عراقجي: أمننا لا نشتريه، بل نبنيه
أشار وزير الخارجية الايراني "السيد عباس عراقجي" في مقال له نشر في صحيفة "اطلاعات" الايرانية اليوم الاربعاء، إلى الخلاف الأخير بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب والاوكراني فلوديمير زيلينسكي، قائلا أن الدول التي بنت أمنها على الاعتماد على الآخرين أصبحت في اللحظات الحاسمة ضحية لتغير أولويات القوى الداعمة لها. وأضاف: إيران لا تشتري أمنها، بل تبنيها. نحن لا نعتمد على وعود خارجية، ولا نتهاوى أمام تهديدات الأعداء.
وفي هذا المقال الذي نشر تحت عنوان "الفوضى في البيت الأبيض؛ الدوخة في السياسة العالمية"، أشار عراقجي، إلى الخلاف الأخير بين ترامب وزيلينسكي، وكتب: السياسة ليست لعبة بسيطة. أحيانًا يمكن لاجتماع رسمي واحد أن يكشف حقائق مخفية في داخل القوى الكبرى أكثر من مئات البيانات الدبلوماسية.
الانقسامات العميقة التي تتسع في قلب النظام الدولي
وأضاف عراقچي، مشيرًا إلى الخلاف الأخير بين دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وفولوديمير زيلينسكي، رئيس أوكرانيا، في البيت الأبيض، قائلا: "الخلاف الأخير في البيت الأبيض بين دونالد ترامب وجي.دي. فانس وفولوديمير زيلينسكي لم يكن مجرد خلاف رأي عادي. هذا الحدث كشف عن انقسامات عميقة تتسع في قلب النظام الدولي."
وتساءل عراقجي، مع وجود تكهنات عديدة حول هذه القضية: "هل تم تصميم هذا الصراع عمدًا؟ أم أنه خرج عن السيطرة؟ هل كان الهدف إرسال رسائل داخلية وخارجية، أم أنه علامة على فشل آليات التنسيق في السياسة الخارجية الأمريكية؟ ما هو مؤكد أن هذا الحادث قدم صورة لعالم مضطرب لم تعد فيه القرارات تتخذ في فراغ."
الأزمة في مركز القوى الغربية
وجاء في المقال : "للسنوات العديدة الماضية، قدمت واشنطن نفسها كمحور لصنع القرار في العالم الغربي. ولكن اليوم، لم يعد هذا المحور بلا تحديات. الخلاف الذي حدث في قلب البيت الأبيض هو رمز للشكوك الاستراتيجية وعدم اليقين الدبلوماسي والخلافات غير المحلولة داخل الكتلة الغربية."
وأضاف: "دخلت إدارة ترامب بمشروع إعادة 'السلام السريع' إلى الساحة السياسية العالمية. وهو ما اعتبره الكثيرون متفائلًا للغاية، وقد تحول الآن إلى ضغط إضافي على الرئيس الأمريكي ونائبه. ترامب وفانس يواجهان تحديًا حقيقيًا: هل سيتمكنان من الوفاء بالتزاماتهما في ظل ظروف حيث الحرب تمس مصالح العديد من اللاعبين؟"
أوكرانيا؛ من الثقة إلى التمرد
وجاء في مقال وزير الخارجية الايراني: "أحد الرسائل المهمة لهذا الخلاف هو التغيير في مكانة أوكرانيا في معادلات القوة. زيلينسكي، في الأيام الأولى للحرب، كان يعتمد على المساعدات الغربية أكثر من أي وقت مضى. ولكن اليوم، يقف في داخل البيت الأبيض أمام الرئيس الأمريكي ويجيب بعنف. هذه علامة على أن حتى الدول التي تلقت الدعم من واشنطن لسنوات لم تعد تقبل أن يتم النظر إليها من الأعلى."
وأضاف: "أوكرانيا، سواء كفاعل مستقل أو كقطعة في رقعة الشطرنج للقوى العالمية، أظهرت الآن أن حتى الحلفاء الصغار يدفعون ثمنًا للحفاظ على مكانتهم."
أوروبا وظلال الانقسامات الجديدة
وتساءل عراقجي: "السؤال الكبير الآخر هو رد فعل أوروبا. هل ستظل هذه القارة موحدة في دعم أوكرانيا؟ أم أن هذا الخلاف سيكشف عن انقسامات أعمق في الجبهة الغربية؟"
وأشار إلى أن فرنسا وألمانيا والحلفاء الأوروبيين الآخرين اتخذوا منذ البداية موقفًا أكثر حذرًا تجاه حرب أوكرانيا. وكانت الخلافات في السياسات الدفاعية والأمنية موجودة منذ البداية. والآن، مع الخلاف اللفظي بين قادة البيت الأبيض وزيلينسكي، أصبحت هذه الخلافات واضحة.
وجاء في المقال: "الأوروبيون، الذين كانوا منذ البداية ينظرون إلى تطورات شرق أوروبا بحذر أكبر، يواجهون الآن سؤالًا جديدًا: هل لا تزال واشنطن تمتلك القوة والإرادة اللازمة لقيادة الجبهة الغربية المتحدة؟"
موسكو؛ المراقب أم المصمم
وأضاف وزير الخارجية الايراني في المقال أن هذا الحدث تمت متابعته بدقة في موسكو، قائلًا: "روسيا كانت دائمًا تعتقد أن التحالف الغربي هش ومتوتر. الخلاف الأخير في البيت الأبيض هو تأكيد للكرملين على أن الجبهة المقابلة أكثر تذبذبًا مما كان يُعتقد. ولكن أبعد من ذلك، موسكو لم تعد مجرد مراقب سلبي. حرب أوكرانيا والتطورات الأخيرة وفرت لروسيا فرصة لتصميم لعبتها بدقة أكبر على جبهات متعددة."
وأشار عراقجي إلى أن التعاون الاستراتيجي بين روسيا والصين يتوسع، بينما تسعى الكرملين إلى تغيير معادلة القوة على المستوى الدولي من خلال تعزيز علاقاتها مع الدول النامية. كما أشار إلى زيادة التفاعلات الاقتصادية مع دول مجموعة بريكس، وتوسيع التعاون الأمني مع الشركاء الإقليميين، والسعي لتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي.
وأضاف: "في هذا السياق، تغيرت ديناميكية العلاقات بين روسيا وأوروبا. بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك المجر وسلوفاكيا، اتخذت مواقف مختلفة تجاه موسكو وتقاوم السياسات المناهضة لروسيا في بروكسل. هذه الخلافات يمكن أن تكون نقطة ضعف في تماسك الجبهة الغربية التي ستستفيد منها روسيا."
عندما تلقي السياسة الداخلية بظلالها على الدبلوماسية
وجاء في المذكرة: "أحد أهم النقاط التي كشفها هذا الخلاف هو التداخل الشديد بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة. ترامب وفانس، بينما يجب أن يتعاملوا مع التحديات الدولية، منغمسون في سياسة داخلية متوترة. الانتخابات والمنافسات الحزبية والضغوط الداخلية جعلت العديد من القرارات الدبلوماسية الكبرى تتأثر بالمعادلات الداخلية بدلًا من المصالح الاستراتيجية."
وقال عراقجي: "هذا الوضع لن يكون تحديًا فقط لأميركا، ولكن أيضًا لحلفائها، حيث تزداد صعوبة التنبؤ بسياسة الولايات المتحدة الخارجية في مثل هذه الظروف."
إيران؛ اختار مسار الحكمة والتدبير بوعي واستقلال
وأضاف رئيس الدبلوماسية الإيرانية في المقال: "في هذا الفضاء المضطرب، تتابع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التطورات بحكمة وتدبير. الفوضى في السياسة الدولية دائمًا ما تكون على حساب الاستقرار والأمن العالمي. إيران، على عكس العديد من اللاعبين المنغمسين في التوترات اللفظية والسياسات المتسرعة، كانت دائمًا تؤكد على مبادئ تتمحور حول الاستقلال والاحترام المتبادل وتجنب الدخول في خطابات غير بناءة."
وأشار إلى أن استقلال إيران ليس صدفة أو نتيجة لظروف مفروضة، بل هو اختيار واعي وقرار استراتيجي ومبدأ ثابت في السياسة الخارجية للبلاد. وأضاف: "على عكس بعض الدول التي سعت إلى الأمن والاستقرار من خلال الاعتماد على القوى الخارجية، أدركت إيران منذ زمن طويل أن الاعتماد على الاخرين يؤدي فقط إلى عدم الاستقرار وفقدان السيادة الوطنية. الأمن الحقيقي لا يأتي من دعم القوى الخارجية، بل من القدرات الداخلية والاعتماد على الإمكانيات الوطنية والشعب. ولهذا السبب، اختارت إيران طريقًا مختلفًا؛ طريقًا لا يكون فيه مصير البلاد مرتبطًا بقرارات الآخرين، وتُصاغ السياسات بناءً على المصالح الوطنية وليس تحت ظل النصائح الخارجية."
إيران لا تشتري أمنها، بل تبنيها
وأضاف عراقچي: "الحفاظ على الاستقلال له ثمن، وإيران دائمًا ما تدفع هذا الثمن. منذ الأيام الأولى للثورة الإسلامية، صُممت الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتهديدات العسكرية والحروب بالوكالة لتحويل إيران إلى لاعب تابع في النظام الدولي. لكن إيران، على عكس توقعات الأعداء، صمدت وأظهرت أنها لن تستسلم للضغوط فحسب، بل ستواصل طريق التطور والتقدم بالاعتماد على القدرات الداخلية. هذا الاختيار الواعي أصبح مبدأً: إيران لا تشتري أمنها، بل تبنيها. نحن لسنا معتمدين على الآخرين ليحموا لنا، بل ندافع عن أنفسنا بالاعتماد على المعرفة والقوة والقدرات الداخلية."
لم نعتمد على وعود خارجية، ولم نتهاوِ أمام تهديدات الأعداء
وأشار وزير الخارجية الايراني إلى أن التاريخ أظهر أن الدول التي بنت أمنها على الاعتماد على الآخرين أصبحت في اللحظات الحاسمة ضحية لتغير أولويات القوى الداعمة لها. وأضاف: "يمكن رؤية أمثلة على ذلك في جميع أنحاء العالم؛ حكومات قامت بتعديل سياساتها على أمل ضمانات أمنية من القوى الكبرى، ولكن في النهاية، تم التخلي عنها في اللحظات الحاسمة. لكن إيران تعلمت هذا الدرس التاريخي جيدًا.
الاستقلال ليس مجرد شعار، بل هو ضرورة لا مفر منها."
وأكد عراقجي أن هذا النهج جعل إيران في سياستها الخارجية لا تعتمد على وعود خارجية ولا تتهاوى أمام تهديدات الأعداء. وأضاف: "في حين أن العديد من اللاعبين الدوليين ربطوا أمنهم بعُقد هشة ومؤقتة، اختارت إيران طريقًا مختلفًا: طريقًا مبنيًا على الاعتماد على القدرات الداخلية والتقدم المستقل والمقاومة أمام الضغوط الخارجية."
واختتم قائلًا: "إيران لا تحتاج إلى أن تستمد شرعيتها من موافقة الآخرين، لأن شرعيتها تنبع من إرادة الشعب والسياسات المستقلة."
/انتهى/





