مقال بقلم: سعدالله زارعي

أهم من تحرير حلب

رمز الخبر: 1436817 الفئة: حوارات و المقالات
القوات السوریة

يعتبر استقرار وحدات من الجيشين السوري والعراقي على الحدود المشتركة للبلدين "أمرا مهما للغاية" نظرا لأنه أثار اهتماما خاصا لدى المسؤولين الامريكيين والكيان الصهيوني وبعض الحكومات المرتبطة بإمريكا في المنطقة.

هذا في الوقت الذي يعتبر فيه استقرار وحدات الجيشين على الحدود "امرا عاديا" لاسيما ان الحدود كانت قد تعرضت لتهديد من قبل مجموعات ارهابية كداعش، لكن لماذا حظي استقرار وحدات من الجيشين السوري والعراقي على الحدود المشتركة للبلدين بأهمية كبيرة واعتبره الكيان الصهيوني "تهديدا استراتيجيا" له كما اعتبرته امريكا "تطورا سلبيا مهما"، و ينبغي هنا التطرق الى بعض النقاط المهمة:

1-عندما يلتقي الجيشان السوري والعراقي في نقطة حدودية تعرضت منذ مدة لظاهرة الارهاب هذا يدل على وجود امتداد أمني من بغداد الى دمشق، واثبتت العاصمتان العربيتان المهمتان عزمهما على توفير حالة أمنية جديدة بشكل لن تتعرض له الى الزعزعة ثانية، حيث كان هذا الامر غير مسبوق خلال الـ40 عاما الماضية، وكان البلدان خلال هذه المدة اعداء لبعضهما البعض او لم يكن لديها اي تعاون، بحيث لم ينخفض مستوى العداء بين حزبي البعث في سوريا والعراق في الوقت الذي كان يواجههما تهديد مشترك من قبل العدو.

كان التباعد بين العراق وسوريا هذان البلدان التاريخيان القويان يعتبر هدفا استراتيجيا للغرب والكيان الصهيوني واتباعهم في المنطقة، والان تشاهد مؤشرات على تقارب البلدين العربيين الكبيرين وتوصلهما الى فهم حول تهديد مشترك، هذا الامر يمكنه ان يكون فرصة كبيرة جدا للمنطقة كما يمكنه ان يكون الهاما لبعض الحكومات الاخرى، حيث يمكن للايادي السورية والعراقية التي تشابكت ان تستخدم في تسوية القضايا والخلافات الاقليمية.

2-اعتقد الكيان الصهيوني عقب بدء الازمة السورية وانتقالها الى العراق ان العدوين الهامين (اي سوريا والعراق) ازيحا عن طريق الهيمنة التوسعية للكيان الصهيوني، حيث كان لاسرائيل مخاوف حيال ان العلاقات بين طهران ودمشق وبغداد من الممكن ان تتحول الى امتداد سياسي امني من طهران حتى دمشق لذلك كانت تشعر تل ابيب بتهديد من الناحية الشرقية لها.

الازمة التي ظهرت في البداية من قبل داعش في سوريا ومن ثم انتقلت الى العراق تصاعدت من قبل المجموعات الارهابية الاخرى امثال النصرة، واستمرت هذه الوتيرة حتى عام 2014 وتوصل الكيان الصهيوني الى ان الامر انتهى في سوريا.

في عام 2014 وبالدقة في ذروة تقدم داعش في سوريا ابتلى العراق بأزمة الارهاب، لم يكن الكيان الصهيوني يظن ان هذين البلدين ان يعودا خلال مدة قصيرة الى وضعهما العادي لذلك كانت ترى تل ابيب حدودها الشرقية حتى حدود ايران الغربية "آمنة" وكان مُنظري هذا الكيان يعتبرون هذه المرحلة "مرحلة ذهبية" من اجل اعادة قوة اسرائيل.

ولكن الان في منتصف عام 2017 خرج الوضع العراقي من الازمة وحوصرت قوات داعش في سوريا في الوقت الذي خسرت فيه اتصالها الخارجي، في كل الاماكن من قبل قوات الجيش السوري وجبهة المقاومة، بينما تحول العراق وسوريا من بلدين متخاصمين الى بلدين صديقين.

كان بالامكان منذ عام تقريبا توقع الوضع الراهن، حيث حاول مسؤولو الكيان الصهيوني كثيرا لمنع تشكل الوضع الراهن الذي تعتبره اليوم خطرا استراتيجيا، وحاول رئيس وزراء الكيان المحتل منذ ستة شهور خلال زيارته الى روسيا ابلاغ المسؤولين الروس عن مخاطر هكذا اوضاع، واشار الى تواجد اكثر من مليون يهودي توجهوا خلال العقود الاخيرة الى الاراضي المحتلة قامين من روسيا محاولاً رسم صورة مخيفة لمستقبل اليهود.

ووعدت روسيا رئيس حكومة الكيان الصهيوني ان تساعد تل ابيب لإزالة مخاوف اسرائيل الامنية ومنع تشكيل تهديد امني جديد على الكيان الصهيوني، بالتأكيد ان الروس كانوا يدركون ان هذا التهديد سيتشكل ولن يكون بإمكانها ايقافه، لذلك تعاونت روسيا مع حدث اتصال العراق وسوريا ولكنها لم تقوم بسياسة مستقلة تزعزع اصطفاف جبهة المقاومة.

3-وقامت أمريكا من خلالها فهمها للاوضاع الجديدة في العراق وسوريا، بمشروع على الحدود بين هذين البلدين مشروع خطط له خبراء الكيان الصهيوني، وكان المشروع هو ايجاد منطقة آمنة على طول الحدود المشتركة بين العراق وسوريا بعمق قرابة 80 كلم بشكل لايسمح لقوى جبهة المقاومة في العراق وسوريا الدخول الى هذه المنطقة ولايسمح ايضا لطائرات جبهة المقاومة العسكرية والمدنية العبور فوق هذه المنطقة.

وتم العمل في هذا المشروع على قطع الاتصال بين الجهات الشرقية والغربية للمقاومة وشارك الامريكان بشكل نشيط في هذه الخطة، حدد هؤلاء بالبداية قرابة 100 كلم حدودا مشتركة بين سوريا والعراق بعمق قرابة 60 كلم كمنطقة غير نشطة وابلغوا سوريا وايران عبر روسيا ان هذه المنطقة تحت سيطرة أمريكا لذلك لايسمح لأحد بالدخول لها.

وبالمقابل كانت الخطة واضحة تماما، فلو رضخت جبهة المقاومة لهكذا امر لكانت حدثت عدة مشاكل كبيرة للمقاومة وللعراق، وكان اولها قطع الدعم عن سوريا اي عندما تغلق الارض لن يسمح للطيران بالعبور من الاجواء وبالنظر الى تواجد السفن الحربية الامريكية في البحر المتوسط لكان الاتصال البحري انقطع ايضا وكانت امريكا تمكنت من اسقاط الحكومة السورية.

وثانيها كان ذلك الامر مهد الارضية لنمو المجموعات الارهابية التكفيرية في الوقت الذي تزول فيه داعش، وثالثها هو استغلال تركيا والسعودية لهذه الفرصة لاستئناف سياساتهما الفاشلة في سوريا وفي النهاية الذي كان سييحدث في هذه العملية كان سيخلق وضعا امنيا مناسبة للكيان الصهيوني.

4-لكن جبهة المقاومة بقيادة اللواء قاسم سليماني شمرت عن سواعدها من خلال فهم الوضع الحساس من اجل افشال سياسات امريكا الشيطانية، كما ان سبب جبهة المقاومة في افشال مشروع أمريكا التدخلي لامجال للطعن فيه.

لايحق لأمريكا ان تغلق قطعة من أرض شعب ما في وجه هذا الشعب وتجعل لنفسها منطقة مغلقة في اراضي الاخرين لذلك تم ابلاغ الرسالة للقادة الامركيان عبر روسيا ان القوات السورية لديها الحق في التقدم الى حدودها مع العراق ولايوجد مبرر ان تغمض عينها عن هذه الخطوة لاسميا عندما تعتبرها ضرورية.

يبدأ الامريكان كعادتهم بلغة التهديد ومن أجل ان يصدق الطرف المقابل جدية التهديد شنت غارة على وحدات من الجيش السوري لكن جبهة المقاومة لم تعر اهتمامها لتلك الغارة وثبتت مواقعها، وفي الجهة المقابلة تحركت القوات العراقية بأمر من حيدر العبادي بإتجاه الحدود الغربية للعراق وسيطرت على مساحة كبيرة من الحدود ولم تهتم بالتهديدات الامريكية من اجل التراجع وهكذا تم التقاء القوات السورية والعراقية.

وفي هذا المشهد تقبل الامريكيون خسارتهم الامنية واثبتوا انهم لايمكنهم قبول المجازفة بمواجهة جدية مع جبهة المقاومة وتفاديها قدر المستطاع.

5-ماحدث اليوم على الحدود العراقية والسورية كان له أهمية استراتجية كبيرة جدا، وبعض المحللين العسكريين الذين كانوا يصفون تحرير حلب من قبل المقاومة "حدثا مهما للغاية واستراتيجيا" وكان وصفهم صحيحا، يعتبرون اليوم افشال مشروع أمريكا العسكري في الحدود الشرقية السورية "حدثا أهم من تحرير حلب"، وفي الحقيقة شكل مشهد تغلب جبهة المقاومة على الارهاب المدعوم من قبل الغرب "خطرا جديا على الكيان الصهيوني".

*محلل سياسي إيراني

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة تسنيم

/انتهى/

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار