الحرب التجارية الأمريكية ضد الصيّن والتحدّيات التي تواجهها قوانين التّجارة الدولية

طهران/ تسنيم// بدأت الولايات المتحدة الامريكية حرب تجاريّة جديدة على الصّين حيث فرضت واشنطن حرب رسوم على البضائع في مواجهة سياسة العُملات التي تنتهجها الصّين.

الحرب التجاریة الأمریکیة ضد الصیّن والتحدّیات التی تواجهها قوانین التّجارة الدولیة

وأفادت وكالة تسنيم الدّوليّة للأنباء أن أهم المشاكل الاقتصادية والسياسية الدّولية خلال العقود الماضية كانت الحرب التّجاريّة بين واشنطن وبكين. وتكمن الأزمة في هذه الحرب التّجارية نظرًا لحجم اقتصاد البلدين الذين يعدّان الأكبر في العالم؛ وهذا ما أرخى بظلاله على العلاقات التّجارية الدّوليّة. ولطالما اتّخذت الصّين وأمريكا سياسات وسطية بينهما للحد من التجاذبات التّجاريّة وإدارة الأزمات الطّارئة وذلك بسبب ارتباط اقتصاد البلدين ببعضهما البعض.

فعلى سبيل المثال؛ لطالما اتّهمت الولايات المتحدة الصّين بخفض قيمة عملتها الوطنية في مقابل الدّولار الأمريكي. فإضعاف اليوان الصّيني أمام الدّولار الأمريكي يستتبع إنتاجًا أرخص للبضائع الصّينية مقارنة مع بضائع الدّول الأخرى؛ الأمر الذي يرفع كثير من القدرة التّنافسية للبضائع والصّادرات الصّينية.

وفي هذا السّياق، فقد أوقفت الحكومة الصينية التّراجع التّدريجي لليوان الصيني في مقابل الدولار في العام 2005. لكن اليوان الصيني تراجع خلال العام 2016 بشكل مفاجئ أمام الدّولار الأمريكي؛ بكين أعلنت في ذلك الوقت أن الأخبار المتداولة حول أن الصّين تتعمّد إشعال حرب عُملات وتخفيض لقيمة اليوان الصّيني من اجل رفع حجم صادراتها هو أمر غير صحيح ، وأشارت إلى قيمة العملة الصينية ستعود إلى حالتها العاديّة في أقرب فرصة ممكنة. الولايات المتحدة الامريكية قامت بإصدار تحذير جدّي بأن إضعاف اليوان الصيني سيدفع الولايات المتحدة الى اتّخاذ إجراءات باعتبار الصين دولة محتكرة للعُملات، لكن تحذيرات مماثلة من قبل المسؤولين الصينيين لأمريكا وارتفاع قيمة اليوان الصّيني مجددا أبعد الولايات المتحدة عن اتّخاذ إجراءاتها.

مؤخرًا بدأت الولايات المتحدة الامريكية حرب تجاريّة جديدة على الصّين حيث فرضت واشنطن حرب رسوم على البضائع في مواجهة سياسة العُملات التي تنتهجها الصّين. ومنذ وصول دونالد ترامب الى رئاسة الإدارة الامريكية لم يدع مناسبة إلّا وانتقد فيها السياسة التّجاريّة الصّينية. وفي محاولة من الرئيس للوقوف أمام السياسات الاقتصادية الصّينية، عمد أولًا إلى زيادة الرسوم على الواردات الأوروبية من الألمنيوم والفولاذ ثم اتّجه مباشرة إلى اتّخاذ إجراءات مماثلة ضد الصّين. فقد زادت الولايات المتحدة رسوم واردات الألمنيوم والفولاذ الصّيني حتّى 25 بالمئة ثم أدرجت المئات من المنتوجات الصّينية على لائحة الزّيادة الكبيرة للرّسوم.

ووفقا لمكتب التّجارة الخارجية الأمريكية، فإن اللائحة شملت أكثر من 1300 منتج ومحصول من الواردات الصّينية بينها بضائع للصناعات الجوية، بضائع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومنتوجات الآلات الصّناعية؛ وتبلغ قيمة هذه الواردات الصينية حوالي 50 مليار دولار سنويًّا.

وقد ردّت الخارجيّة الصّينية بشكل قويّ على هذه الإجراءات الأمريكية، وقالت إن بكين تملك إمكانات جيّدة للرد على إجراءات الحماية الاقتصادية الامريكية وتحتفظ لنفسها بحق الرّد المُناسب.

المتحدّث باسم الخارجية الصّينية "كانغ شاونغ" قال إن الصّين لا تريد حربًا تجاريّة مع الولايات المتحدة لكنّها لا تخاف منها مطلقًا، وأضاف: "إذا أصرّ أحدٌ على الحرب معنا وأن يتدخل بشؤون البيت الصّيني فسوف نقف في وجهه ونواجهه حتّى النّهاية".

والسؤال الذي يطرح نفسه هُنا هو؛ ما الذي تريده الولايات المتّحدة من سياستها التّجاريّة الجديدة ضد الصّين؟ وكيف ستؤثّر هذه الأزمة على التّجارة الدّولية؟ وماذا تقول القوانين والأعراف التّجارية الدّوليّة بهذا الشأن؟

ترامب منذ وصوله إلى رئاسة الولايات المتّحدة، أوجد أجواء جديدة داخل الولايات المتحدة وفي علاقاتها الدّولية. وتعود أسباب هذه السياسة إلى شخصيّة ترامب المقامرة والمغامرة والتّجارية من جهة، وإلى عدم خبرته الدولية من جهة أُخرى. فترامب بذل جهود كبيرة لإظهار نفسه بصورة الشّخص غير المتّزن وغير المتوقّع لأن هذا الأمر سيصعّب الحسابات على منافسي الولايات المتّحدة في كافّة المجالات.

ترامب يسعى عبر سياسته التّجاريّة ضد الصّين إلى خلق مساحة أكبر من المصالح والرّبح للشركات الأمريكية وبالتّالي إيجاد فرص العمل في الولايات المتّحدة ليُحقق بذلك أحد وعوده الانتخابية التي أطلقها حول إيجاد فرص العمل تحت شعار "أمريكا أولًا". ففرض الرّسوم الكبيرة على البضائع الصّينية سيؤدي إلى زيادة سعرها النّهائي في الأسواق الأمريكية وبالتّالي خفض الطّلب عليها بين الأمريكيين وزيادة الطلب على البضائع الامريكية المُماثلة.

الهدف الثّاني لواشنطن من هذه الحرب التّجارية هو الوقوف في وجه النّمو الكبير الذي تشهده الصّين التي أصبحت بدورها غولًا اقتصاديًا ضخما وأكبر المُنافسين الاقتصاديين للولايات المتحدة. وتزداد أهمية هذا الامر عندما نعرف أن هذه التّنمية الاقتصادية للصين سيتبعها زيادة الانفاق العسكري وبالتّالي زيادة التهديدات العسكرية الصينية ضد مصالح الولايات المتّحدة وخصوصا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وبحر الصّين الجنوبي.

وكانت هذه المسألة المتمثّلة بالاستدارة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية من منطقة الشرق الاوسط نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ وعلى ما يبدو فإن ترامب يستمر حاليا بهذه السياسة من دون ضجيج.

الهدف الثّالث لترامب من جرّاء ممارسة الضّغوط الاقتصادية والتّجارية على بكين هي الحصول على تنازلات فيما خص ملفات اقليمية من ضمنها كوريا الشّمالية. فأزمة كوريا الشّماليّة تُعدّ من أكثر التّحديات لسياسة ترامب الخارجية في منطقة شرق آسيا، وترامب يُدرك جيّدًا أن الصين هي مفتاح الحل والفصل في أزمة كوريا الشّمالية أو في أقل تقدير هي تستطيع المُساعدة في خفض التوترات مع كوريا الشّماليّة.

وتُعدّ الصّين من أهم الشّركاء السياسيين والديبلوماسيين والاقتصاديين لبيونغ يانغ وتتمتع بنفوذ كبير في حكومة كوريا الشمالية بسبب علاقاتها والروابط الجيّدة بين البلدين؛ ولذا فإن أي خطوة فيما خص كوريا الشمالية بدون الأخذ بعين الاعتبار النفوذ الصّيني هي خطوة محكوم عليها بالفشل مُسبّقًا.

وكان زعيم كوريا الشّمالية قد أعرب عن رغبته بلقاء دونالد ترامب بعد أخذ مشورة الصّين؛ وعلى الرّغم ان أحدا لا يملك معلومات عن كواليس السياسات السّريّة التي تجمع بكين وواشنطن ومع تطوّر أيّ محادثات بنّاءة بين كوريا الشّمالية وواشنطن فإنّه من المتوقّع أن يُخفّض ترامب حربه التّجاريّة ضد الصّين. وكان منتظرا أن تُنفذ سياسة فرض الرّسوم على البضائع الصّينية بعد أيّام من دخوله اللائحة السّوداء الأمريكية، لكنّ واشنطن تُحاذر حتّى اليوم من تطبيق هذه السياسة ولكنّها تستخدمها كعنصر ضغط على الصّين من أجل استغلال نفذها والضّغط على كوريا الشّماليّة.

وبغض النظر عن الأهداف التي تسعى إليها أمريكا عبر هذه الحرب التّجاريّة التي تشنّها على الصّين، فإن هذه المسألة سوف تُرخي بظلالها على التّجارة الدّوليّة.

فمنذ بداية سياسة فرض الرّسوم على الواردات التي اتّبعها ترامب، فقد ارتفع منسوب القلق الدّولي من سياسات الحماية الأمريكية، ومن خلال اثارة القلق لدى المستثمرين بشان احتمال وقوع حرب تجارية ؛ فقد أدى إلى انهيار في الأسواق الماليّة العالمية و انخفاض مؤشرات أسهم  الدول الواقعة حول الصين وبعض الاسواق الغربية.

منظّمة التّجارة الدّولية حذّرت بدورها، ردًّا على حرب الرّسوم التي فرضها ترامب، بأن أي استمرار في التجاذبات بين الأسواق الأمريكية والصّينية قد يُهدد نسبة النّمو التي وضعتها المنظمة للتجارة الدّولية وحددتها عند نسبة 4.4 بالمئة لهذا العام.

المدير التنفيذي لمنظمة التجارة العالمية "روبيرتو آزودو" أكّد أن التّطوّر المهم الذي تشهده التّجارة العالمية قد يتعرّض للخطر في ظل اشتداد الحرب التّجاريّة بين قطبي الاقتصاد في العالم ويعني بذلك أمريكا والصّين.

ويرى بعض المحلّلون أن تأثير سياسات ترامب التّجارية لن تقتصر على الصّين، أنّما ستمتد لتطال أبعاد عالميّة أُخرى، ويقول خبراء أن التّجربة أثبتت ان سياسات الحماية الاقتصادية قد تؤدّي في نهاية الطاف إلى نزاع وحرب عسكرية.

ومن جهة أخرى فإن البدع الامريكية الجديدة على مستوى التّجارة العالمية كخروجها الأحادي الجانب من الاتفاقات الإقليمية والدّولية سوف تؤدّي إلى إضعاف القوانين والاعراف التّجارة العالمية. ومن المُلفت للانتباه أن الولايات المتحدة التي كانت سابقًا من المؤسسين لنظام جات (الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة) تقوم اليوم بنقض أُسس هذا النظام الذي قام بدوره على أنقاض اتفاقيّة بريتون وودز (نظام الصّرف الأجنبي).

وبالتّأكيد فإن هذه الإجراءات الامريكيّة ستؤدّي إلى إضعاف الثّقة بواشنطن من جهة العلاقات الثّنائية التي تجمعها مع دول العالم ومن جهة التزامها بالاتفاقيّات الدّوليّة.

/انتهى/

الأكثر قراءة الأخبار الدولي
أهم الأخبار الدولي
عناوين مختارة