ليال جرادي متحدثة لـ "تسنيم" حول الحكومة اللبنانية الجديدة: فريقُ إنقاذ تحت مجهر المجتمعَين العربي والغربي

حكومة جديدة أبصرَت النور بعد مخاضٍ طويل وتعسّرِ ولادة. شخصية جديدة انضمّت إلى لائحة رؤساء الحكومات، بعد خروج الرئيس سعد الحريري من السلطة، على وقع انقسام الشارع بين دعواتٍ لمنح فرصة على أمل تحسُّن البلاد، وبين مواجهاتٍ شهدَتها المناطق في تظاهراتٍ احتجاجية تُرجم أغلبها بقطع الطرقات وشلّ الحركة اليومية.

لیال جرادی متحدثة لـ "تسنیم" حول الحکومة اللبنانیة الجدیدة: فریقُ إنقاذ تحت مجهر المجتمعَین العربی والغربی

*ليال جرادي صحافية لبنانية / خاص تسنيم

الدكتور حسّان دياب رئيسًا لحكومة لبنان، بعد مرحلةِ عرقلة وتناتُشٍ وتقاسم للحصص. عشرون وزيرًا منَ "الاختصاصيّين" صُهروا بتشكيلةٍ حكومية على شكل تكنوقراط، غير مرتبطين لا بأحزاب ولا بقراراتٍ سياسية، مُطعّمِين بحضورٍ أُنثويّ لافت، أعلنوا أنّ الوقت "وقت العمل"، على الرغم مِن تبايُن ردود الفعل الدولية بين مُرحّب وواضع للشروط وغير مُكترث، فقد جاءَ التشكيل بأسماءٍ لشخصيات يرتاحُ لها الغرب، وعنيتُ بالتّحديد أميركا.. إلّا أنّ انحسارًا ملحوظًا لمنسوب التفاؤل حول نجاح الحكومة اللبنانية الجديدة، واستمراريّتها، وإمكانية فتحها لقنواتِ اتصالٍ عربية وغربية يحتاجها لبنان ليعومَ باقتصاده مِن جديد، ظهر مُسبقًا وأرسى تحدياتٍ كبيرة وضاغطة.

وفقَ آليّةٍ راعت الطوائف والولاءات والمناطق والحصص، كان توزيع الحقائب.. مع الأخذ بعَين الاعتبار تمايُز الأسماء التي وردَت في لائحة خوري ودكّاش، رئيسَي الجامعتَين الأميركية واليسوعية، لدى استشارتهما من قبَل رئيس الجمهورية ميشال عون، في خضمّ أيام الحراك وعزّها؛ جاءت الوزارات السيادية الأربع.. الدفاع، والداخلية، والمالية، والخارجية. تلَتها الوزارات الخدماتية: الطاقة والمياه، الاتصالات، التربية والتعليم العالي، الأشغال العامة والنقل، الصحة، والشؤون الاجتماعية. وانتهت بقسمٍ أخيرٍ ضمّ السياحة، الاقتصاد والتجارة، البيئة، التنمية الإدارية، الزراعة والثقافة، الإعلام، الصناعة، العمل، المهجرين، والشباب والرياضة. شخصياتٌ مطمئنة لأميركا، يسهل التعامل معهم، إن كان لجهة الأسماء وإنجازاتهم وسيرتهم الذاتية، أو لجهة حيازة الجنسيّة، إلى جانب طبيعة عمل البعض في مؤسسات أو منظمات تابعة للغرب.

دوَل لا تزال أمام إشاراتٍ برتقالية اللّون، بانتظار الضوء الأخضر لتحديد خياراتٍ واضحة، وأُخرى ثبتَت على الرماديّ (الحياد) المائل إلى الحُمرة، لإيصال رسالة عدم الرضا وقلّة الاهتمام بالشأن اللبناني. بحسب التطلّعات، إنها حكومة إنقاذ وإدارة أزمة بعد تراكُم فسادٍ وهدر غير مسبوقَين وسوء إدارة للملفات السياسية لمدّة ثلاثة عقود، ما أثرَ على مناعة لبنان ووضعَه في غرفة العناية الفائقة، قَيد الاحتضار. فمُنذ العام 1993 وصولًا للعام 2018، ونحن نشهد تسويات ومحاصصات أودَت بنا إلى الهاوية. لهذا، فإنّ الواقع يقول بأن الحكومة الجديدة لا تملك "بلسم الآلام" لجميع الأزمات، كما وأنها لا تحملُ عصًا سحرية أو فانوسًا لتقديم حلولٍ جذرية لجميع الأزمات.

أقرّت الحكومة موازنتها لسنة 2020، مِن خلف جدران العزل الموضوعة بين القوى الأمنية والمتظاهرين، بغالبية 49 نائبًا، معارضة 13، وامتناع 8 عن التصويت باعتبارها جلسة غير دستورية. تمّ فرض الموازنة بأرقام غير حقيقية، والضغط باتجاه الإنجاز لإقفال باب الهَدر وباب استنزاف الوقت في آن، وهما مطلبان غربيّان بالدرجة الأولى، للبدء بمَسار تقديم المساعدات وتفعيلها، ما أعطى نقطةً إيجابية.. إذ يهتمّ الغرب للمشاريع أكثر منَ الأشخاص، ويهمّه خَلق بيئة مناسبة وأرضية آمنة للاستثمار وهبوط منطاد مساعداته في المكان المناسب، لا سيّما عندما يضمن إنجازات الموازنة، تخفيف الهدر في مختلف القطاعات، وخصخصة بعض المؤسسات كما كان توجُّه قطاع الاتصالات تحديدًا. بالإضافة إلى طريقة تعاطي الحكومة الجديدة بالملفات السياسية وكيفية إدارتها لها.. بدءًا مِن ملفّ النازحين وتهديد وزير الخارجية والمغتربين السابق جبران باسيل بإرسال النازحين ببواخر إلى أوروبا ملمّحًا لزيارة قريبة إلى دمشق، النفط والغاز في البلوك رقم 9 الشغل الشاغل للمبعوث الأميركي دايفيد ساترفيلد العائد متعثرًا بعد تهديده الذي لم يفلح، وليس آخِرًا الحرص على ملفّ "إسرائيل" الحسّاس والذي يتضمّن مفاصل عديدة كترسيم الحدود البرية والبحرية، والصواريخ الدقيقة، ووجود حزب الله في لبنان والمنطقة.

تحت مراقبة مجهرية دقيقة، حال الحكومة اللبنانية اليوم. ثلاثة شهورٍ أُعطيَت كفرصة أخيرة يتخلّلها مراقبة أدائها وسلوكها في مختلف الملفّات المطروحة على الطاولة ومِن تحتها. اختبارٌ قاسٍ لا مهربَ منه. إذًا، الأميركي غير متحمّس حاليًا.. كما البريطاني أيضًا.. لكنّهما لن يكونا سعيدَين في حال وجدا الطبخة السابقة عَينها، وهُنا، ستظهر العرقلة بحسب مزاجهما وأوراق الضغط حتى ذلك الحين.

على المَقلب الآخر، تحلمُ فرنسا باستعادة آخر مواطئ نفوذها "لبنان"، طفلها المدلّل، وتخشى عليه الانهيار كي لا يتسبّب ذلك لها بكارثة لجوء بالآلاف، مِن مواطنينَ لبنانيّين إلى سوريّين وفلسطينيّين. فالمسافةُ من الشاطئ اللبناني، الشماليّ تحديدًا، يُخيف الدوَل الأوروبية المُقابِلة من عمليّات تهريبٍ مُحتمَلة.. لكنّ فرنسا، كروسيا، يصعب عليهما تلبية متطلّبات الاقتصاد اللبناني وإعادته إلى ما قبل الأزمة.

يكمنُ الحديث هُنا عن ٧،٥ مليون دولار لتسديد الاستحقاقات بالعملةِ الصعبة وبفترةٍ عاجلة لا تتعدّى الشهرَين!، يُصاغ اليوم البيان الوزاريّ، وسط تأنٍّ وهدوء شديدَين، جاري العمل عليه لإرضاء الغرب، بانتظار المثول به أمام مجلس النواب لنَيل الثقة الأسبوع المُقبل كأبعدِ تقدير.

بينما يتقصّد الجانب العربيّ البقاء خلفَ الشمس، بمواقف غير جديّة. آخر الزيارات للرئيس الحريري مع وفد إلى قطر والإمارات، كانت منذ حوالي ثمانية أشهر، عندما وُعد بمساعداتٍ وودائع.. وآخر تصريحاتِ قطر لموقعٍ لبناني قِيل فيه أنهم مستعدّون لمساعدة لبنان. لم تكُن أيًا منَ التصريحاتِ جديّة، ولم يُؤخذ بها رسميًا، بدليل عدم نشرها على الوكالة الرسمية، بحسب عُرف الدوَل الخليجية. لا بأس، لا زالوا ينتظرون الضوء الأخضر الأميركيّ.

ثم نرى دوَلًا لم تُعلّق ولم تُبارك ولم تُبدِ أي ردّة فعل! لا تجاه استقالة الحكومة السابقة، ولا تجاه تأليف الحكومة الجديدة! ولا تكفّ عن إعلان أنّ الوضع اللبناني لا يعنيها. بوضوحٍ تامّ ومِن أمام الشمس لا خلفَها، لم تُشارك السعودية حتى بقائم أعمالٍ بمؤتمر "المجموعة الدولية لدعم لبنان" باعتبار أنها مِن "أصدقاء لبنان" أمام الخارجية الفرنسية، وبالتالي، أرسلَت رسالة، مفادها عدم الاكتراث بتاتًا، بعكسِ قنوات إعلامها المؤجّجة للفتنة عند أُولى شرارات احتدامِ الشارع اللبناني.

لبنان المترنّح بين نهب وفساد في الداخل وبين خنق أميركا لاقتصاده بأساليب، منها المباشر ومنها غير المباشر، مستهدفةً العهد وحزب الله بالمبدأ، لا يزال منيعًا أمام التدخلات الخارجية. إنما للأسف، فقَد أُجبرنا وتحت الضغط، الذهاب لاقتراحات لَربما يراها البعض حلولًا.. كاللجوء إلى القبول بالتوطين، أو صندوق النقد الدولي. الواقعُ يفرض أن لا مساعدة من دون مقابل أو شروط بوَتيرةٍ متصاعدة.

كما وتردّد في الآونة الأخيرة، طلب إجراء انتخابات نيابيّة مُبكِرة في لبنان، لكنّ موازين القوَى المُنتَخَبة، بشكلٍ قانونيّ وشرعيّ في صناديق الاقتراع، لا تُجيز لأحد قلبها أو التحكُم فيها. لهذا، وُجدت تسمية "مُعارَضة"، في حال أحَبّ أحدا الانضواء تحتها. يُطالَب العراق كذلك بانتخاباتٍ مُبكرة بغاية اللعب على حبال الأقليّة والأكثرية، والمراهنة على المتغيّرات التي طرأت على مستوى الشارع العراقي، أملًا بتغيّر مفاهيم وقناعات الناخبين.

وبالعودة إلى لبنان، يتمثل حال البعض كما التالي.. إنْ لم تُقلع هذه الحكومة، فرحوا وقالوا هزيمةً لحزب الله وحلفائه. وإنْ صمدت حقًا، انتفضوا وقالوا حكمَت بالقوّة وبالسلاح. تستحقّ الحكومة اللبنانية التي لم تُولد بظروفٍ طبيعية أن تكون بارقة أمل لشعبٍ تآكله القهر وانعدام الثقة جرّاءَ ما عانى من حروب، وإن اختلفَت أشكالها.

/انتهى/

الأكثر قراءة الأخبار الشرق الأوسط
أهم الأخبار الشرق الأوسط
عناوين مختارة