الحلّ في الميدان اليمني بعد سقوط الرهان على «جنيف 2» و«توشكا» ثانٍ خلال أقل من أسبوع و«قاهر 1» على نجران
حسمت التطورات العسكرية التي شهدها الميدان اليمني يوم أمس الجدل بشأن التعويل على مفاوضات «جنيف 2» ، بعد يوم ماراثوني شهده البيت الاولمبي السويسري في بلدة ماغلينغن التي تحتضن المحادثات السياسية الخاصة باليمن وسقط الرهان على وقف الحرب قريباً رغم استمرار جلسات المحادثات ، لا سيما أن وفد الرياض أبدى عجزاً واضحاً عن الحسم في أي قضية، لأن قرار الحرب بيد النظام السعودي ، و باتت الانظار تتجه نحو الميدان اليمني ، الذي شهد «توشكا» ثاني خلال أقل من أسبوع و«قاهر 1» على نجران .
و أرخت التطورات العسكرية الكبيرة بثقلها على أجواء المفاوضات في يومها الثالث ، والتي كادت تُنعى بسبب انتهاكات قوات التحالف السعودي لإعلان وقف إطلاق النار .
ويمكن القول إنه في اليوم الثالث من المفاوضات ، تضاءل الرهان على «جنيف 2» إلى أدنى الدرجات ، حيث إنه أصبح واضحاً أن لا نية للرياض بوقف الحرب حالياً ، وأن وفدها عاجز عن الحسم في أي من المسائل . و فيما يزداد الميدان اشتعالاً في استغلال للهدنة وفي محاولة لتكرار سيناريو عدن في تموز الماضي، حين سيطرة قوات «التحالف» على المحافظة الجنوبية خلال وقف إطلاق النار، يرتفع الاقتناع بأن كل الآمال التي عقدت في الايام الاخيرة تلاشت بسرعة، رغم بقاء إمكانية التوصل في سويسرا إلى تفاهمات معينة. وبعد لقائه بالمبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ قبل ظهر أمس عوضاً عن حضور الجلسة العامة ، استأنف وفد «أنصار الله» و «المؤتمر» المشاركة في جلسات التفاوض بعد ظهر أمس . وأعلن محمد عبد السلام رئيس وفد «أنصار الله» في المحادثات ، الاستمرار في جلسات التشاور ، و ذلك بعد تقديم الوفد للأمم المتحدة ورقة احتجاج بسبب الخروقات التي تحولت إلى الهجوم العسكري . وبعد اجتماعات مكثفة مع المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ تناولت مطلب «أنصار الله» و«المؤتمر» وقف الحرب وليس ترحيل الأمر ، سجل عبد السلام اعتراض وفد صنعاء على بيان الامم المتحدة الخاص بالجانب الانساني ، والذي تضمن بند إيصال قوافل المساعدات الانسانية إلى تعز، مؤكداً أن وفد صنعاء لم يقاطع أي جلسة لكنه استعاض عن ذلك بتقديم ورقة تتحدث عن الخروقات التي جرت في مناطق كثيرة . وكان البيان الصادر عن ولد الشيخ أول من أمس، قد جاء مخالفاً لما تم التوافق عليه بشأن فك شامل للحصار وإيصال المساعدات الانسانية إلى كل المناطق المتضررة . و أشار عبد السلام إلى أن تلك الخروقات تراوحت بين القصف الجوي والانتشار العسكري والتمدد في الجوف ومأرب .
• عبد السلام : الحسم سيعود للميدان اذا فشلت المفاوضات لندافع عن أنفسنا بكل كرامة
و من جهة أخرى قال عبد السلام : «لا يوجد لدينا مشكلة في استمرار الحرب ، فنحن سندافع عن أنفسنا بكل كرامة» ، مجدداً تأكيد «أنصار الله» على أنه في حال فشل المفاوضات فالحسم سيعود إلى الميدان ، مشدداً على أن وفده سيتابع الجلسات بهدف تثبيت وقف إطلاق النار الذي لم تستطع الأمم المتحدة تقديم رؤية واضحة بشأنه .
وممّا سجل وفد صنعاء اعتراضات عليه أيضاً ، بحسب مصادر مطلعة على مجريات الجلسات ، هو خرق الصمت الاعلامي من قبل وفد الرياض من خلال إدلاء أحد أعضائه بتصريحات صحافية إلى إحدى القنوات، ثم تسريبه معلومات غير صحيحة عن مقاطعة وفد صنعاء الجلسات فيما الحقيقة أن الوفد كان مجتمعاً مع ولد الشيخ بناءً على دعوة منه.
• وفد هادي : قرار وقف الحرب ليس بأيدينا
من جهة أخرى ، أفادت مصادر مطلعة على مجريات المفاوضات بأن وفد الرياض وممثلهم العسكري كشفوا خلال مفاوضاتهم أمس عجزهم عن إيقاف العدوان . وقال بعضهم إنهم غير قادرين على فعل شيء ، وإنه ليس لهم أي صلاحية في إيقاف الطيران أو الحرب ، لكونهم «ليسوا أصحاب قرار ولا مخولين بإجراء أي اتفاق من هذا النوع من شأنه أن يتحقق في الواقع» . وبحسب المصادر، فإن ولد الشيخ يحاول حالياً أن يتواصل مع السعودية والأميركيين للحصول على تقدم بهذا الخصوص .
وأفادت المصادر بأن الوفد الممثل لطرف الرياض برئاسة عبد الملك المخلافي أبدى عجزاً عن البتّ في القضايا الكبرى، «وكل ما هم مخولين بالتفاوض فيه هو الإفراج عن محمود الصبيحي و ناصر هادي و فيصل رجب ومحمد قحطان وعبد الرزاق الأشول» ، وقد عبّروا عن عدم امتلاكهم أي صلاحية للتشاور أو التفاوض حول قضايا مهمة ، مثل وقف إطلاق النار ورفع الحصار أو البحث في إمكانية إطلاق متبادل لجميع المعتقلين من الطرفين .
كذلك، أفادت مصادر بأن وفد الرياض يتحاشى خلال الجلسات الحديث عن قضيتين أساسيتين: وحدة اليمن، وملف «القاعدة» و«داعش» ضمن بند مكافحة الارهاب في البلاد .
في المقابل ، يحاول الوفد تأطير الجانب الانساني بمحددات مناطقية ، لا سيما حين ركز على «حصار تعز» . وفيما اقترح وفد صنعاء الافراج عن 70% من معتقلي الطرفين كخطوة لبناء الثقة، رفض وفد الرياض المقترح وأصرّ فقط على أسماء المعتقلين الخمسة .
و عزا مراقبون محليون وأجانب هذه المواقف المتذبذبة والضعيفة إلى كون قرار الحرب والحصار هو قرار سياسي عسكري سعودي بحت ، و أن الوفد لم يأت للتفاوض من موقع المسؤول القادر وصاحب القرار، بل جاء لتنفيذ مهمة معينة أوكلت إليهم من قبل «التحالف» ، ويبدو أنها تنحصر في قضية إطلاق المعتقلين الخمسة ، إضافةً إلى عرقلة أي توجه من الأمم المتحدة لوقف العدوان ورفع الحصار .
و بينما تبددت جميع الأوهام حول جدّية المفاوضات و إعلان وقف إطلاق النار في اليمن .. أكد الميدان اليمني أن الحرب لا تزال مستعرة أكثر من ذي قبل ، جوّاً وبرّاً ، فقد شهدت المحافظات اليمنية يوم أمس تصعيداً غير مسبوق من طائرات العدوان وقواته على الأرض ، قوبل بردود من الجيش اليمني و«أنصار الله» في محاولة للردع .
وفيما تمكنت قوات «التحالف» والمجموعات المسلحة المؤيدة لها، وفي مقدمتهم مقاتلو حزب «الإصلاح» الإخواني ، من السيطرة على أجزاء من محافظة الجوف الشمالية ، ردّ الجيش اليمني و«اللجان» على الخروق، للمرة الأولى، بعد أقل من ساعات على تأكيد رئيس المجلس السياسي لحركة «أنصار الله»، صالح الصماد ، أن «خيارات الشعب لا تزال مطروحة وأنها خيارات مدروسة، والخطوات المقبلة ستكون خطوات كبيرة ويصعب التراجع بعدها» .
في غضون ذلك ، أطلقت قوة الإسناد الصاروخية للجيش اليمني أمس، صاروخين بالستيين الأول من نوع «قاهر 1» على تجمع لقوات العدوان في نجران السعودية ، و الثاني «توشكا» على معسكر تداويل في مأرب ، استهدف تجمعاً لمسلحين مؤيدين للعدوان هناك ، فيما أقرّ «التحالف» بإطلاق الصاروخين ، زاعما إسقاطهما .
وفي وقت لاحق ، نقل مصدر عسكري إحصاء سقوط أكثر من 90 قتيلاً من المرتزقة، بينهم قيادات، واحتراق طائرتين من نوع «أباتشي» ومنظومة «باتريوت» بالصاروخ الذي استهدف معسكر تداوين في مأرب.
وأكد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العميد شرف لقمان، أن العمليتين تأتيان في إطار الرد على تمادي «التحالف» وخرقه وقف إطلاق النار الذي أعلنته الأمم المتحدة ومواصلته تصعيد العمليات خلال الأيام الثلاثة الماضية . و لفت لقمان في تصريح إلى أن الرد كان لا بد منه بهدف ردع «التحالف» عن الاستمرار في عملياته العدائية جواً وبراً وبحراً، وبسبب عدم التزامه وقف إطلاق النار في الوقت الذي التزم الجيش و«اللجان الشعبية» به .
من جهة أخرى، أكد مصدر عسكري أن مدينة الحزم، عاصمة محافظة الجوف، لم تسقط بأيدي قوات العدوان بكاملها ، لكن سقطت المناطق التي لم يكن فيها وجود عسكري ، مشدداً على أن الجيش و«اللجان» موجودون في الجزء الأهم من المدينة .
وأوضح المصدر في تصريح ، أن قوات العدوان تقدمت في المناطق الصحراوية بين الحزم ومفرق الجوف، وأن الجيش و«اللجان» تراجعوا إلى المناطق الجبلية تحت ضغط الطيران المكثف . و قال المصدر: «لم يجد مقاتلو التحالف مواجهة كبيرة في تلك المناطق التي سيطروا عليها، لأن وجود الجيش واللجان في تلك المناطق كان أمنياً فقط»، مضيفاً أن «قوات التحالف استغلت وقف النار للهجوم عليها» .
على صعيد متصل، قتل أربعة من مرتزقة «بلاك ووتر» خلال صد محاولة تقدم للعدوان باتجاه منطقة حبيل سلمان وجولة المرور في تعز . و أوضح مصدر عسكري أن من بين القتلى إيطالياً يدعى أبيتي كاربوني، وجنوب أفريقي يدعى مازولو كنياتي وعريفاً أميركياً من أصول باكستانية يدعى جاويد الطاف خان، وآخر يدعى صموئيل بريبوتاتانا راوندي .
و على صعيد جبهات الحدود، فقد وزع «الإعلام الحربي»، أمس، مشاهد عملية اقتحام الجيش و«اللجان الشعبية» لموقع «الزور» العسكري السعودي في نجران ، التي جرت يوم الاثنين الماضي، أي قبل يوم واحد فقط من وقف إطلاق النار . وأظهرت المشاهد رصد تحركات العسكريين السعوديين في الموقع، من مجموعة الاستطلاع في الجيش و«اللجان» ، ومن ثمّ عملت قوة الإسناد المدفعي على دك الموقع بعدد من القذائف تمهيداً لاقتحامه، وسط حالة ذعر وهلع في صفوف العسكريين السعوديين .
وأظهرت المشاهد هروب العسكريين السعوديين كالعادة، ببعض آلياتهم من الموقع تحت غطاء ناري كثيف . و أحرق مقاتلو الجيش و«اللجان» ما تبقى من الآليات السعودية بعد سيطرتهم الكاملة على الموقع . بعد ذلك فخّخت فرق الهندسة الموقع ، رغم التحليق المكثّف لطائرات «الأباتشي» السعودية، لتنتهي العملية بتسوية رقابة (برج المراقبة) الموقع بالأرض.