بقلم"صابر كل عنبري"

حول أسباب فوز الجمهوري دونالد ترامب

رمز الخبر: 1236418 الفئة: حوارات و المقالات
گل انبری

أصابت العالم ومنهم المراقبون والمحللون والنخب السياسية في أنحاء المعمورة حالة من الصدمة والذهول بعد إعلان التقدم المتواصل لدونالد ترامب خلال عملية فرز الأصوات، وثم إعلان نبأ فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

أثناء هذه الحالة المذهولة والمصدومة، شرع المحللون في تقييم نتائج الانتخابات الأمريكية وأسباب انتصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب فيها، فمعظم التحليلات حول هذه النتائج تذهب بعيدا كما التوقعات والتحليلات قبلها.

قبل أن نتطرق إلى عوامل فوز ترامب، لابد من القول أن هذا الانتصار لا يمكن اعتباره فوزا للجمهوريين بقدر ما هو فوز لترامب نفسه، لأنه ببساطة الفضل يعود لشخصية الفائز وليس لانتمائه الحزبي، كما لا يمكن انكار دور شباب الحزب الجمهوري في تحقيق هذا الانتصار، وسط مقاطعة الوجوه والشخصيات الجمهورية المعروفة له.

لا شك أن أسباب مهمة للغاية تقف خلف هذا الفوز المفاجيء، يجدر بنا الاهتمام بكل واحد منها على حد سواء، ففي البحث عن عوامل وأسباب فوز ترامب، نواجه حقيقة أن معظمها إن لم يكن جلها داخلية، والعوامل الخارجية كالسياسة الخارجية الأمريكية لم تكن حاضرة بقوة في هذا الفوز كما العوامل الداخلية، عموما هنا يمكن استعراض أهم هذه الأسباب على النحو التالي:

السبب الأول، نجاح ترامب في جعل "الهوية الأمريكية" محورا وأساسا لخطابه الانتخابي، ومن هذا المنطلق جاء تركيزه على محاربة الهجرة والمهاجرين والأقليات، حيث تمكّن من خلال رفع شعارات ممزوجة بنكهة ديماغوجية وشعبوية وأحيانا عنصرية، الاقتراب من وجدان المواطن الأمريكي (وخاصة البيض) المترسخ في داخله التعصب القومي، فأحيا الإحساس بالهوية التي تكمن عميقا في ذوات الأمريكيين البيض، لاسيما أنهم كانوا يشعرون أن السيطرة التي دامت لهم طيلة 240 عاما من تاريخ تأسيس الولايات المتحدة قد بدأت تخرج من بين أيديهم.

اليوم البحث عن الهوية المستقلة، ومن يمكن أن يُحييها لا يقتصر على الناخبين الأمريكيين فحسب، بل يتعداهم إلى ناخبين أيضا في الدول الأوروبية، إلى الشعوب في الشرق الأوسط كذلك، حيث كما نلاحظ خلال السنوات الأخيرة نجحت التيارات اليمينية في الدول الأوربية، التي تركز في حملاتها الانتخابية على الهويات المستقلة للناخبين، في تحقيق تقدم كبير على مستوى استقطاب الشعوب وأصواتهم.

ولعل خير دليل على هذا التوجه العالمي أي البحث عن الهوية، هو انتشار ظاهرة محاربة الهجرة والمهاجرين في أوروبا، وكذلك في منطقتنا، لعل الصراعات العرقية والمذهبية، تعكس ذلك من خلال محاولات الأعراق والثقافات والمذاهب في الشرق الأوسط تحقيق الاستقلالية في الهوية، وتقديم من يمثّل هذا التوجه. فما نراه اليوم في المنطقة من الصراعات العرقية، والمذهبية يأتي في هذا الاطار، ويمثل التوجه المتطرف لمختلف المكونات في عملية البحث عن الهوية واستقلاليتها عبر كيانات سياسية محددة تمثلهم.

كما ما يمكن قوله أيضا في هذا المضمار أن هذا التوجه رغم بعض جوانبه الإيجابية، يحمل في طياته مخاطر كبيرة على السلم العالمي والإقليمي، وهو يعد فشلا كبيرا للعولمة أيضا، وقد يودي بحياتها مستقبلا.

السبب الثاني، النجاح في الوصول إلى هموم المواطن الأمريكي من خلال تبني لغة جماهيرية تدغدغ مشاعر الجمهور الأمريكي، يأتي الهم الاقتصادي على رأس هذه الهموم، حيث أن الشعب الأمريكي كبقية الشعوب يعطي أيضا الأولوية للاعتبار الاقتصادي على سلم الاعتبارات الانتخابية. ومن هنا جاء تركيز ترامب على الفساد الإداري والاقتصادي وضرورة إصلاح الأمور. ومن هذا المنطلق تشكلت مخاوف لدى الشارع الأمريكي أن انتخاب الديمقراطية هيلاري كلينون واحتمالات قيام الولايات المتحدة الأمريكية بعمليات أو حملات عسكرية في عهدها ان فازت، لاسيما في الشرق الاوسط، من شأنها أن يكلف الاقتصاد الأمريكي كثيرا على حساب معيشة المواطنين الأمريكيين.

السبب الثالث والمهم، فشل خصمه الديمقراطي في إقناع مخاطبة الجمهور الأمريكي، وكسب ثقته وذلك بسبب لغة كلينتون النخبوية التي لم تعد نافعة على ما يبدو، وهي لغة لا تلامس هموم جميع المواطنين، لذلك فإن انتصار دونالد ترامب يعد بمثابة فشل ذريع للنخبة سواء في الولايات المتحدة الأمريكية التي فقد الناخب الأمريكي ثقته بهم، وكذلك لمعظم النخبة في أنحاء العالم الذين كانوا ينظرون إلى الانتخابات الأمريكية من نفس منطلقات النخبة الأمريكية، بالتالي تلقت تحليلاتهم النخوبية ضربة قوية بعد ظهور عكسها في الانتخابات الأمريكية.

السبب الرابع، تمتع ترامب بشخصية مثيرة خارجة عن السياق الأمريكي المعهود، والرافضة للاتجاه السياسي الأمريكي العام، وكذلك تبنيه خطابا مغايرا تماما على هو معهود في الحملات الانتخابية الأمريكية جمهوريا أو ديمقراطيا، إذ أن شخصية ترامب المثيرة دفعت كثير من الامريكيين لمتابعته خلال الفترة الانتخابية، والتصويت لصالحه بعدما شعروا أنهم وجدوا ضالتهم فيه.

السبب الخامس، نجاح ترامب في الحصول على الأصوات الرمادية، حيث استطاع دغدغة مشاعر أصحاب هذه الأصوات ودفعهم نحو صناديق الاقتراع التي شهدت نسبة مشاركة عالية، يتوقع أن تتجاوز 54 بالمائة في الدورة السابقة عندما فاز أوباما في ولايته الثانية.

السبب السادس، دعم اللوبي الصهيوني المتشدد، حيث أعلن اليمين الصهيوني موقفه بوضوح قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية من خلال تأييده الكامل والمطلق لـ دونالد ترامب. وفي هذا السياق، أكد الموقع اليميني المتطرف "0404" المقرب من بنيامين نتانياهو والليكود أن ترامب أفضل للإسرائيليين والتيار الإسرائيلي اليميني، ولليهود عموما، بينما اعتبر كلينتون متجاوبة مع رغبات اليسار الإسرائيي المتأمل بفوزها. وفي هذا الإطار، جاءت وعود ترامب الانتخابية لليهود، على رأسها نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة في أسرع وقت ممكن بعد فوزه.

السبب السابع، وأخيرا لا يمكن تجاهل دور اللوبي الروسي في هزيمة هيلاري كلينتون عبر تسريب آلاف رسائل إلكترونية في 7 تشرين الأول/أكتوبر آلاف الرسائل الإلكترونية من بريد دون بوديستا مدير حملة هيلاري كلينتون. فرغم نفي مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج أي دور روسي في هذه القضية إلا أن بودستا مدير الحملة الانتخابية لكلينتون اتهم روسيا بالوقوف وراء هذه القرصنة. كما أنه لا يمكن نسيان دور مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي في إلحاق الهزيمة للمرشحة الديمقراطية عبر الإعلان عن عزمه فتح تحقيق مع كلينتون حول طريقة تعامله مع الرسائل السرية.

ما ذهب ذكره في هذا المقال، كان أهم أسباب فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في وجهة نظري، ولعل التحدي الأهم لترامب خلال ولايته يتمثل في مدى قدرته على تحقيق وعوده للناخبين، وكذلك السؤال الأهم بعد الفوز الذي تبحث دول العالم والمراقبين والمحللين السياسيين عن الوصول إلى إجابة وافية له، يتمثل في تداعيات وارتدادات هذا الفوز في العالم ولاسيما منطقتنا في مرحلتها الحساسة هذه، وطبيعة السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي الجديد.

كاتب ايراني

/انتهى/

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار