تقرير مراسل تسنيم..

ما هي أسباب تراجع التصريحات السعودية التركية حول التدخل العسكري البري في سوريا؟

رمز الخبر: 1009367 الفئة: دولية
السعودیة

لم يكن خبر تحرير الجيش السوري وحلفائه لبلدتي نبّل والزهراء بريف حلب الشمالي بتاريخ 3-2-2016، بالسهل والمستساغ على مسامع "المعارضة السورية" التي اجتمعت في جنيف، وكل من حليفتيها تركيا والسعودية ومن خلفهما الولايات المتحدة الأمريكية، فلقد شكّل هذا التحرير انتصاراً عظيماً للحلف السوري بقدر ما شكّل هزيمة لحلف المعارضة الذي بدأ يبحث عن مخرج له، فلم يجد أمامه إلا التعمية عن الانتصار بالتلويح بعمل عسكري بري ضد سوريا فبدأ الصوت التركي والسعودي يصدح بالتهديد والوعيد ليعود الصوت يخفت من جديد بعد ردة الفعل التي أبدتها سوريا وحلفاؤها.

وفي الوقت الذي كان وفد الحكومة السورية ينتظر أن يتبلور  الوفد المعارض الذي يجب عليه أن يفاوضه في جنيف، كان الجيش السوري قد بدأ عملية عسكرية خاطفة بريف حلب الشمالي، سيطر خلالها على قرى وبلدات استراتيجية، واستطاع في النهاية تحرير بلدتي نبّل والزهراء المحاصرتين من قبل المجموعات التكفيرية منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
و وجه التقدم الذي حققه الجيش السوري في الشمال ، صفعة قوية للوفد المعارض المتخبط في جنيف والذي ازداد تخبطاً بعد سماعه نبأ فك الحصار عن نبّل والزهراء، وكأنها رسالة من الدولة السورية لممثلي الفصائل المسلحة المشاركة مع الوفد المعارض مفادها أنه من المستحيل أن تفاوض سوريا مجموعات إرهابية، وأن المكان الوحيد للمفاوضات هو ميدان القتال.
و ادت خيبة الأمل التي رافقت الوفد المعارض، الى تعليق مباحثات جنيف، كما أثارت حفيظة حلفاء المعارضة تركيا والسعودية ومن خلفهما الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة أن التقدم الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه كان بدعم واضح من الطيران الحربي الروسي الذي شلّ أي محاولة تركية لإرسال تعزيزات إلى "جبهة النصرة" وأحرار الشام، وبالتالي إسقاط ورقة تركيا وإبعاد تهيد عسكري من جانب أنقرة، فكان لابدّ من التحضير لسيناريو معاكس، للتعتيم على كسر هيبة المعارضة وداعميها أمام الرأي العام، فتمّ الإعلان عن إمكانية تدخل عسكري بري سعودي إلى سوريا بحجة محاربة داعش وبمساندة من تركيا ودعم من أمريكا.
و بدأت هذه الحملة الإعلامية من قبل الحلف المعارض، بتصريح من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بعد يوم واحد من تحرير بلدتي نبّل والزهراء بتاريخ 4-2-2016 عندما اتهم "الحكومة السورية وحليفتها روسيا بالسعي الى "حل عسكري"  للنزاع في سوريا"، ليُتبع التصريح ببيان للخارجية الأمريكية قالت فيه: "إن الغارات التي تشنها الطائرات الروسية في مدينة حلب ومحيطها "تستهدف بشكل شبه حصري" المجموعات المسلحة المعارضة ومدنيين بدلاً من أن تستهدف تنظيم "داعش، العدو المشترك للمجتمع الدولي بأسره".
وكان لابد للتصريح الأمريكي من تداعيات على الأرض السورية، فعشية اليوم الذي صرحت فيه أمريكا، أعلنت السعودية عن احتمال مشاركتها ضمن قوات التحالف بعمل عسكري بري في سوريا بهدف "محاربة داعش"، ما لقي ترحيباً من مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، وإعلان تضامن كل من البحرين والإمارات في حال تدخل السعودية في إطار ما يسمى "قيادة عسكرية موحدة لدول الخليج"، لتعلن روسيا بالتزامن أن لديها أسباباً جدية تحمل على الاعتقاد بأن تركيا تُعد لتدخل عسكري في سوريا.
و بدات التصريحات السعودية حول التدخل البري في سوريا على لسان وزير الخارجية عادل الجبير الذي قال: "إن إرسال السّعوديّة طائرات إلى قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا هو جزءٌ من حملة نشر قوات خاصّة سعودية في سوريا" زاعماً أن "استعداد السّعوديّة لإرسال قوّات خاصة لأي عملية برية في سوريا يرتبط بقرار وجود عنصر بري لهذا التحالف ضد تنظيم "داعش" في سوريا".
وتعقيباً على إرسال الطائرات السعودية إلى تركيا، علّق وزير الدفاع التركي عصمت يلماز، يوم الأحد بتاريخ 14-2-2016 بقوله: " لم تأتِ تلك المقاتلات حتى الآن، لكن من المنتظر أن تصل أربعة من طراز إف 16، فلقد تم اتخاذ قرار في هذا الشأن" مضيفاً "لقد اتفقنا على ذلك من حيث المبدأ، وأبلغنا الجانب السعودي أنه بإمكانهم المجيء"

و أول رد فعل رسمي من الجانب السوري على التصريحات السعودية والتركية جاء على لسان وزير الخارجية وليد المعلم  الذي اعتبر في مؤتمر صحفي بتاريخ 6-2-2016 أن "الولايات المتحدة لا تريد أن تتعاون مع الجيش السوري الذي يكافح تنظيم داعش، ومن الطبيعي أن تستجيب السعودية " معلناً أن "سوريا ستعتبر أي توغل بري في أراضيها عدواناً ونأسف أن يعود هؤلاء المعتدون في صناديق خشبية إلى بلدهم".
و لم يستبعد الرئيس السوري بشار الأسد احتمال إقدام تركيا والسعودية على تدخل بري في سوريا،  وقال في مقابلة مع وكالة فرانس برس بتاريخ 12-2-2016: "إن المنطق يقول إن التدخل غير ممكن، لكن أحياناً الواقع يتناقض مع المنطق. هذا احتمال لا أستطيع استبعاده لسبب بسيط وهو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخص متعصب، يميل للإخوان المسلمين ويعيش الحلم العثماني" مضيفاً: "نفس الشيء بالنسبة للسعودية. إن مثل هذه العملية لن تكون سهلة بالنسبة لهم بكل تأكيد، وبكل تأكيد سنواجهها" .
والرد الروسي على الطائرات السعودية المدعومة من تركيا،  لم يأت يقتصر فقط على التصريحات بل بإرسال طراد لإطلاق الصواريخ إلى البحر المتوسط، صنع العام الماضي.
أما الرد الإيراني فجاء على لسان قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري الذي صرّح لوكالة تسنيم يوم الأربعاء بتاريخ 17-2-2016، بأن "السعوديين عاجزون ولن يجرأوا على شن هجوم بري ضد سوريا، مضيفا "إن السعوديين لا ولن يجرأوا على دخول الاراضي السورية من البر، وذلك لأنهم ليسوا في هذا المستوى ويفتقدون الى القوة التي تؤهلهم للقيام بمثل هذا الهجوم."
و بدأت التصريحات التركية والسعودية بعدها، تأخذ منحى العودة والتراجع عما كان قد أعلن سابقاً وذلك بعد سماع الرد من الجانب السوري والحلفاء، فقد صرح وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو بتاريخ 16-2-2016  قائلاً:  "لن ندخل الحرب في سوريا ولكننا نتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حدودنا وأمننا" .
وتصريح داوود أوغلو  تبعه إعلان وزير خارجيته مولود جاوش أوغلو الذي قال: "إن  بلاده والسعودية وبعض الحلفاء الأوروبيين يرغبون في شن عملية برية في سوريا، لكن لا يوجد إجماع في التحالف ولم تتم مناقشة استراتيجية بهذا الخصوص بشكل جدي." مضيفاً: "إن بعض الدول مثلنا والسعودية وكذلك بعض الدول الأخرى في غرب أوروبا تقول إن من الضروري شن عملية برية.. لكن توقع هذا من السعودية وتركيا وقطر فقط هو أمر غير صائب وليس واقعياً".
وبخصوص التدخل البري السعودي التركي في سوريا قال العميد الطيار في الجيش السوري محمود علي  لوكالة تسنيم "بقناعتي لن يجرؤوا على ذلك، فمنظومة اتخاذ قرار الحرب بتركيا لا تسمح بذلك وما يجري هو مناورات في السياسية وهي عملية تفاوض النار بالنار بهدف الحصول على أكبر نسبة أوراق في التسوية القادمة للأزمة السورية" لافتاً إلى أنه "عندما كانت سوريا في عام 2014 أضعف مما هي عليه الآن بكثير وكانت تحالفاتها الإقليمية والدولية ليست ناضجة كما الآن، وفي نفس الوقت كان الطرف الآخر في عز قوتهم وأوج غرورهم وأقصد هنا السعودية وتركيا، فإنهم لم يتجررؤوا على القيام بمثل هكذا مغامرة، فكيف الآن وسوريا وحلفاؤها في منتهى القوة والطرف الإرهابي وحلفاؤه في منتهى الضعف إن كان في تركيا أو السعودية؟"
وفي هذا السياق قال الكاتب والباحث اللبناني الأستاذ معن بشور: إن "الحكام في الرياض وأنقرة باتوا مدركين تماماً أن مشروعهم في سوريا قد فشل ولكن كل ما نراه اليوم من سيناريوهات يأتي لإخفاء هذا الفشل وإلباسه بلبوسات متعددة" لافتاً إلى أن "المعارك الإعلامية والسياسية وتغيير الاتجاهات، كل ذلك  يكشف حجم المأزق مرة أخرى الذي وقع فيه هذا المحور السعودي التركي"
وأضاف الأستاذ معن بشور: "إن المشكلة في هذا المحور (التركي السعودي) أنه اعتقد أنه عبر أموال كثيفة وتضليل إعلامي وتحريض طائفي ومذهبي يستطيع أن يغير جملة حقائق في هذا الإقليم وفي سوريا بالذات وهو من البداية لم يدرك أن إرادة الشعب السوري وقدرات الجيش السوري وصمود القيادة السورية سيكون بالتأكيد ضمن الفرضيات لكل ما يجري" .

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار