"حافظ الشيرازي"..الشاعر الذي تجاوز شعره الحدود وأصبح عالمياً

شمس الدين محمد حافظ الشيرازي الملقب بـ«خواجه حافظ الشيرازي» والشهير بـ«لسان الغيب» من أشهر الشعراء الإيرانيين و نجم ساطع في سماء العلم و الأدب في إيران. يعتبر أشهر شعراء الفرس الغنائيين بلا منازع.

لقب بـ «حافظ» لحفظه القرآن الكريم. و كان يوصف بشاعر الشعراء، دواوينه و قصائده موجودة في بيوت أغلب الأيرانيين الذين يقرأونها و يستعملونها كأمثال و حكم حتى يومنا هذا.

حافظ الشيرازي هو الشاعر الفارسي الأكثر إثارة للجدل حتى بعد أكثر من 600 عام من وفاته. ألفت عنه آلاف الرسائل و الكتب و المقالات. لكن كلما زادت الدراسات عنه أصبح لغزه أكبر.

كما أن أشعاره تحتمل أكبر قدر ممكن من التفسيرات المختلفة، بل و المتناقضة تماماً. ربما لهذا مازال الإيرانيون يتوارثون جيلًا بعد جيل استخراج طالعهم من قصائده؛ فشعره قابل للتأويل بحسب النوايا، قابل للإسقاط على أنماط الحياة باختلاف الأزمنة و الأمكنة.

وقد وصل حافظ بالشعر الفارسي درجة لم يصلها أحد قبله و لا بعده. شعره يوصف بأنه أرضي و سماوي معاً. أرضي لأنه يتطرق للمسائل الإنسانية المحسوسة. سماوي لأنه يبينها بطريقة تخرج المرء من حالته الأرضية، شعره ترجمة للحالة الثنائية للإنسان الأرضي الحالم بالسماء. كان حافظ عالماً بفنون الموسيقى بلا شك، بل إنه ببراعة كبيرة يدمج المعنى و الموسيقى معاً.

و كان شعر حافظ هو أحد أكثر الأشعار صعوبة في الترجمة، في الحقيقة هو غير قابل للترجمة أبداً. أشعاره تتجذر في أعماق التاريخ و الثقافة الإيرانية حيث انها مليئة بالسخرية و النقد البناء و النكت و الاستعارات و الكنايات التي لا يمكن إيصال معانيها العميقة في حال تمت ترجمتها و لكن ومع هذا، حتى شعره المترجم استطاع لفت أنظار الشعراء والقرّاء والادباء في العالم.

وصف الشاعر الألماني "جوته" حافظ الشيرازي: "حافظ هو قمة إعجاز الأدب الشرقي، قراءة أشعاره بدلت حالي تماماً، إن الذي يعرف هذا الصديق السماوي مرة، لا يستطيع تركه أبداً".

و قد كان إطار قصائده "العشق"،فحافظ لا يكتب إلا الغزل تقريباً، لكن غزله يتسع لكل معاني الحياة و فلسفاتها، الماضي و الحاضر، الوجود و العدم. العشق عند حافظ هو الحاجز الذي لا يفهم قبله المرء المعنى المقصود من وجوده.

كما أن لغة حافظ الساخرة فريدة من نوعها في الأدب الفارسي. يسخر حافظ من المنافقين، والمزيفين و الحكام الطغاة. السخرية هي سلاحه للاعتراض و التخفي معاً.

و قد جمع ديوان حافظ بناء على 14 نسخة خطية من سامعيه. بين كل النسخ اختلافات في ترتيب الأبيات و الكلمات نفسها، هو الديوان الشعري الأكثر اختلافاً في نسخه في تاريخ الأدب الفارسي كله. الاختلاف بين النسخ عائد لشخصية حافظ نفسها، نوع شعره، طريقة عمله و زمانه.

من حيث انه قد بدأ رحلته الشعرية منذ كان في العشرينات، فإنه أمضى 50 عاماً من عمره شاعراً. ألَّف قصيدة واحدة كل شهر تقريباً، معدل قليل جدا بالنسبة لمن لم يكن له شغل سوى الشعر.

و لكنه كان رجل الكيف لا الكم. يسعى إلى ضغط غزلياته و تحسينها قدر المستطاع. ليس مستبعداً ماعرف عنه، أنه تعمد إتلاف قصائده الأقل مستوى. كل الشعراء من الفردوسي وحتى شكسبير لهم أعمال متوسطة أو حتى سيئة، ربما أكثر من أشعارهم الممتازة. لكن حافظ لم يسمح للرداءة أن تدخل ديوانه. كان يمضي وقته في تنقيح و تهذيب غزلياته بدلاً من تأليف غزليات جديدة. لهذا من المنطقي أن يغير بعض الكلمات و الحروف بعد انتشار الأشعار و أن نجد اختلافات كثيرة بين النسخ.

يقول في غزلياته:

غرض قلبي وروحي التشرف بصحبة الأحبة

هذا غرضي، وإلاّ فالقلب والروح كلاهما ليسا شيئا

فلا تتحمل المنّة لظلال السدرة وشجرة طوبي

لأنك إذا أمعنت النظر في شجرة السرو والغادية، فجميع تلك الظلال ليست شيئا...!!

وحظك السعيد هو الذي يقبل إليك بغير حاجةٍ إلى استنزاف دماء القلب

فالبسمى والعمل لا تساوي جنات الخلد جميعها شيئا...!!

وقد أمهلوك خمسة أيام في مرحلة الدنيا

فاسترح وتمتع زمانًا، فالزمان بأجمعه ليس شيئا...!!

ويا أيها الساقي، نحن في انتظار على حافة بحر الفناء

فاغتنم الفرصة، فكل ما يذهب من الشفة إلى الفم ليس شيئا...!!

وآلامي، وقد احترقت بنار الأسى والاجتياح

ليست في حاجة إلى التقرير والبيان، وليست شيئا..!!

وقد أحرز اسم "حافظ" رقما طيبا

ولكن أرقام النفع والخسارة عند المعربدين ليست شيئا...!!

وفي قصيدة غزلية أخرى

وحدي لم أمت حزنًا لإحساسي بتقصيـري ملال الناسِ من علم وتعليم بلا عمــــلِ

وحال العيش في الدنيا وما صادقته فيهــا كعمري الذاهب الماضي سريع السير والنقلِ

فداعب شعر محبوبٍ، ولا تكثر من الشكوى بأن السعد والبلوى من المرّيخ أو زحــلِ

وقلبي دائم النجوى، يريد الوصل والسلوى فيا عمري آلا رفقًا، ولا تجهز على أملـي

قلبي لو أرادوه، لما ألفوه في وقــــت مفيقًا، فهو هيمان بعهد الغــزلِ

/انتهى/