باحث تونسي لتسنيم : قانون الميراث قد يحدث شقاقاً داخل الأسرة..و"السبسي" يريده لتخليد اسمه

أعلن الرئيس التونسي "الباجي قايد السبسي" في خطاب بمناسبة اليوم الوطني للمرأة الاثنين، عن مشروع قانون يحقق المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة لمن يرغب وهو ما أثار جدلاً واسعاً داخل البلاد ، كما أثارت هذه الخطوة العديد من التساؤلات حول امكانية تطبيق هذا القانون؟ وأي أهداف يرجوها السبسي من وراءه؟ وفي أي سياق توضع المظاهرات التي خرجت تنديدا بالإعلان ؟

باحث تونسی لتسنیم : قانون المیراث قد یحدث شقاقاً داخل الأسرة..و"السبسی" یریده لتخلید اسمه

 وكالة تسنيم الدولية للأنباء أجرت لقاء خاصاً مع الباحث  في شبكة باب المغاربة للدراسات الاستراتيجية "بلحسن اليحياوي"، وطرحت عليه هذه التساؤلات وغيرها .

برأيك هل سيصار إلى تشريع القانون الذي تقدم به السبسي؟ بخصوص مشروع قانون المساواة بالميراث بين الرجل والمرأة

هناك مسألة شديدة الأهمية يجب الالتفات اليها، وهي أن "الباجي السبسي" تأثر أيما تأثير بشخصية الرئيس الأسبق لتونس "الحبيب بورقيبة"، وهو الرئيس الذي قدم مجلة الاحوال الشخصية، وفي هذه المجلة وقع تجريم تعدد الزوجات في تونس، و"الباجي السبسي" اليوم يريد أن ينسج على منواله ويشرع أو يحدث قانون ما يجعله في مصاف الحبيب بورقيبة، واختار قضية المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، في محاولة منه لتخليد اسمه.

المشكلة الأساسية هي قبل أن نفكر في تقسيم الميراث أو الثروة يجب أن نستطع توفير هذه الثروة، وأعتقد أن مشكلة الشعب التونسي تكمن في صناعة الثروة وليس في تقسيمها، بالتالي فإن المراد من وراء كل هذا اللغط هو ابعاد الرأي العام عن القضايا الحقيقية والمصيرية التي من المفروض أنها تشغل بال حكومة حزب "الباجي السبسي" اليوم والتي تمر بمنعطفات خطيرة، والتي كان واضحاً عجزها التام في ايجاد حلول اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية للمشاكل التي تحدق بتونس.

هل هناك خلفيات لما تقدم به الرئيس التونسي من هذا المشروع وفي هذا التوقيت بالذات؟

إن إثارة هذا الموضوع في هذا الوقت وهذه الفترة الزمنية التي نشرف من خلالها على انتخابات تشريعية ورئاسية قادمة، هو ليس بالأمر الاعتباطي، وانما كان المراد منه إحداث بلبلة وتحويل الصراع المفروض والذي يجب أن يوجد اليوم في تونس بين مشاريع سياسية واقتصادية تبحث عن حلول للشعب التونسي، إلى مشاريع أعتقد أن فيها من الترف الفكري ومن الترف الذي ليس بإمكان الشعب التونسي أو حتى المثقفين التونسيين أن يعطوه بعضاً من وقتهم أو يعملون ويشغلون الناس عليه.

كيف سيكون رد فعل الشارع التونسي على هذا المشروع وهل نحن أمام سيناريو لخلق المشاكل؟

للأسف الشعب التونسي بشكل خاص والشعوب العربية عموماً، شديد التأثر بما يبثه الاعلام، لذلك وقبل حتى أن يخرج مشروع قانون الحريات الشخصية إلى العلن وقبل أن يطّلع عليه الناس خرجت العديد من الاشاعات والاخبار الكاذبة، وكثير من المبالغات، حول ما يحويه هذا القانون، وهو ما دفع الناس الى أن تقع في عملية مزايدة، وندخل ونعود الى مربع التخوين والتكفير، والدفاع عن الإسلام والدفاع عن الهوية، بالتالي كل الأخبار التي خرجت إلى العلن حول المشروع الذي قدمته لجنة الحقوق الشخصية، استعانت بأدوات تدافع بها عن نفسها وتثبت أن كل ما صدر في وسائل الاعلام هو كذب ومبالغة وأنها لم تتناول هذا الموضوع بالذات، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر قيل أن هذه اللجنة جرمت عملية "خيتان الأطفال" وهو في الحقيقة أمر لا أساس له من الصحة، والآن اللجنة وأعضائها يحاولون الدفاع عن أنفسهم ويصرفون الرأي العام عن القضايا الحقيقية .

هناك من يقول أن الرئيس "السبسي" قفز على حقائق واقعية وأن الخطاب كان بعيدا عن الموضوعية كيف ترى ذلك؟

"الباجي السبسي" في خطابه الأخير أعاد الجميع إلى المربع الأول وتحدث للجميع عن قانون يمكن للمواطن أن يأخذ به أو لا يأخذ به، وأن يختار بين أن يستجيب لقانون التوزيع العادل في الميراث أو أن يعتمد على الشريعة الاسلامية في التوريث، وهو أمر خطير فعلاً وممكن أن يحدث شقاقاً وصراعا داخل الأسرة الواحدة بقطع النظر في رغبة المورث باعتماد هذا القانون أو الشريعة الاسلامية، بالتالي فإن السبسي فسر الماء بالماء ، وفي حركة سياسية اعتدنا عليها رمى الكرة إلى ملعب "حركة النهضة" والاخوان المسلمين ليضعهم في مواجهة مع قواعدهم والشق المحافظ داخل حركة النهضة.

 كذلك فقد استغل "السبسي" كل ما حصل من لغط بين عموم المواطنين التونسيين لكي يحقق مكاسب لحزبه ومكاسب انتخابية قادمة في 2019، وهو ما كان واضح وجلي في المسيرات التي خرجت في تونس بين مسيرة يوم 11 التي تطالب باعتماد الشريعة الاسلامية في مسألة التوريث وبين المسيرة التي خرجت في يوم المرأة وتطالب باعتماد قانون المساواة التامة في الميراث وغيره.

"الباجي السبسي" ترك الباب مفتوحاً للفرد في ان يورث حسب القانون أو الشرع، فهل يسهل ذلك من مهمته وهل حسم خطابه الخلاف أم عقد المسألة؟

"السبسي" أشار في خطابه إلى مسألة شديدة الأهمية وقال هناك مكاسب مادية من وراء قانون الحريات الشخصية، زلة اللسان هذه تفصح عن أمر غاية بالأهمية وهي أن هناك من يدعم هذه اللجنة ومن يحاول الدفع بهذا القانون من لوبيات ومنظمات دولية تعتمد على مشروع الحريات الرأسمالية والليبرالية، وكما نعرف أن المنظومة الليبرالية هي الوحيدة التي تمكنت من بناء المجتمعات اعتماداً على الموجود القاعدي أي المادة والطاقة والمعلومة، كما حصل مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية إبان اكتشافها، والغاية من كل هذا هو خلق كتل بشرية دون روابط تاريخية أو عرقية أو دينية أو دونها كلها مجتمعة، ومن يدافع عن قانون الحريات الذي قدم في تونس عليه أن يتساءل كيف يمكن أن يقنع الاجيال القادمة بقيم الدفاع عن الوطن والأرض والعرض؟، لأننا نقاد اليوم الى صناعة مجموعة تكون مستهلكة تحكمها غريزة اشباع الرغبات الفيزيولوجية، وللأسف هذا القانون ينسف هذه القيم المجتمعة بغض النظر عن ما هو من الشريعة أو خارجها أو حتى قضايا المساواة وغير ذلك، ونحن نتحدث عن ما وراء هذا القانون الذي يراد اليوم أن يمرر من خلال عنوان مغري وبراق وهو الحريات الشخصية.

كيف ممكن فهم المظاهرات التي دعمتها "حركة النهضة" ضد المشروع؟

حركة النهضة لم تدعو إلى هذه المظاهرات بصفة مباشرة ، وأكيد أن هناك من قواعدها ومن المنتمين اليها من دعوا إلى هذه المظاهرات، لان ما يهم الحركة هو صورتها في المجتمع الدولي أكثر من صورتها في قواعدها الشعبية ، نجحت حركة النهضة في أن تُفهم كل القواعد الشعبية أن ما تقوم به من خضوع لإملاءات سياسية بعينها وان تحالفها مع العدو التقليدي لها "العلماني" بأنها مجرد تحركات وتكتيك الى حد التمكين لأن أي مواجهة مع هذه الأطراف ستجعل الحركة عرضة للسجن والتهجير وغير ذلك كما حدث في مصر، حيث أن صورة الإخوان هناك هي البعبع الذي أخرجته حركة النهضة لقواعدها الشعبية حتى لا يثوروا او ينقلبوا، بالتالي حتى المواقف الرسمية لحركة النهضة أو قادتها لم تكن معارضة لمجموعة الأفكار المطروحة في مشروع الحريات الشخصية والفردية، بل أكثر من ذلك هناك تصريحات مشينة لقيادات الحركة بما فيهم الغنوشي.

ألا يُخشى أن يتم استثمار هذه المظاهرات سياسياً لإثارة الفوضى؟

التوظيف السياسي لهذه المسألة هو أهم شيء في هذا الموضوع، قبل انتخابات سنة 2014 حدث وأن بثت قناة تلفزيونية في تونس فيلم " Perse polis" والذي جسد في أحد المشاهد الذات الإلهية، وعلى اثر بث هذا الفيلم خرجت مظاهرات ضخمة، إبان وجود الحركات السلفية أشهر حركة في تونس آنذاك، وكان هناك توظيف سياسي كبير لهذه المسألة وهو ما يتعمده "الباجي السبسي" خاصة برمي الكرة في ملعب حركة النهضة، يعني بتمرير هذا القانون من خلال إرجاع الكرة الى حركة النهضة والتي تمثل الأكثرية في البرلمان ، وينتظر منها أن تقع بين نار أتباعها وجمهورها ، وبين نيران المجتمع الدولي الذي ينتظر منها دلائل على مدنيتها وتقدمها وابتعادها عن الاسلام السياسي،, الأمر قد يكون خطير لأنه قد يخفي عمليات اغتيال قد تطال بعض الشخصيات المشاركة في إعداد مجلة الحقوق الفردية والشخصية، وقد تقع تحت هذا العنوان الأكبر عمليات ارهابية رداً على هذا المشروع والمناديين به الذي يعتبره البعض مخالف للإسلام وضربة للهوية، وإعادة معركة الهوية اليوم في تونس هو أخطر ما يمكن أن تتعرض البلاد لأنه سيسبب انقساما في المجتمع التونسي والذي يعاني بالأصل من التهديد بالتفكك على مستوى تجييش الأفراد ووجود مجموعات متقابلة بين اسلاميين وعلمانيين ويساريين، ومسألة تقسيم المجتمع في تونس على أشدها حتى بين معسكر ما قبل الثورة وما بعدها.

ماهي أبرز المشاكل التي تواجه تونس في هذه المرحلة؟

المشاكل الأساسية التي تعترض "السبسي" ، هي مشاكل خاصة بحزبه نداء تونس والصراع المشتعل بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد ونجله "حافظ السبسي" على رئاسة وتزعم حزب نداء تونس ، وبين مختلف المنتمين إلى الحزب الذين بينهم من يبارك التحالف مع حركة النهضة وبين رافض لهذا التحالف، ويرى فيه ضربا للقيم التي قام عليها حزب نداء تونس وهذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى العام فإن فشل نداء تونس و السبسي نفسه في ايجاد حكومة قادرة على تسيير أمو وشؤون الدولة التونسية، حيث نعاني من ضائقة اقتصادية كبرى والعملة الوطنية في انهيار والفساد مستشري في كامل أوصال الدولة التونسية، والركود الاقتصادي والمؤسسات الحكومية التي تعاني من الافلاس بسبب الفساد، وهذه المشاكل هي الأساس والتي يحاولون صرف الأنظار عنها خاصة وأن الحلول الوحيدة التي قدمتها الحكومة الحالية هي الاستسلام تماماً لإملاءات صندوق النقد الدولي، فمن يسير المالية التونسية والاقتصاد التونسي هي "كريستين لاغارد" مديرة صندوق النقد الدولي، وليست الحكومة التونسية برئيسها وهذا الاستسلام لصندوق النقد هو من يعجل بتونس نحو الافلاس وكل ما يحدث الآن حتى بما يتعلق بالحريات الشخصية والمنظمات التي تطالب بتطبيق هذه القوانين هو فقط للحصول على المزيد والمزيد من القروض والهبات التي تكبل تونس، ولكن ما يعني "السبسي" هو المرور الى انتخابات 2019 بأقل الأضرار.

برأيك هل هناك حظوظ للرئيس "الباجي السبسي" في انتخابات الرئاسة التونسية في 2019؟

أعتقد أن ترشح "الباجي السبسي" من عدمه لانتخابات 2019 لم يحسم بعد، ولكن ما يحاول البعض أن يصوره الآن غياب البديل للسبسي، بالتالي قد تشهد تونس حملة مناشدات شبيهة بالتي حدثت في زمن الرئيس الأسبق "بن علي"، لمناشدته بالترشح مرة أخري في 2019 ، رغم أنه قد تعهد بعدم الترشح.

ويجب الاقتراب من موعد الانتخابات في الشهر العاشر من 2019 لمعرفة حظوظ كل مترشح ويجب ألا نغفل أن ذاكرة الشعب العربي والتونسي خصوصاً هي ذاكرة جميعة، والست أشهر الأخيرة التي ستسبق الانتخابات هي على الأغلب ستوضح حظوظ كل مرشح وليس ما يحدث الآن أو ما حدث قبل ذلك.

/انتهى/

الأكثر قراءة الأخبار الشرق الأوسط
أهم الأخبار الشرق الأوسط
عناوين مختارة