بقلم"ناصر قنديل"

المنطقة إلى أين... تنافس أم صراع؟

رمز الخبر: 1295890 الفئة: دولية
ناصر قندیل

في مقال له تناول الخبير والمحلل السياسي اللبناني ناصر قنديل الاوضاع الجارية في منطقة الشرق الاوسط قائلا أن الذين وقفوا في خندق الحروب الأميركية وضعوا أنفسهم في صف الخاسرين ومشروعهم قد سقط متسائلا "المنطقة إلى أين... تنافس أم صراع؟"

– لا يُطرح هذا السؤال مع بدايات الربيع العربي الذي بدا مبشراً بدعوة للتغيير والثورة قبل أن يتّضح كمبشّر بالفوضى والغموض الداكن يلفّ مصير الكيانات الوطنية التي تولّدت بعد الحربين العالميتين، ويأخذها عكس حلم الوحدة، نحو تفتيت المفتَّت وتقسيم المقسّم وإدخالها في حروب أهلية بعد تدمير الجيوش الوطنية التي غالباً ما كانت رموزاً لقمع الدولة المركزية، وسرعان ما صارت رمزاً للهوية الوطنية المهدّدة بالزوال لحساب هويات أتنية وعرقية وطائفية وقبلية ومذهبية، هويات متناحرة متورطة بانفعال غرائزي قاتل في حروب حتى الموت، حتى صارت حماية بقاء الكيانات التي ولّدتها «سايكس بيكو» كمشروع تفتيت مطلباً وطنياً يستحق التضحيات الجسام، كما صار الحفاظ على الجيوش قضية حفاظ على عمود فقري لدولة تتداعى مهدّدة بالاندثار. ولا يطرح السؤال أيضاً بعد حروب الإمبراطورية الأميركية لإنشاء نظام عالمي جديد تأسيساً على انهيار النظام الذي عبّرت عنه قواعد الاشتباك بعد الحرب العالمية الثانية وما عُرف بالحرب الباردة، وما صار معروضاً على الشعوب في منطقتنا، خصوصاً من خيارات أحلاها مرّ، الوقوف بوجه حروب ما بعد سقوط جدار برلين دفاعاً عن أنظمة أذاقت شعوبها الأمرّين، أو الوقوف في صف حرب استتباع لا مكان فيها لحياة وحرية واستقلال وهوية. والمشروع الإمبراطوري يحمل فلسفته للعالم الجديد ويبشّر على لسان فرانسيس فوكوياما بإحدى ثنائيته، نهاية التاريخ وسقوط الهويات، وما تعنيه العولمة التوحشية الأحادية أو صدام الحضارات وفقاً لصموئيل هنتغتون، صداماً تُسحَق فيه الشعوب والأمم التي تتمسّك بخصوصية وهوية، ولا يكون مصيرها أفضل من مصير الهنود الحمر، كسكان أصليين للبلاد، كل البلاد، وأي بلاد، يتمسكون بنمط عيش وثقافة وسلوك، لا تنسجم مع الهوية الجامعة الموحّدة والمعروضة للاستنساخ على البشرية في زمن نهاية التاريخ.

– يُطرح السؤال وقد دار الزمان دورة كافية لتبرير طرحه، فالمشروع الامبراطوري الأميركي يتهاوى والسؤال صار مشروعاً: أميركا إلى أين، والربيع العربي سيولد حمله الشرعي بمولود مشوّه هو داعش، كثمرة تراكمية للفوضى العارمة التي دخلتها المنطقة أو أُدخلت إليها، ليصير السؤال الطبيعي المنطقة إلى أين، بعد فشل المشروع الإمبراطوري الأميركي وفشل الربيع العربي والانتصار المنتظر على داعش. والسؤال يبدأ من تحديد قدرتنا على وعي الذي تغيّر فينا، وهل هو كافٍ لنجيب عن السؤال برؤيا تستشرف ولا تعيد إنتاج وعي الذات المريضة بعيون مريضة، لتنتج باسم الانتصار على حروب الآخرين، حروبنا نحن، بدلاً من سلامنا وعمراننا، وتنميتنا، وبالأصل دولنا، ومجتمعاتنا؟

– عندما حاول توماس فريدمان في كتابه سيارة اللكزس وشجرة الزيتون، أن يصيغ مفهوم العولمة الذي تحمله الحروب الأميركية، في تطوير لما بدأه في افتتاحيات نيويورك تايمز ترويجاً لهذه الحروب في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون وكانت ساحتها أوروبا قبل أن يحين دور آسيا مع جورج بوش، اعتبر أن شجرة الزيتون ترمز للهوية والخصوصية، وسيارة اللكزس ترمز للرفاه، مستنتجاً بحصيلة كتابه أن لا مكان في العالم الجديد للهويات الخاصة بل للحاق بركب الرفاه، مطلقاً شعار اقتلعوا أشجار زيتونكم بأنفسكم والتحقوا بركب الركض وراء اللكزس قبل أن تقتلع اللكزس أشجاركم، فزيتونكم لا مكان له في عالم الغد في الحالتين، لتتكشف الحروب الأميركية ومن بعدها ربيعها العربي أو حربها الذكية، وختامها ولادة داعش، ثلاث حقائق خطيرة: أولها أن سيارة اللكزس كانت تشتغل لحساب شجرة زيتون بعينها يُراد اقتلاع أشجار الغير لحسابها، وفي منطقتنا الشجرة الوحيدة المسموح ببقائها هي الشجرة «الإسرائيلية»، فليست مصادفة أن يتزامن صعود المشروع الإمبراطوري الأميركي المعولم مع إشهار «إسرائيل» نيتها تطوير هوية مشروعها لمزيد من الفظاظة في الإمعان بالهوية الخصوصية المستفزة والمغايرة لوصفات فريدمان وتطلق مشروعها كدولة يهودية. والحقيقة الثانية أن السعي لتدمير أشجار زيتوننا الوطنية كان لحساب أشجار زيتوننا الأخرى التي لا تنتج ثمراً، وهي هوياتنا القاتلة والمتقاتلة، التي حظيت عشائر وقبائل وطوائف ومذاهب بكل الرعاية اللازمة للنمو على حساب الدولة الوطنية لتمتلك كل منها أحزاباً وجيوشاً وأعلاماً ودويلات. والحقيقة الثالثة هي أن داعش كمولود شرعي تراكمي لفشل المشروعين الإمبراطوري العسكري والاستخباري التثويري، الصيف والربيع، استمد قوته من نموذج مشوّه لهوية غارقة في التاريخ حتى الاختناق في الشكل والمضمون، لكن الحقيقة المفاجئة هي أن النهاية بدأت في بلد المنشأ للعولمة المتوحشة بالعودة للهوية الخاصة الفجة والعنصرية، لكن المستندة إلى شجرة زيتونها، في نموذج تفرزه تباعاً تشكيلات الخطاب السياسي الصاعد في الغرب من أميركا دونالد ترامب إلى بريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي وصولاً لـ«فرنسا الآتية»، كما يصفها فرانسوا فيون المرشح الرئاسي الأوفر حظاً، أكثر فرنسية أقل أوروبية، وأقل وأقل عالمية.

– مع معادلة صراع الهويات يصير الخطر سقوط السعي للرفاه والتمدن والحداثة حاضراً، ويصير التوازن بين صياغة الهوية القادرة على ملاقاة التحديات ومواءمة حقائق التاريخ والجغرافيا في آن واحد بصورة غير مفتعلة، هو السياسة. وتصير الحروب الصغيرة داخل حدود الدول إمعاناً في تفتيتها وتشتيتها، أو بين الدول تضييعاً لمواردها واستنهاضاً لعصبياتها، التعبير الأوضح عن اللاسياسة. ولأنه يستحيل بعد كل الذي جرى الحديث عن لعبة شطرنج ودية، يُعاد بنتيجتها رصف الحجارة، كما في الشوط الأول، بينما في الحرب يُخاض الشوط الثاني، من حيث انتهى الشوط الأول لا تكرار بالبدء كما بدأ، وجب القول إن ثمة مشروعاً هُزم، وقوى انتصرت، لكن ليس ثمة بعد مشروع ينتصر. والواضح من مقاربة المشهد الدولي الإقليمي أن الذين وقفوا في خندق الحروب الأميركية وضعوا أنفسهم في صف الخاسرين، وبالمقابل فإنهم اليوم أعجز من إنتاج مشروع، ومشروعهم قد سقط، لأن الأميركي وهو عمود خيمتهم يرتدّ إلى داخل الحدود لإعادة صياغة ذاته، بينما بالمقابل تستطيع الدول التي ناوأت وقاومت المشروع الأميركي أن تباهي بوقوفها في ضفة النصر، لكنها لا تستطيع ادعاء امتلاك مشروع، على أهمية امتلاكها مفردة ذهبية تؤسس أحد أركان المشروع المنشود وهي مفردة المقاومة، لكنها مفردة للإقليم وصراعاته وهوياته، لكنها ليست مفردة كافية لتوصيف مشروع الهوية الوطنية ومشروع الدولة الوطنية، ولا أشكال التحالفات والمصالحات التي تشكل السياسة بعينها في صياغة بنود المشروع.

– المنطقة بين التنافس والصراع وقفٌ على اثنتين، الأولى: هل يذهب الذين هزموا إلى الانتحار، ويخوضون مغامرة ومخاطرة تصعيد نموذج داعش وضخ المزيد من الجغرافيا والمقدرات في حسابه ما يمنحه أسباب قوة جديدة من عيار سيطرته على بيئة ثقافية وفكرية تنسجم مع مشروعه وثروات النفط الأهم في المنطقة من ليبيا إلى الخليج، أم يمتلكون شجاعة الخروج من الحرب بتحديد الخسائر والذهاب بعقل سياسي بمعنى السياسة العلمي نحو الانخراط في التسويات الإقليمية، التي في قلبها تدور المنافسة. أما الثانية والأهم فهي هل يمتلك الذي انتصروا وراكموا فائض قوة تواضع الانتصار، فينجحوا بتحويل فائض القوة إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة الأهم هي التسويات الوطنية، ليتحول النصر من نصر قوى بعينها إلى انتصار لمشروع يملك رؤيا بناء الدولة الوطنية؟

– ما يجري حتى الآن في لبنان وطنياً، وما تذهب إليه معادلة الحرب في سورية إقليمياً ودولياً يشجّعان على الحديث عن ترجيح كفة التنافس على الصراع، خصوصاً في ظل شح الموارد التي يقع الجميع تحت أثقالها، وقد أكل ما مضى من الحروب أخضر بلادنا واليابس في البشر والحجر، لكن تبقى الكلمة الفصل لما سيفعله العراق، وطنياً وإقليمياً، وهل يملك اللاعبون الرئيسيون فيه قدرة رفع سقوفهم الإقليمية نحو التكامل مع سورية الذي ينشئ وحده قطباً جاذباً لمشروع نهضة، وتخفيض سقوفهم الوطنية، نحو صياغة تسويات شجاعة تستعيد الواقعين تحت قلق التهميش إلى السياسة، وتبتكر حلولاً لمشاريع الانقسام والانفصال والتقسيم بتوصيف للعراق الموحّد، يبتعد عن تلازمه مع قواعد صراع الهويات البينية بين رابح وخاسر فيها، فيصير عائد التنازل للتوافق الوطني أكبر من عائد الانقسام الافتراضي أو حلم أو وهم الانفصال؟

المصدر: صحيفة "البناء"

/انتهي/

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار