه الصحي الصعب ، كما شارك ايضا سماحة اية الله العظمى الشيخ اسحاق الفياض . اضف الى ذلك فأن شخصيات سياسية كبيرة شاركت في ماراثون العشق الحسيني، من بينها ، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ، و الشيخ قيس الخزعلي زعيم حركة عصائب اهل الحق و رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي عمار الحكيم ، وزعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، وغيرهم من الشخصيات البارزة القادمة من خارج العراق ، خاصة من ايران .
والملاحظ هذا العام ان المظاهر الحزبية والسياسية تكاد تكون قد اختفت بالكامل خلال الزيارة الاربعينية ، مثلما وجهت المرجعية الدينية في النجف الاشرف على لسان معتمدها وخطيب جمعة كربلاء المقدسة السيد احمد الصافي، في وقت انتشرت مكاتب التوجيه والارشاد الديني المترابط بالمرجعيات الدينية في مختلف الاماكن الى جانب مواكب الخدمة، وذلك لحث الزائرين على الالتزام بالفرائض اليومية، والضوابط الشرعية، وعكس صورة مشرقة وناصعة عن سلوك وثقافة محبي الامام الحسين الى العالم اجمع.
• اعداد كبيرة من الزوار الاجانب
والى جانب ملايين الزوار العراقيين من شتى مدن ومحافظات العراق، شارك اكثر من ثلاثة ملايين زائر اجنبي من ستين دولة ، حيث قدم من الجمهورية الاسلامية الايرانية فقط الى العراق اكثر من مليوني مواطن ايراني ، بعضهم جاء للمرة الاولى، وبعضهم الاخر، جاء للمرة الثانية او الثالثة .
وهناك زوار من باكستان وافغانستان والهند والدول الخليجية ولبنان ومصر ودول المغرب العربي وافريقيا واوربا واميركا واستراليا.
و الزوار الذين جاءوا سابقا يؤكدون ان حب الحسين يجعلهم لا يكتفون بالزيارة لمرة واحدة او مرتين او ثلاث، او حتى عشر مرات، والزوار الذين جاءوا للمرة الاولى يجدون انفسهم عاجزين عن التعبير عما يختلج في نفوسهم من مشاعر واحاسيس.
وبما ان عدد الزوار الايرانيين كان كبيرا جدا ، وبحكم الجوار الجغرافي، بادرت الجمهورية الاسلامية الى المساهمة في عمليات نقل الزوار عبر توفير وسائط النقل (الحافلات)، وكذلك ساهمت بلدية طهران في الجهد الخدمي المتمثل بتنظيف محافظة كربلاء، علما ان عشرات الايرانيين-ان لم يكن المئات او الالاف-وهم من نخب المجتمع، تواجدوا الى جانب منتسبي الدوائر البلدية، حيث جاءوا ليشاركوا في تنظيف مدينة كربلاء، في اطار التعاون والتنسيق بين الدوائر البلدية العراقية وبلدية طهران.
اضف الى ذلك فأن الايرانيين اقاموا مواكب لتقديم الخدمة للزائرين الى جانب مواكب الخدمة العراقية ، لاسيما في المدن والمناطق التي يمر بها الزوار الايرانيين كميسان وواسط، فضلا عن بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الاشرف.
• خطة متكاملة
وقد تم منذ وقت مبكر تشكيل غرفة عمليات مشتركة من جهات حكومية متعددة، مثل وزارات النقل، والصحة، والاعمار والبلديات، والتجارة، والحكومات المحلية لكل من كربلاء والنجف وبابل، وقيادة عمليات الفرات الاوسط، وقيادة عمليات بغداد، وجهاز مكافحة الارهاب، والعتبتين الحسينية والعباسية، وهيئة المواكب الحسينية، ووضعت خطة متكاملة، لانجاح زيارة الاربعينية، وتأمين الية مناسبة لنقل الزوار وخصوصا بعد اتمام مراسيم الزيارة، وقطع الطريق امام الجماعات الارهابية من التعرض للزائرين، وبالفعل حققت الخطة نسبة نجاح جيدة، وما حصل من معوقات وعراقيل واخطاء واختراقات امنية، قد يعد شيئا كبيرا اذا ماقارناه بحجم المناسبة والعدد الهائل من الناس، والمساحة الجغرافية الكبيرة لتحركهم التي شملت معظم انحاء العراق، والفترة الزمنية الطويلة نسبيا للزيارة التي امتدت لثلاثة اسابيع كاملة.
وبحسب المصادر الرسمية الحكومية شارك اكثر من مائة وعشرين الف عنصر امني، من وزارات الداخلية والدفاع وجهازي الامن الوطني والمخابرات، مضافا اليهم قوات الحشد الشعبي، والقوة الجوية .





