بقلم الخبير في شؤون غرب آسيا "سعدالله زارعي"

القنيطرة... أزمة "اسرائيل" الأمنية

رمز الخبر: 1462774 الفئة: حوارات و المقالات
سعدالله زارعی

خلّف الاتفاق الروسي الامريكي حول اطلاق "وقف محدود للنار " في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الارهابية في جنوب غرب سوريا، قضايا ومواضيع عدة للنقاش والبحث.

وقد وصفت وسائل الاعلام الامريكية، قبل جميع وسائل الاعلام الاخرى، الاتفاق الامريكي الروسي بأنه تطور نوعي مهم في الازمة الامنية السورية، هذا في الوقت الذي أشارت فيه وسائل الاعلام الروسية الى تصريحات فلاديمير بوتين اللاذعة لوزير الخارجية الامريكي عقب اجتماع مجموعة العشرين في ألمانيا حول انقطاع الثقة بين الجانبين الروسي والامريكي، ماهي الحقيقة؟ هل وقع حقا حدث مهم على الصعيد الامني والعسكري السوري؟ ستساعد النقاط التالية في الاجابة على هذه التساؤلات.

1-اطلاق مناطق "اقل اشتباكا" أو "وقف محدود لاطلاق النار" هي في الاساس رؤية وفكرة روسية تشكلت لدعم وتيرة المفاوضات السياسية والتقليل من حدة نيران المعارك بين الحكومة السورية ومعارضيها.

قبل هذا، كان الروس قد اعلنوا اننا سنشهد في مناطق الاشتباك الاربعة التي تشمل مناطق في محافظات دمشق وريف دمشق وحمص وحماه، خفضاً للاشتباكات ويمكن للمواطنين الذي خرجوا من منازلهم خلال السنوات الاخيرة، العودة اليها، وتلك الفصائل من المجموعات المسلحة التي تنضم الى هذا المشروع يمكنها ان تتمتع بمزايا كاملة والمشاركة بعملية مباحثات السلام في أستانة.

وبما أن هذا الموضوع كان يهدف الى تخفيف الضغوط على الحكومة السورية والجيش السوري، دعمته دمشق وطهران، رغم الشكوك التي كانت تبديها ايران وسوريا حيال نجاح هذا المشروع، وكان الحفاظ على الاتفاق المشترك بين ايران وروسيا وسوريا مهما جدا لدرجة انه كان يتابع حتى ولو رافقه الكثير من المخاطر، لكن الحقيقة ان ايران وسوريا لاتختلفان مع روسيا حول مشروع ايجاد مناطق خفض توتر وكانتا تنظران الى مصالحهما اكثر منها الى المخاطر.

2- يرى الامريكان في تفسيرهم للاوضاع الامنية السورية ان الاتفاق الامني بين طهران وموسكو الذي حدث خلال زيارة اللواء سليماني الى موسكو، تغيير استراتيجي في الوضع الامني السوري لأن تواجد روسيا الى جانب ايران يؤدي الى افشال الكثير من التحركات الدولية التي تثيرها امريكا بغية اضعاف الحكومة السورية، ومن جهة اخرى ان العمليات العسكرية الروسية في سوريا قللت من التكاليف العسكرية السورية والايرانية وعززت من تحركهما العسكري.

وعلى هذا، سعت الحكومة الامريكية جاهدة عقب التوقيع على الاتفاق بين سليماني وبوتين صرف روسيا عن مواصلة العمليات مع ايران وسوريا، لذلك ان الامريكان اتبعوا ازدواجية في التعامل مع جانبي الاتفاق الذي تم في اكتوبر 2015 في موسكو، حيث قاموا بإعمال مزيد من الضغوط على ايران من جهة وزعموا ان ايران تتعاون مع الاسد بغية قتل الشعب السوري ومن جهة اخرى استهدف الامريكان ومعهم الكيان الصهيوني مواقع الجيش السوري مرات عدة، هذا في الوقت الذي كان التصرف الامريكي في علاقته مع الجانب الروسي قائم على اظهار الثقة بروسيا.

تظاهرت امريكا من خلال ارسال سفيرها في كازاخستان الى مؤتمر أستانة انها تثق بروسيا كما انها سعت لتقديم مباحثات جنيف حول سوريا على انها مواصلة لمباحثات أستانة وتظاهرت انها لامشكل لديها في اجراء مباحثات بين الحكومة السورية والمعارضة.

وخلال الايام الاخيرة على الرغم من ان بوتين الغى بشكل احادي العمل بالاتفاق الجوي بين امريكا وروسيا الذي وقع في عهد اوباما، لكن وزير الخارجية الامريكي ريكس تيلرسون اعلن ان سياسات روسيا في سوريا افضل من السياسات الامريكية ولذلك ان امريكا ترغب في ان تدير موسكو الملف الامني والسياسي السوري، وبالتأكيد لم ينظر الى هذا الكلام بعين الاعتبار واعلن بوتين مخاطبا تيلرسون "ليس هو مواطن سوري ليتدخل في شؤون بلد مستقل".

اذن، في المرحلة الراهنة ان احد اهداف الامريكان الرئيسية هو فصل روسيا عن ايران لكنها لاتعتبر سياسة مبدئية وبمجرد ان تختار روسيا طريقا منفصلا في سوريا فإن الامريكان سيتبعون سياساتهم الخاصة في سوريا، ان الروس اثبتوا الى حد الان انهم يعرفون السياسات الامريكية جيدا ويؤكدون على مواصلة التعاون مع ايران.

الاوضاع الميدانية السورية لاسيما تلك التي تتعلق بروسيا تسير كالمعتاد بتفوق للحكومة السورية ومحور المقاومة، ان ايران وروسيا تدركان جيدا انهما بحاجة للتعاون الاستراتيجي طويل الامد من اجل تسوية قضايا المنطقة والحيلولة دون تدخل الغرب الذي يتنافى مع رؤية كلا البلدين.

3- منطقة جنوب غرب سوريا تضم محافظتين صغيرتين من حيث المساحة وعدد السكان هما القنيطرة ودرعا، ان ثلاثة ارباع القنيطرة محتل من قبل الكيان الصهيوني منذ عام 1967 اي بعد ثالث اكبر حرب عربية اسرائيلية، وتضم هذه المنطقة المحتلة مرتفعات الجولان وجبل الشيخ، كما ان نصف مساحة القنيطرة التي كانت تخضع لسيطرة الحكومة السورية احتلتها المجموعات الارهابية كالنصرة عقب الازمة السورية.

والحالة في درعا شبيهة للقنيطرة اي تسيطر جبهة النصرة على نصف هذه المحافظة والنصف الاخر تحت سيطرة الحكومة السورية، حيث كان ينظر الكيان الصهيوني خلال السنوات الاخيرة الى هذه المجموعات كدرع امني في وجه نفوذ حزب الله وباقي المجموعات الجهادية في مرتفعات الجولان وتولى الكيان تدريجيا ادراة الامن في هذه المناطق.

ولم يرى الكيان الصهيوني من مصلحته ان تتوسع الحرب الى الجنوب وبالقرب من حدود فلسطين الشمالية، لذلك توجه الى الحفاظ على الارهابيين الذين يتراوح عددهم بين 5 الى 8 الاف ارهابي تقريبا، ومن جهة اخرى كانت الحكومة السورية لاتشعر بالخطر حيال ذلك وكانت ترى الاولوية في تحرير المناطق الغربية على طول الحدود السورية مع لبنان وتحرير حلب والمنطقة مابين حلب وحمص، وكانت مطمئنة حيال الوضع في الجنوب الغربي.

وبعد ان واجهت الفشل سياسة ايجاد شريط أمني امريكي على طول الحدود الشرقية مع سوريا، تبدو ان ارضية تنفيذ المشروع المذكور تبددت، حيث اعلن الروس والامريكان عن ايجاد مناطق خفض للتوتر في محافظتي القنيطرة ودرعا.

لم يكن مستغربا موافقة الروس على هذا المشروع والجميع يعلم ان الروس لايريدون الغاء العلاقات مع تل ابيب، فهم مازالوا حساسون حيال امن قرابة مليون يهودي روسي الاصل كان قد توجه الى الاراضي الفلسطينية المحتلة خلال العقود الماضية كما ان قسم كبير منهم يشغل مناصب في حكومة الكيان الصهيوني، لكن الروس لايتمتعون بالمناورة كثيرا ليتمكنوا اطلاق وعود كبيرة ليحققوها.

اعلان عن منطقة خفض توتر في الجنوب الغربي لن يغير الاوضاع في هذه المنطقة ولايعتبر عائقا امام عمليات الجيش السوري القادمة في المنطقة التي تتعتبرها الامم المتحدة جزءا لايتجزأ من الاراضي السورية، فإذا كانت اسرائيل قلقة حيال نفوذ المقاومة في هذه المنطقة فإن المقاومة ليست تابعة للاتفاقات الدولية لتحل عبرها مشكلة اسرائيل.

4-  الحقيقة هي اننا لانرى الاتفاق "اساسيا" ولانعتبر تأييده "صحيحا"، في الحقيقة يمكن القول ان الامريكان عبر هذا المشروع قبلوا فشل مشروعهم الامني على طول الحدود الشرقية السورية.

حيث كانت امريكا تعتزم ايجاد شريط امني بطول اكثر من 500 كيلومتر وعمق قرابة 80 كيلومتر على طول الحدود الشرقية لسوريا من الاردن حتى تركيا ويمكنها عبر ذلك فصل محور المقاومة والحيلولة دون ان يكون لايران والعراق دور امني في الدول العربية، والان ان هؤلاء يتطلعون الى مشروع لم يوقع عليه سوى روسيا.

/انتهى/

    اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
    أحدث الأخبار