ثلاث قوى تتنازع على محافظة حضرموت الغنيّة و«داعش» ينتظر دوره

رمز الخبر: 1034350 الفئة: الصحوة الاسلامية
حضرموت-11

نجح العدوان السعودي في تمزيق محافظة حضرموت الى ثلاثة أجزاء، تتنازعها «القاعدة» وقوى قبلية وعسكرية مدعومة إماراتياً وسعودياً، ويبدو أن ساحل المحافظة الأغنى نفطياً والهدف التاريخي لمطامع سلطات ال سعود، لن يتحرر قريباً من قبضة "القاعدة"، في الوقت الذي يطمح فيه "داعش" إلى إقامة حكم شبيه في المناطق الداخلية.

محافظة حضرموت كبرى المحافظات اليمنية وأغناها، نالت حصة الأسد من تداعيات العدوان السعودي على اليمن. ومن أبرز هذه التداعيات، تقاسم ثلاث قوى رئيسية النفوذ فيها، هي تنظيم «القاعدة»، و«حلف قبائل حضرموت» والقوات العسكرية المتمثلة بالمنطقة العسكرية الأولى الموالية للرئيس المستقيل والهارب عبد ربه منصور هادي.

فالقاعدة الذي اجتاح مدينة المكلا بعد أيام من بدء حملة ما تسمى «عاصفة الحزم» سيطر على جميع مديريات ساحل حضرموت شرقي المكلا وغربيها،وامتدت حدوده حتى هضبة حضرموت الجنوبية النفطية الفاصلة بين الشريط الساحلي والداخل الحضرمي، حيث يقع وادي حضرموت الكبير وصحراؤها. ومنذ سقطت المكلا في نيسان 2015، استطاع تنظيم «القاعدة» تعطيل كل مؤسسات الدولة الادارية والخدماتية في المدينة.

وفي ضوء ذلك، دفع تردي الأوضاع المعيشية بكثير من العائلات إلى النزوح مؤقتاً وأحياناً بصورة دائمة، باتجاه داخل حضرموت بعيداً عن حدود «الإمارة». وبينما تفرّغ التنظيم لممارسة النشاط «الشرعي»، رمى بكل أعباء المواطنين الملحّة واحتياجات المجتمع الأخرى على كاهل «المجلس الأهلي الحضرمي» (الكيان الرديف له). وشرع في تفعيل «هيئة الحسبة» التي تُعنى بملاحقة ممارسة الطقوس الدينية والعبادات المختلفة، فتتولى على سبيل المثال تسيير سيارات متجولة تدعو الناس إلى الصلاة وتذكرهم بأوقاتها، وتغلق المحالّ في أوقات الصلاة.

وتنفذ الهيئة التابعة للتنظيم المتطرف «الحدود» في ساحة عامة في المكلا، مثل الرجم والجلد وغيرهما. ولعلّ أشهر ما شهدته تلك الساحة، هو رجم امرأة حتى الموت قبل أشهر بتهمة «الزنا» إلى جانب إعدامات بتهم «الشعوذة» أو «الافساد في الأرض». ولم تُنسِ «أعباء» الحكم والسلطة، منظّري التنظيم من القيام بين وقت وآخر بهدم أو نسف القباب أو الأضرحة الدينية أو المعالم المعمارية أو حتى أي مسجد تاريخي يحوي قبراً لأحد «الصالحين»، من أجل ما يعتقدون أنه «تخليص الناس من البدع والشركيات».

وأصبح التنظيم يتجذر يوماً بعد يوم في محيطه وينمّي تجاربه ويكتسب تجارب دخيلة على ثقافته العامة تساهم في تقوية قبضته السلطوية على المجتمع. ويجنّد أعضاءً جددا ويسخّر كل إمكاناته المالية والاقتصادية الوفيرة نسبياً وامتيازات السلطة التي يمتلكها، لاستقطاب أنصار جدد.

أما «حلف قبائل حضرموت»، فتقع تحت سيطرته هضبة حضرموت الجنوبية. هذا الكيان أوجده العدوان كتجمع لعدد من قبائل حضرموت الرئيسية، ثم تحوّل إلى سلطة تدير شؤون تلك الرقعة الجغرافية التي تتكون من هضبة جبلية تضم عدداً من الأودية. وتدخل ضمن نطاقها غالبية القطاعات النفطية في حضرموت (كقطاعات شركات توتال، وبترومسيلة، ودوف، ودي إن أو، وغيرها)، حيث ورثت مهمات التشكيلات العسكرية التي كانت مسؤولة عن حماية الشركات النفطية. تلك التشكيلات تفككت وانتهى وجودها، وتركت لـ«الحلف» إدارة شؤون منطقة نفوذها والتواصل مع شركات النفط المختلفة، إضافةً إلى جهات داخلية وخارجية.

وتتلخص مهمات «حلف قبائل حضرموت» بحراسة الامتيازات النفطية في منطقة نفوذه والفوز ببعض مزايا الشركات النفطية كالوظائف والحراسات، والاستفادة من هبات تلك الشركات من المحروقات وغيرها من المنافع وتوزيعها على أبناء القبائل المنضوية تحت لوائه بنسب متفاوتة، كما يعمل على التنسيق مع تلك الاستثمارات النفطية بخصوص بعض المشاريع التنموية والخدمية الصغيرة في مناطق سيطرته وإدارة شؤون تلك المناطق.

كذلك، يتواصل مع قوى مختلفة من الداخل والخارج ولا سيما دولة الامارات ويرتبط بعلاقة وطيدة مع السلطة المهيمنة على المنطقة الجغرافية الثالثة في حضرموت في سيئون. أما علاقته بـ«الامارة الاسلامية» التابعة لـ«القاعدة» في المكلا، فتتسم بالفتور، ومن الاسباب أن التنظيم حينما أنشأ الامارة كان بصدد تسليم «الحلف» مدينة المكلا لتولي إدارتها، ولكنه عدل عن ذلك لينشئ المجلس الأهلي الذي أوكل إليه مهمات إدارة المدينة.
وربما من أهم ما يُحسب لـ«التحالف» أن منطقة نفوذه تعد بمثابة حاجز جغرافي وبشري بين «الإمارة الاسلامية» في الجنوب، والمناطق الأخرى من وسط حضرموت وعمقها الحضاري في الشمال.

ويخضع الجزء الثالث من حضرموت (شمال) للمنطقة العسكرية الأولى ومقرها سيئون، حيث لا تزال السلطة الادارية المركزية قائمة مع المؤسسات الادارية والخدمية والمالية ومرافق حكومية.
هذه المنطقة توالي هادي، ولكن تلك الموالاة إسمية فقط على الأقل حتى الآن. ويُحسب لهذه القوة أنها جنّبت منطقتها الصراعات، وهي من المناطق القليلة جداً التي لم تكن ساحة لعمليات حربية، ما عدا استنفارها الدائم بسبب استشعارها الخطر من نفوذ «داعش» المتنامي في محيطها.

وبين فترة وأخرى، يستهدف «داعش» هذه القوة، عبر مهاجمة بعض نقاطها العسكرية أو من خلال زرعه العبوات الناسفة على الطرقات. فترد عليه بعمليات متبادلة. وتنسج هذه القوة العسكرية علاقة تنسيق متينة مع «حلف قبائل حضرموت»، وتحصل على مساعدات مالية شهرية تصرف لجنودها مقدمة من السعودية. ويقع ضمن نطاق عملها المنفذ الحدودي الأوحد مع السعودية، منفذ الوديعة، كما أن مطارها يُعد الوحيد الذي لا يزال يعمل في كل المحافظات الجنوبية بما فيها عدن.

والوضع في هذه المنطقة يعد متقدماً مقارنةً بالمناطق الأخرى، حيث أن مستحقاتها تصل تباعاً من المركز في صنعاء عبر البنك المركزي في سيئون الذي يصرف مرتبات موظفي الدولة في قطاع الوادي والصحراء في حضرموت.

إلى ذلك، يتنامى بشكل ملحوظ في هذا الجزء من المحافظة نفوذ «داعش» الذي يعدّ نفسه للانقضاض على السلطة الحالية على هذا القسم من المحافظة. ويطمح التنظيم لبسط نفوذه على هذا القسم لتأسيس «إمارته» الخاصة في حضرموت الداخلية، على غرار «الامارة الاسلامية» التابعة لـ«القاعدة» في حضرموت الساحل. وقد أعلن «داعش» أكثر من مرة مناصبته العداء لمنافسه التقليدي «القاعدة»، ودخل في صدامات محدودة معه عبر غارات مباغتة شنّها مناصروه على مراكز وأهداف أمنية تقع في منطقة نفوذ الآخر.

في الحصيلة، يمكن القول إنّ هناك «توازنا» بين هذه المناطق الثلاث يرسي استقراراً نسبياً بالرغم من سيطرة «القاعدة» على أجزاء واسعة من المحافظة. إلا أنه توازن هشّ ينتظر غلبة أي طرف من الأطراف الأخرى أو انفجار الصراع في ما بينها، أو بينها وبين أطراف خارجية.

هذا وتؤدي الإمارات دوراً محورياً في صحراء حضرموت الشرقية (صحراء ثمود)، حيث أنشأت معسكر تدريب كبيرا بالتنسيق مع «حلف قبائل حضرموت» والمنطقة العسكرية الأولى. ويدير هذا المعسكر ضباط إماراتيون، ويُعنى بتدريب أبناء المنطقة على مهمات قتالية وأمنية مختلفة.

وقد أنشأت الإمارات معسكراً مماثلاً في صحراء حضرموت الغربية (صحراء العبر)، إلا أنه أقفل بعد فترة عقب قصفه بطائرة سعودية «عن طريق الخطأ»، وفقاً لما أُشيع آنذاك. ونتيجةً لذلك، بقيت هذه المنطقة الصحراوية عبارة عن معبر رئيسي مهم لقوات «التحالف» حيث تتصل غرباً بمنفذ الوديعة المؤدي للسعودية، وهو المنفذ البرّي الوحيد لليمن الذي لا يزال يعمل. ومنه تمر قوات «التحالف» ومجموعات المقاتلين والمرتزقة الذين يجري تدريبهم وإعدادهم في السعودية، وكل الإمدادات اللوجستية لجبهة مأرب.
 

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار