المقترحات الكفيلة بتطبيع العلاقات بين طهران والقاهرة

طهران / تسنيم // البلدان (ايران ومصر) تمتلكان المؤهلات اللازمة للتعاون حول مختلف الملفات الإقليمية ولا سيما القضية الفلسطينية والعمل على إزالة أسلحة الدمار الشامل من منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها الأسلحة النووية.

المقترحات الکفیلة بتطبیع العلاقات بین طهران والقاهرة

بغض النظر عن العوامل التي أدت إلى حدوث مشاحنات سياسية بين إيران ومصر طوال السنوات التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية في ايران، وحتى مطلع الألفية الثالثة، أي خلال الفترة من 1979م إلى 2002م، والتي طغت على العلاقات الثنائية في مختلف المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، فالبلدان يمتلكان المؤهلات اللازمة للتعاون حول مختلف الملفات الإقليمية ولا سيما القضية الفلسطينية والعمل على إزالة أسلحة الدمار الشامل من منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها الأسلحة النووية ولديهما رؤى موحدة في هذا الخصوص، ناهيك عن أنّهما لاعبان فاعلان في الساحة الإسلامية ومن شأنهما أن يفيا بدور بارز في إقرار السلام الاقليمي.

لو تتبعنا الخلفيات التأريخية والثقافية لهذين البلدين العريقين ومن خلال نظرة عابرة ولا سيما منذ عصر الإسلام حتى اليوم، لوجدنا العديد من الاسباب والحقائق والمدمغة التي لديها الامكانية في ترسيخ قنوات الاتصال بشتى المستويات، وعلى الرغم من عدم تطابق وجهات النظر حول بعض الملفات الإقليمية إلا أن ايران ومصر يتبنيان آراء متناغمة فيما يخصّ الكثير من الملفات الأخرى على المستويين الإقليمي والعالمي، والمثال على ذلك موقفهما ازاء القضية السورية، حيث يؤكد الجانبان ضرورة الحل السلمي للأحداث التي تعصف بالساحة السورية بعيداً عن الأجندات الخارجية.

إذن، لا شكّ من وجود أفق رحب للتعاون المشترك بين هذين البلدين الكبيرين في مختلف المجالات، وهذا أمر لا ينكره أحد البتة، ومن المؤكد أنّه في غاية الأهمية للبلدين وللعالم الإسلامي بأسره؛ إذ تتمخض عنه نتائج مصيرية، ونكرر ونقول إنّ ذروة هذا التعاون يمكن أن تتجلى في قضية فلسطين المحتلة وبالأخص ملف القدس الشريف، فهذه القضية الهامة بحاجة ماسة إلى تعاون بين إيران ومصر وسائر البلدان الإسلامية كي يوضع حلّ مناسب لها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بعض الأطراف وعدد من بلدان المنطقة لا ترغب في توطيد هذه العلاقات وتحقيق تقارب بين طهران والقاهرة بما يتناسب مع تأريخهما الحافل بالإنجازات وحضارتيهما العريقتين، والكيان الصهيوني على رأس هذه الجهات المعارضة، حيث لا يتورع الصهاينة من وضع مختلف العقبات للحيلولة دون تطوير العلاقات بين الجانبين، وهذا أمر طبيعي لأنّ تل أبيب هي المستفيد الأول من زعزعة الأوضاع بين طهران والقاهرة.

وكذا هو الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فساسة البيت الأبيض يبذلون جلّ جهودهم لعرقلة جميع المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين طهران والقاهرة، إذ تقدم سنوياً مساعدات مالية لمصر مقدارها مليار ونصف المليار دولار والقسم الأعظم من هذه الأموال يخصص للقوات المسلحة.

والسعودية هي الأخرى التي تدرج على قائمة البلدان المعارضة لتوثيق العلاقات الإيرانية - المصرية، حيث يسعى ساستها إلى وضع عقبات لمنع تقارب الطرفين، لذا كلما لاحت في الأفق علائم إيجابية على النهوض بالعلاقات الثنائية، سرعان ما تبادر حكومة الرياض إلى تعكير الأجواء بشتى السبل ولا سيما أنّها تقدم وعود اقتصادية مغرية للحكومة المصرية كي تفرض عليها رغباتها وتردعها عن توطيد علاقتها بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وعلى الرغم من وجود اختلاف أساسي في وجهات النظر بين البلدين حول اتفاقية "كامب ديفيد"، لكن القضايا السياسية التي هي دائماً ما تكون عرضة للتغيير والتحول لا ينبغي لها أن تكون عائقاً يحول دون إحياء العلاقات الودية والتعاون لوضع حلول مناسبة في مختلف الأزمات التي تعصف بالعالم الإسلامي، ومن الطبيعي أنّ كل أزمة يمكن تحلّ عن طريق المحادثات والوساطات السياسية، ناهيك عن أنّه ليس من الجدير بنا تسليط الضوء على الخلافات بين طهران والقاهرة وتجاهل سائر نقاط الاشتراك والتقارب، كما أنّ قطع العلاقات يعد حائلاً آخر أمام إعادة المياه إلى مجاريها وسبباً في عدم وضع حلول مناسبة للمشاكل العالقة بين الجانبين، لذا لا محيص من اللجوء إلى الحوار وتبادل وجهات النظر بشكل مباشر عبر إقامة لقاءات بين مسؤولي البلدين بهدف وضع حلول لجميع الملفات العالقة.

بطبيعة الحال لا يوجد بلدان في العالم متفقان تماما بما يشمل جميع الملفات الإقليمية والعالمية، لذا نجد كلّ بلد يحاول التقليل من الخلافات مع نظيره والوصول إلى الدرجة الدنيا فيها بالاضافة الى السعي لوضع حلول مناسبة ترضي الطرفين على صعيد المشاكل العالقة والقضايا غير المتفق عليها؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ إيران ومصر كانت لديهما مساعي إيجابية خلال العقد الماضي وتعاون ملحوظ بالنسبة إلى بعض القضايا الدولية، ومن أهمها ما يلي:-
- وحدة الرؤى بين البلدين حول قضية البوسنة ومساعدة مسلمي هذا البلد.
- تقارب وجهات النظر حول اتفاقية NPT "اتفاقية حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل".
- المساعي المشتركة بشأن حقوق الإنسان تمخّض عنها تغيير موقف مصر بالنسبة إلى واقع حقوق الإنسان في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث تغير تصويتها من مؤيد لنقض حقوق الإنسان في إيران إلى ممتنع.
- التعاون المشترك تحت مظلّة منظمة التعاون الإسلامي، ومشاركة وزير الخارجية المصري آنذاك عمرو موسى في الاجتماع الذي عقدته هذه المنظمة في طهران مما ترتب عليه اتخاذ مواقف متقاربة حول مختلف الملفات ذات الاهتمام المشترك والتي أنيطت إلى مختلف الللجان المنبثقة عن ذلك الاجتماع.
إضافة إلى ما ذكر، لدى الجانبين الكثير من المواقف المشتركة فيما يخص القضايا والأزمات الإقليمية، ونشير إلى جانب منها فيما يلي:-
- الدعوة إلى منع الكيان الصهيوني من توسيع نطاق أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها.
- الدفاع عن مبدأ وحدة الأراضي السورية والعراقية ورفض تقسيمهما.
- تأييد مشروع شرق أوسط عار من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.
وأمّا على صعيد التعاون المشترك بين البلدين في مختلف القضايا ذات الطابع الثنائي، فهناك العديد من المسائل حيث نكتفي هنا بذكر جانب منها:
- التعاون الاقتصادي: العلاقات الاقتصادية بين طهران والقاهرة شهدت تنامياً ملحوظاً بعض افتتاح مكتبي القائم في الأعمال في كلا البلدين.
-التعاون الثقافي: العلاقات الثقافية هي الأخرى انتعشت بين البلدين في السنوات الماضية بفضل بعض الإجراءات التي اتخذت من قبل مسؤولي البلدين، ولا سيما بعد التوقيع على اتفاقية تعاون علمي بين الجامعات المصرية والإيرانية، وكذلك إثر الزيارات المتوالية والمعتددة لشخصيات علمية وأدبية وثقافية إيرانية للاجتماع بأبرز شخصيات المجتمع المصري ولا سيما شيخ الأزهر الشريف، ولقاء بعض الشخصيات العلمية والإعلامية المرموقة مع مسؤولين إيرانيين، هذا إلى جانب عرض بعض الأفلام السينمائية الإيرانية في مصر وإقامة بعض اللقاءات الرياضية.

استناداً إلى ما ذكر، يمكن اقتراح بعض الحلول المناسبة لتطبيع العلاقات بين طهران والقاهرة والنهوض بها إلى أرقى المستويات في الوقت الحاضر، وهي كما يلي:
1 ) تسخير وسائل الإعلام لإيجاد أجواء إعلامية ودّية ومناسبة لأجل تلطيف الأجواء بين الجانبين وتمهيد الأرضية للرقي بالعلاقات الثنائية.
2 ) الارتقاء بمستوى التعاون العلمي والفكري بين مختلف المراكز العلمية والفقهية في البلدين.
3 ) إجراء لقاءات مباشرة ومتواصلة بين الجانبين على ضوء التأكيد على نقاط الاشتراك لأجل إزالة الغموض في العلاقات ووضع حلول للمشاكل العالقة بين الجانبين.
4 ) إقامة اجتماعات اقتصادية بين ممثلين من طهران والقاهرة، إلى جانب التعاون بين القطاعين الخاصين في البلدين للنهوض بواقع المشاريع الاستثمارية ورفع مستوى التبادل التجاري.
5 ) إقامة لقاءات بين مسؤولين رفيعي المستوى في البلدين، وكذلك وضع برنامج لإجراء اجتماعات بين ممثلي البرلمانين المصري والإيراني بغية ترسيخ جذور الثقة.
6 ) إصدار القرارات والأحكام القانونية المناسبة لإزالة جميع العقبات التي تحول دون تطوير العلاقات المشتركة على المستوى التجاري، وبما في ذلك تسهيل المراودات التجارية وإيجاد بيئة مناسبة لتجار البلدين كي يتبادلوا الزيارات، إلى جانب العمل الدؤوب على إنعاش الحركة السياحية وكذلك الاستفادة من القابليات التي يمتلكها الشعبين المصري والإيراني على صعيد قرّاء القرآن الكريم لأجل الرقي بمستوى العلاقات، أي اتباع دبلوماسية قرآنية.
7 ) العمل على إيجاد ارتباط بين جامعات البلدين عن طريق تبادل الطلاب والأساتذة والباحثين والنخبة الجامعية، وهذا النشاط العلمي الثقافي بطبيعة الحال سيتيح للجانبين التعرف على الطاقات لدى كل من البلدين ايران ومصر ويسهل تبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا وإجراء دراسات وبحوث علمية موسعة في شتى المجالات لكي يتسنى للجانبين استكشاف ما لديهما وامتلاك معلومات مفيدة عن بعضهما البعض، وبالتالي سيفتح الباب على مصراعيه امام النخبة كي يتم تبادل وجهات النظر بأمثل شكل.

ولا شكّ في أنّ اللقاءات المتواصلة بين النخبة الإيرانية والمصرية من شأنها إزالة الكثير من الغموض حول العلاقات بين البلدين واستئصال الخلافات السطحية بين الجانبين وإثبات أنّ "تعكير الأجواء سببه أمور بسيطة وتصورات خاطئة"؛ وهذه السياسة بطبيعة الحال سوف تتمخض عن إيجاد حلول مناسبة لجميع الملفات العالقة في إطار تفاهمي ودّي مرتكز على الثقة المتبادلة، وبالتالي سيتمكن الجانبان من إزالة كل العقبات وإقامة علاقات جديرة بهما.

8 ) إقامة مؤتمرات علمية في شتى المجالات، وهذا الأمر بكلّ تأكيد يعتبر واحداً من السبل الكفيلة بإيجاد ثقة متبادلة بين الجانبين، حيث تتيح هذه المؤتمرات أجواء مناسبة لتبادل وجهات النظر وتلاقح الآراء، كما أنّها وازع لأن يطلع كلّ طرف على توجهات الطرف المقابل وبالتالي مناقشتها في إطار حوارات علمية ومهنية.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ إقامة مؤتمرات كهذه غير مشروط بجهة رسمية أو غير رسمية محدّدة، إذ يمكن لرئاسات الجامعات أو المكاتب والمراكز العلمية والثقافية في البلدين من التعاون على هذا الصعيد.

9 ) جمعية الصداقة المصرية الإيرانية: هذه الجمعية تزاول نشاطات ثقافية وعلمية، وأحد أهدافها هو ترجمة الكتب العربية والفارسية إلى كلا اللغتين، وهذه النشاطات بكلّ تأكيدٍ تثمر عن إيجاد أواصر تعاون بين الشعبين المصري والإيراني والتعرف على ثقافات بعضهما البعض. ومن المؤكّد أنّ تأسيس مراكز وجمعيات كهذه من شأنه تحسين واقع العلاقات الثنائية وتوسيع نطاقها.

وفي ضوء ما استعرضناه يظهر أنّ استئناف العلاقات بين طهران والقاهرة يتطلب اتخاذ قرارات شجاعة ومصيرية من قبل الجانبين، ولا سيما من الجانب المصري، بعيداً عن تدخل أي طرف آخر، إذ لدى كلّ من طهران والقاهرة قابليات كبيرة وخلفيات مناسبة للتعاون المشترك في شتى المجالات، وتحقيق هذا الامر رهن بتجنب طرح القضايا الخلافية إلى جانب تجاوز العقبات الماضية؛ كما ينبغي للإخوة المصريين اتخاد قرارات حاسمة للرقي بواقع العلاقات الثنائية ولا سيّما أنّ شعبي البلدين لديهما رغبة كبيرة في تطوير هذه العلاقات، وهي مجسدة  بشكل كبير لدى الشرائح الاجتماعية المثقفة والاكاديميين في مصر.

اعداد : حسن رستمي

المصادر :

1 - مقالة مدونة باللغة الفارسية تحت عنوان " مجالات تعزيز العلاقات الثقافية بين إيران ومصر " بقلم الكاتب أصغر جعفر ولداني، مجلة "علوم سياسي" التي تصدر من قبل مركز الدراسات الأفريقية، المنتصف الثاني من عام 2003م، العدد 8، الصفحات: 11 إلى 40.

2 - مقالة مدونة باللغة الفارسية تحت عنوان " العلاقات التاريخية-الثقافية الإيرانية المصرية " بقلم الكاتب سيد هادي خسرو شاهي، مجلة "علوم سياسي" التي تصدر من قبل مركز الدراسات الأفريقية، المنتصف الثاني من عام 1999م، العدد 2، الصفحات: 125 إلى 150.

/ انتهى/

أخبار ذات صلة
الأكثر قراءة الأخبار حوارات و المقالات
أهم الأخبار حوارات و المقالات
عناوين مختارة