الحشد الشعبي مؤسسة قانونية مدعومة من قبل الحكومة والمرجعية الدينية العليا في العراق

طهران / تسنيم // الحشد الشعبي في العراق يعتبر مؤسسة عسكرية رسمية لا يمكن حلّها أو دمجها في سائر المؤسسات العسكرية، والدعوات التي تطلقها المرجعية الدينية والمكونات السياسية الرامية إلى تجريد المجاميع المسلحة من السلاح يراد منها تلك المجاميع التي تعمل خارج إطار الدولة ولا تنضوي تحت مظلة مؤسسة الحشد الشعبي.

الحشد الشعبی

تقرير : علي حيدري

في أيار / مايو عام 2014  اعلن الشيخ عبد المهدي الكربلائي ممثل المرجع الديني الاعلى في العراق السيد علي السيستاني، أعلن في خطبة صلاة الجمعة من العتبة الحسينية عن مواقف سماحته حول الدفاع عن البلد والمقدسات مقابل إرهابيي داعش التكفيريين، ودعا كل من له القدرة على حمل السلاح للمساهمة في محاربة الإرهاب التفكيري دفاعاً عن الوطن والشعب والمقدسات عن طريق الانضمام تحت لواء القوى الأمنية في العراق.

في هذه الخطبة التأريخية أكد الشيخ عبد المهدي الكربلائي على أن السيد علي السيساتي دعا الشعب العراقي للدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات، حيث اعتبره واجباً كفائياً بحيث يسقط عن الآخرين حينما يتصدى له عدد كافٍ، مثلاً إذا كان العدد الكافي لدحر الإرهاب التكفيري عشرة آلاف مقاتل فتطوع رجال بهذا العدد، فذلك يعني سقوط التكليف عن سائر المواطنين حتى وإن تمكنوا من حمل السلاح.

بعد صدور هذه الفتوى التأريخية تطوع عشرات الآلاف من أبناء الشعب العراقي للدفاع عن بلدهم أمام تلك الهجمة الشرسة التي شنها تكفيريو داعش الذين يتخذون من الفكر الوهابي السعودي منطلقاً لهم، حيث انخرط في صفوف قوات الجيش والشرطة ومكافحة الإرهاب من توفّرت فيه شروط التعيين في هذه المؤسسات الأمنية الرسمية، في حين اجتمع الشبان والكهول في تيار مقاومة حمل عنوان " الحشد الشعبي ".

الحشد الشعبي المقدس أبهر العالم في طريقة تشكيله وهيكليته وأعضائه، فالكثير تطوعوا بمن فيهم طلاب وأساتذة الجامعات وأطباء وموظفون وكوادر حكومية متعددة إضافة إلى ذوي الأعمال الحرة الذين تركوا المهنة والأهل ولبوا نداء المرجعية الدينية العليا دفاعاً عن الأرض والعرض والمقدسات، وليست هناك إحصائية دقيقة حول عدد المتطوعين في صفوف الحشد الشعبي لكن يقدر عددهم بـ 150,000 متطوع من شتى الطوائف والقوميات والشرائح الاجتماعية.

بعد عامين من تأسيس الحشد الشعبي، أي في عام 2016م صادق مجلس النواب العراقي على قانون الحشد الشعبي، الذي ينصّ على أن قوات الحشد ستكون قوة رديفة إلى جانب القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

وجاء في المادة الأولى من هذا القانون ما يلي :-

اولا : تكون هيئة الحشد (الشعبي) المعاد تشكيلها بموجب الامر الديواني المرقم ( 91 ) في 24 / 2 / 2016 تشكيلا يتمتع بالشخصية المعنوية ويعد جزءا من القوات المسلحة العراقية , ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

ثانيا- يكون ما ورد من مواد بالامر الديواني ( 91 ) جزءا من هذا القانون وهي:

1 . يكون الحشد الشعبي تشكيلا عسكريا مستقلا وجزءا من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

2 .  يتألف التشكيل من قيادة وهيئة اركان وصنوف والوية مقاتلة.

3 .  يخضع هذا التشكيل للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي ماعدا شرط العمر والشهادة.

4 . يتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات.

5 . يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون الى هذا التشكيل عن كافة الاطر السياسية والحزبية والاجتماعية، ولايسمح بالعمل السياسي في صفوفه.

6 .  يتم تنظيم التشكيل العسكري من هيئة الحشد الشعبي بأركانه والويته ومنتسبيه ممن يلتزمون مما ورد آنفا من توصيف لهذا التشكيل وخلال مدة ( 3 ) (ثلاثة اشهر).

7 . تتولى الجهات ذات العلاقة تنفيذ احكامه.

وأكد القانون على أن منتسبي هيئة الحشد الشعبي يتمتعون بامتيازات سائر منتسبي القوى الأمنية في العراق، أي أن الشهداء والجرحى والمفقودين من أعضاء الحشد الشعبي لهم نفس امتيازات منتسبي وزارة الدفاع، مما يعني أنهم قوى عسكرية رسمية في هذا البلد وليسوا ميليشيات كما يزعم أعداء العراق ولا سيما الساسة المدافعين عن الفكر الطائفي.

تمكنت قوات الحشد الشعبي الشجاعة من تسطير أروع صور الشهامة والرجولة والإنسانية في جميع المعارك التي شاركت فيها، وفي نهاية وبعد تحرير مدينة الموصل من براثن وهابيي داعش، دخلت المعركة ضد الإرهاب في العراق مراحلها النهائية حينما بدأ أبطال الحشد الشعبي بمطاردة الدواعش في الصحراء الواقعة بين العراق وسوريا، وهزموهم شر هزيمة ولاحقوهم حتى الحدود السورية، ومن ثم أصبحت هذه الحدود نقطة التقاء بين فصائل الحشد الشعبي وقوات الجيش والشرطة الاتحادية ومكافحة الإرهاب في العراق من جهة، والجيش السوري وحلفائه من قوات المقاومة من جهة أخرى لتنتهي دولة الخرافة الوهابية الداعشية التي أحرقت الحرث والنسل ودمرت البنى التحتية في المناطق الشمالية من العراق ليتنفس الأهالي في محافظة نينوى وضواحيها الصعداء وينعموا بنور الحياة بعد ظلام جثم عليهم لأكثر من ثلاث سنوات عجاف.

في يوم السبت المصادف 9 كانون الأول / ديسمبر من الشهر الجاري أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي نهاية تنظيم داعش في العراق وأكد على أن القوات العسكرية العراقية تمكنت من تحرير آخر معاقل الدواعش على الحدود السورية؛ واصفا هذا الإنجاز بالنصر الكبير ، كما تضمن الإعلان هذا خبر تحرير محافظتي نينوى والأنبار بالكامل من دنس وهابيي داعش ليصبح الشريط الحدودي بين العراق وسوريا خالياً من الإرهاب على امتداده.

بعد أن لفظ الدواعش أنفاسهم الأخيرة في العراق، سادت في الأوساط السياسية العراقية نقاشات حول مستقبل مؤسسة الحشد الشعبي المقدس، وبعض المكونات المنضوية في هذه المؤسسة الرسمية مثل قوات بدر وعصائب أهل الحق والتيار الصدري أعلنت استعدادها للتخلي عن السلاح والانخراط في العملية السياسية، وطالبت سائر التيارات السياسية العسكرية بأن تسلم أسلحتها للقوى الأمنية.

ممثل آية الله السيد علي السيستاني في كربلاء سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي أعلن قبل يومين عن دعمه مرة أخرى لمؤسسة الحشد الشعبي المقدس مؤكداً على ضرورة بقائها ودعا إلى أن يكون تسليحها تحت إشراف الحكومة.

من جانبه، السيد ضرغام الحسيني ممثل تيار الحكمة الوطني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تطرق في هذا السياق إلى مستقبل الحشد الشعبي وأشار إلى المساعي التي تبذلها التيارات السياسية الشيعية وبما فيها تيار السيد عمار الحكيم بغية إضفاء صبغة قانونية على مؤسسة الحشد الشعبي؛ قائلا إن قانون الحشد الشعبي ينص على أن هيئة الحشد المقدس هي على غرار سائر القوى العسكرية في العراق كالجيش والشرطة الاتحادية وقوات مكافحة الإرهاب، وهي تخضع بشكل مباشر لإشراف رئيس الوزراء وهي مؤسسة قانونية بالكامل ولا يمكن القدح في شرعيتها.

وأضاف الحسيني قائلاً إن المصلحة الوطنية والظروف الأمنية تقتضي الإبقاء على تسليح قوات الحشد الشعبي، وكما هو مقرر فإن استخدام السلاح لا يتم إلا بأمر من رئيس الوزراء، وهذا الأمر يعد من الثوابت، أي أن أبطال الحشد الشعبي لا يبادرون إلى السلاح من تلقاء أنفسهم، وإنما يبادرون إلى هذه المهمة الوطنية الشريفة بأمر من جانب القيادة العامة للقوات المسلحة في العراق، وهذا ما أكدت عليه فتوى المرجعية الرشيدة بوضوح حينما صدرت لإعلان الجهاد الكفائي.

وأما بالنسبة إلى إمكانية دمج قوات الحشد الشعبي المقدس مع سائر القوى الأمنية في العراق، أكد الحسيني على أن هذه القوات عبارة عن مؤسسة مستقلة عن سائر المؤسسات العسكرية والأمنية في العراق، لذا لا يمكن حلها أو دمجها.

الباحث الاستراتيجي الخبير في الشأن العراقي مجيد جلالي، تحدث لمراسل وكالة تسنيم الدولية للأنباء في هذا الصدد وقال إن الحشد الشعبي تأسس استجابة لفتوى المرجع الديني في العراق آية الله العظمى السيد علي السيستاني بعد أن تمدد الدواعش في مساحات شاسعة من العراق، وأصبح فيما بعد مؤسسة قانونية رسمية في البلاد بعد أن صادق مجلس النواب على القانون الخاص به، وقد حارب الإرهاب بكل شجاعة وإخلاص للعراق وأهله من جميع قومياتهم وطوائفهم إلى جانب قوات الجيش والشرطة الاتحادية وقوات مكافحة الإرهاب؛ فهذه هي حقيقته ولولا ذلك فهو ليس سوى تيار شبه عسكري وميليشيا قد تتسبب بمشاكل قانونية وسياسية للعراق مستقبلاً.

وفي إشارته إلى معارضة بعض التيارات السياسية المصادقة على قانون الحشد الشعبي، قال مجيد جلالي إن عدداً من التيارات السياسية حاولت تضييق نطاق الحشد الشعبي ببعض المحافظات العراقية تحت إشراف عسكري رسمي، لكنها لم تنجح في مساعيها هذه، وتم تصويب قانونه الخاص في مجلس النواب باعتباره مؤسسة عسكري وطنية قانونية.

وأما بالنسبة إلى قرار بعض الفصائل في الحشد الشعبي بالتخلي عن السلاح والانضواء في العملية السياسية، قال هذا الخبير الاستراتيجي إن بعض التيارات مثل التيار الصدري أعلنت عن عزمها على تسليم السلاح للدولة والبقاء في مدينة سامراء فقط للدفاع عن حرم الإمامين العسكريين، حيث لم تجد ضرورة في تواجدها المسلح ضمن سائر نواحي العراق، وقد عارض هذه القرارات العديد من التيارات الأخرى باعتبار أن مؤسسة الحشد الشعبي المقدس تعد واحدة من المؤسسات العسكرية الرسمية في البلاد ولا داعي لحلّها، ناهيك عن أن الأوضاع الأمنية في العراق لا يمكن البت بأنها بلغت مرحلة الذروة ولم يعد هناك أي خطر إرهابي يهدد الشعب العراقي، فهناك احتمال بعودة الزمر الإرهابية إلى الساحة من جديد.

واضاف جلالي : الحشد الشعبي عبارة عن مؤسسة عسكرية تدرب أعضاؤها على استخدام مختلف الاسلحة وأصبحت لديهم خبرة عظيمة في مكافحة الإرهاب بعد عدة سنوات من معارك شرسة مع أعتى الزمر الإرهابية التكفيرية في العالم وأكثرها بطشاً، وإضافة إلى التجارب العسكرية الفذة فإن أبطال الحشد الشعبي لديهم الكفاءة في إقرار الأمن الداخلي في العراق باعتبارهم ذراع لقوات الشرطة.

ونوه جلالي على تلك العمليات العسكرية العظيمة التي قامت بها قوات الحشد الشعبي والانتصارات الباهرة التي حققتها، ولا سيما في جرف الصخر وسائر المناطق الواقعة شمالي بغداد وتكريت وبيجي وكركوك والرمادي والموصل، فلولا أبطال الحشد لما كان من اليسير بمكان تحرير هذه المناطق.

إذن، نستنتج من جملة ما ذكر أن نهاية تنظيم داعش الإرهابي في العراق شجعت بعض الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي إلى الولوج في الحياة السياسية والتخلي عن السلاح، فالكثير من أعضاء هذه المؤسسة المقدسة عادوا إلى أعمالهم ووظائفهم وحياتهم اليومية، فقد تركوا الأهل والعمل كل شيء استجابة للفتوى التأريخية التي أصدرتها المرجعية العليا في النجف الأشرف على لسان آية الله العظمى السيد علي السيستاني، كما أن عدداً من مقاتلي الحشد لديهم رغبة في البقاء ضمن المؤسسة العسكرية في العراق لخدمة وطنهم تحت مظلة قوات الجيش والشرطة الاتحادية وقوات مكافحة الإرهاب.

ولكن رغم كل ذلك فالحشد الشعبي المقدس عبارة عن مؤسسة قانونية ورسمية في العراق بحيث تواصل نشاطاتها في إطار حكومي قانوني لا شائبة فيها،وتلك الدعوات التي تطلقها المرجعية الدينية العليا والقوى السياسية في العراق لأجل تحويل السلاح إلى الدولة والانضواء ضمن القوى الأمنية والعسكرية، فيراد منها تلك المجاميع المسلحة التي لا تنتسب إلى قوى الحشد الشعبي وتعمل بشكل مستقل على هيئة مجاميع عسكرية وميليشيات مسلحة، لذا فهي غير قانونية ولا تمت بأدنى صلة إلى مؤسسة الحشد الشعبي المقدس، ولكن ما يدعو للاستغراب والتساؤل أن بعض الجهات المحلية في العراق والخارجية تبذل كل ما بوسعها لتوهم الرأي العام بأن هذه المجاميع الخارجة عن القانون محسوبة على مؤسسة الحشد الشعبي.

إذن، الحشد الشعبي عبارة عن مؤسسة رسمية وقانونية تأسست دفاعاً عن الأرض والعرض والمقدسات في العراق، كما أن الظروف الحالية لهذا البلد تقتضي بقاء هذه المؤسسة وعدم دمجها أو حلها لأن احتمال التهديد الأمني باق على حاله ولا يمكن البت بشكل يقيني بعدم وجود تهديد إرهابي مستقبلاً، لذا يجب وأن تبقى هذه المؤسسة في خدمة وطنها إلى جانب سائر القوى الأمنية المتمثلة بالجيش والشرطة الاتحادية وقوات مكافحة الإرهاب.

/ انتهى/

الأكثر قراءة الأخبار دولية
أهم الأخبار دولية
أهم الأخبار