أنظار العالم صوب ايران الاسلامية بانتظار ملحمة جديدة

رمز الخبر: 1011385 الفئة: سياسية
انتخابات

تفتح مراكز الاقتراع في إيران الاسلامية أبوابها صباح غد الجمعة لانتخاب مجلس شورى ومجلس خبراء جديدين ، بعد حملة انتخابية دامت اسبوعا حاولت الأطراف فيها رسم ملامح المرحلة المقبلة ، وكانت حماوة الانتخابات شديدة ، قبل ساعات فقط على فتح مراكز الاقتراع فيما عكست النشاطات الميدانية و في الفضاء الإعلامي ، مستوى من الحيوية السياسية لطالما ميّزت الجمهورية الإسلامية ، التي شهدت ما معدله عملية اقتراعية كل عام منذ قيام ثورتها في عام 1979 .

و دعا قائد الثورة الاسلامية سماحة الامام الخامنئي ، جميع المواطنين ، من مختلف التيارات بما فيها من يُسمون المعارضة ، إلى التصويت بكثافة بغض النظر عن النتائج . وفي النهاية ، ترى القيادة مستوى نجاحها الانتخابي في نسبة المقترعين التي تعكس، من وجهة نظرها، شعبية النظام الذي تجري العملية الانتخابية تحت سقفه ، بمعزل عن الاصطفاف السياسي الداخلي.
وغلب النقاش الاقتصادي على معظم محاور العملية الانتخابية ، حيث يتنافس أكثر من ستة آلاف مرشح ، بينهم 586 امرأة، على مقاعد مجلس الشورى الاسلامي الـ290، و161 مرشحاً على مقاعد مجلس الخبراء الـ88 . و تركز النقاش بين فريقين ، الأول تابع للرئيس حسن روحاني الذي يعد بتجاوز الركود الاقتصادي خلال عام ، في وقت يبدو فيه الأصوليون مقتنعين بأن خطوة كهذه تحتاج إلى عامين على أقل تقدير .
و خلافاً لما كانت عليه الحال في انتخابات الرئاسة الأخيرة ، يشهد المعسكر الأصولي انسجاماً و تراصا في صفوفه و جرى العمل على ذلك لأسابيع تكللت بتشكيل لائحة موحدة باسم «الائتلاف الكبير للأصوليين» يقوده في طهران رئيس مجلس الشورى السابق الدكتور غلام علي حداد عادل . و اللافت هذه المرة كان انسحاب كل المرشحين الأصوليين ، ممن لم يحظوا بفرصة الانضمام إلى هذا الائتلاف، من السباق الانتخابي لمصلحة الائتلاف .
ومن المفارقات أيضاً في تطورات الحملة، أن المرشحين الأصوليين تجاهلوا السياسة في برامجهم وسجالاتهم وركزوا فقط على الاقتصاد والسياسات الاقتصادية التي يجب اتباعها ، علماً بأن بعض مرشحي هذا المعسكر .
أما المعسكرالإصلاحي ، فيبدو واضحاً أنه يعاني من أمرين : الأول، التشرذم حيث يخوض الانتخابات بلوائح متعددة ؛ صحيح أن هناك قائمة مركزية باسم «92: الخطوة الثانية» (و92 هنا هي العام الفارسي الحالي) يقودها في طهران المرشح الرئاسي السابق محمد رضا عارف الذي انسحب من السباق لمصلحة روحاني ، لكن إلى جانبها هناك عدد من القوائم الإصلاحية المنافسة . أما الأمر الثاني، فعدم قدرة الإصلاحيين على ترشيح لوائح مكتملة في المدن الكبرى ، ما حدا، في بعض الحالات، إلى دعوة مرشحين أصوليين ومستقلين إلى الانضمام إليها، في خطوة أثارت نقاشاً صاخباً في صفوف الإصلاحيين عكست مستوى من الخلافات في وجهات النظر فيما بينهم . ومن المفارقات في الحملات الانتخابية للإصلاحيين غياب الطروحات الاقتصادية عن البرامج التي تركز على الأمور السياسية الداخلية وهو وضع يعيده البعض إلى غياب المختصين في الشأن الاقتصادي لدى هذا المعسكر .
ويبدو واضحاً أن الإصلاحيين، وفي مقدمتهم رئيس مجمع تشخيص النظام الحالي علي أكبر هاشمي رفسنجاني ، يضغطون على روحاني لتبنّيهم كتيار سياسي والتحالف معهم في مجلس الشورى . حجتهم لإقناع الرئيس الإيراني تقول إن الأصوليين، في حال فازوا حالياً بالغالبية في البرلمان، للمرة الثالثة على التوالي، سيحرمون روحاني من الفوز بولاية رئاسية ثانية ، في سابقة ستكون الأولى من نوعها في إيران حيث نجح جميع الرؤساء في الحكم لولايتين متعاقبتين . و هم عملياً يتهمونه بأنه لم يبذل ما يكفي من الجهد لضمان قبول مجلس صيانة الدستور بالعدد الأكبر من مرشحيهم ، ويهدّدونه بأنه إذا لم يتعاط بشكل إيجابي ويتعاون معهم فإنهم سيتحولون إلى المعارضة في البرلمان المقبل، وينافسونه على الرئاسة في الانتخابات المقبلة.
من ناحيته ، يبدو المعسكر الثالث، معسكر روحاني الذي يضم خليطاً من الأصوليين والإصلاحيين المعتدلين ويخوض الانتخاب تحت مسمى «صوت الشعب»، قد خسر رهانه على تحسّن اقتصادي يعقب الاتفاق النووي. وعلى ما يقول مختصون في الشأن الانتخابي الإيراني، إن هذا المعسكر، الذي يقوده في طهران النائب علي مطهري ، يغرف من صحن الإصلاحيين، بمعنى أنه ينافس هؤلاء على القاعدة الانتخابية نفسها.
ولعل أبرز ما يعكس ذلك السجال القائم حالياً بين الفريقين: الإصلاحيون يدّعون أن انتصار روحاني حصل بفضل أصواتهم التي لولاها لكان خسر معركة الرئاسة . قالها «أبو الإصلاحيين»، رفسنجاني، بالفم الملآن : أصوات روحاني لم تتجاوز 5 في المئة من عدد المقترعين ، و قد فاز في الانتخابات بسبب دعمي له . و هي جملة لا يمكن فهم وقعها إلا بالإشارة إلى أن رقم 5 في المئة هو عدد الأصوات الباطلة في انتخابات عام 2013.
في المقابل ، يردّ الرئيس الحالي وأنصاره بأن فوزه الانتخابي كان فوزاً لتيار ثالث من خارج الاصطفاف التقليدي بين الأصوليين والإصلاحيين، وأنه يرفض ادّعاءات الأخيرين في شأن الانتخابات السابقة .
وللإشارة فقط ، فإن مفهوم التيار الثالث أول من أصّل له كان رفسنجاني الذي أسّس ما يعرف بـ»كوادر البناء»، وهو عبارة عن تيار سياسي «تكنوقراطي» معتدل من خارج اصطفاف أصولي ــ إصلاحي . لكنه في أواخر الولاية الثانية لمحمد خاتمي ، التي ترشح على إثرها إلى انتخابات الرئاسة حيث هُزم على يد محمود أحمدي نجاد، فَرَد عباءته للتيار الإصلاحي الذي كرّس نفسه زعيماً عليه في حالة ظهرت أبرز تجلياتها في انتخابات عام 2009.
وعليه ، يبدو أن روحاني في مكان لا يُحسد عليه: فهو من جهة يواجه صعوبات في جذب الرأي العام بسبب عدم قدرته على إظهار حصول تحسن اقتصادي تحقيقاً لوعوده الانتخابية الرئاسة ، وبالتالي لا يستطيع الربح من دون الإصلاحيين، وفي الوقت نفسه هو مصرّ على أن يظهر أنه مستقل عنهم وأنه يمثل تياراً قائماً بذاته. كما يرفض تصويره على أنه تابع لرفسنجاني. يرى أن عصر هذا الأخير قد أفل مع خسارته انتخابات الرئاسة في عام 2005.
والمفارقة أنه يبدو عاجزاً عن أن يفعل ذلك مع الأصوليين، الذين يترشح لعضوية مجلس الخبراء تحت لافتتهم ، «روحانيات مبارز» (جمعية علماء الدين المجاهدين).
و لعل أبرز مصداق على الخلاف بين رفسنجاني وروحاني حقيقة أن كل منهما قد شكل لائحة انتخابية خاصة به في طهران ، في انتخابات مجلس الخبراء؛ الأول همّه إسقاط علماء الدين الأصوليين، ويركز وجماعته بشكل خاص على كل من الرئيس الحالي لمجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي، والرئيس الحالي لمجلس الخبراء آية الله محمد يزدي، وعضو مجلس الخبراء آية الله محمد تقي مصباح يزدي . في المقابل ، فإن روحاني لا يزال يغرّد في صفوف العلماء الأصوليين.
وعلى الرغم من رتابة الحملات الانتخابية لهذا المجلس ، فإن حدثاً إعلامياً كان له وقع لا يزال صداه يتردد إلى اليوم هو : تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC يتوجه إلى الشعب الإيراني، مخاطباً إياه بأنه إذا كان حقاً يريد التغيير فعليه أن يصوّت لمصلحة رفسنجاني وأنصاره ، في وقت تسود لدى ابناء الشعب قناعة عامة ، مستمرة منذ قرون، بأن بريطانيا، التي كانت تحتل الجزء الجنوبي من هذا البلد، تسعى دائماً إلى اختراق علماء الدين، وإلى التغلغل في منازلهم وفي عقولهم .
من هنا يمكن فهم لماذا انتفض عدد من علماء البلاد على هذا البيان، ولماذا تبرّأ بعض منهم من رفسنجاني،  معلنين أنهم يرفضون أن يتم احتسابهم على «مجمع روحانيون مبارز» (جمعية العلماء المجاهدين) التي تضم العلماء الإصلاحيين، بل هناك من قال أن رفسنجاني وضع اسمه ضمن لائحته الانتخابية من دون موافقته. وجاء التقرير الإعلامي البريطاني في وقت الذي يركز القائد الخامنئي منذ التوقيع على الاتفاق النووي ، على التحذير من «مفهوم الاختراق و التسلل والنفوذ» في الثقافة الإيرانية، ويحذر من تغلغل الغرببين، خصوصاً الأميركيين والبريطانيين ، في الداخل الإيراني. وقد رأى سماحته أن هذا الاتفاق يفتح المجال للتواصل مع هذا الغرب ، في خطوة تحمل الكثير من الفرص والكثير من التهديدات، وأهمها محاولة اختراق «صنّاع القرار و أصحاب القرار» . وكان سماحته حريصاً على التأكيد والتحذير من أن الغرب سيعمل على بثّ تصوّر خاطئ للوضع، بما يقود إلى تشخيص خاطئ ، وبالتالي إلى استراتيجيات وسياسات وقرارات خاطئة .

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار