تقرير/ تسنيم.. ماء العوجا؛ نبع فلسطيني جفّ تحت مضخات الاحتلال

في قلب الأغوار الفلسطينية، وتحديدًا في منطقة العوجا شمال مدينة أريحا، تتكشف مأساة جديدة عنوانها العطش. نهر العوجا، الذي كان يومًا ينبض بالحياة، يُحتضر اليوم أمام أعين الفلسطينيين.

وكالة تسنيم الدولية للانباء - في قلب الأغوار الفلسطينية، وتحديدًا في منطقة العوجا شمال مدينة أريحا، تتكشف مأساة جديدة عنوانها العطش. نهر العوجا، الذي كان يومًا ينبض بالحياة، يُحتضر اليوم أمام أعين الفلسطينيين الذين طالما اعتمدوا على مياهه في الشرب والزرع وسقي الماشية. هذه الجريمة البيئية، التي لا تقل فتكًا عن العدوان العسكري، تُمارس ببطء ولكن بثبات ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم عبر تجفيف مصادر الحياة الأساسية.

 

 

يقول ناجي حمد “أبو إبراهيم”، وهو من سكان المنطقة ويعيش بجوار مجرى النهر منذ عقود: “أنا أريد أن أجلي جاليتي. إذا لم يتوفر الماء، سأضطر للرحيل. عندي أولاد، ونحتاج أن نغسل بشكل يومي. أنا اليوم أغسل مرة كل ثلاثة أيام لأوفر المياه”. يتحدث الرجل بصوت متهدج بينما يشير إلى مجرى النهر الذي لم يعد يروي الأرض، بل يروي الحزن.

هذا النبع، المعروف بأنه أكبر نبع مائي في الضفة الغربية المحتلة، كان يروي أكثر من عشرة آلاف فلسطيني ويغذي أكثر من 2000 عين ماء في المنطقة. لكن منذ أن قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتركيب مضخة عملاقة لسحب المياه من النبع وتحويلها نحو المستوطنات والداخل المحتل، جفّ العوجا. “كنا نسمع صوت المياه تجري في الليل، كانت الحياة تدبّ هنا… اليوم لم يعد هناك سوى صوت الصمت والأسى”، يضيف أبو إبراهيم.

من داخل أحد التجمعات البدوية القريبة، حيث المعاناة مضاعفة، يشرح صدام زايد كيف غيّر العطش شكل الحياة تمامًا: “لا يوجد ماء. من أين نأتي بالماء؟ نشتري من نوع ما، أو نحاول أن نحصل على القليل من تحت الشرطة. وكل التراكتورات بحاجة ترخيص، والأسعار باهظة. الناس لم تعد تتحمل”. يتحدث صدام عن تراجع تربية المواشي، وترك بعض العائلات لمناطق سكنها، في مشهد يختصر سياسة التهجير غير المباشر عبر حرمان السكان من الماء.

أما آمنة حمد، لاجئة فلسطينية تسكن في أطراف العوجا، فتعبّر عن وجعها بلغة الأمومة: “أنا عندي أولاد. لا في ماء للطبخ، ولا للشرب، ولا حتى لنغسل وجوههم. الماء هو أول مقاومات الحياة، لكن الاحتلال قتل كل شيء، لا ماء ولا مسكن آمن. نحسّ إنهم بدهمّا نموت بالبطيء”. صوتها المرتجف يكشف عن وجه آخر للمأساة… وجه نساء الأغوار اللواتي يتحملن العبء الأكبر في رعاية الأطفال وسط ندرة المياه.

أراضي العوجا المتشققة، والأسماك الميتة في قعر النهر، ليست مجرد دلائل بيئية، بل شواهد على جريمة سلب الموارد الطبيعية من أصحابها الشرعيين. يضطر السكان اليوم لشراء المياه بأسعار خيالية، أو الانتقال إلى مناطق أخرى بحثًا عن نقطة ماء. “لا يوجد بديل لهذا الماء”، يردّد السكان.

لم تكتفِ إسرائيل بتجفيف النبع، بل حرمت الفلسطينيين أيضًا من حفر آبار بديلة أو تطوير بنى تحتية للمياه في المنطقة “ج”، الخاضعة لسيطرتها الأمنية والمدنية الكاملة. هذا التقييد المتعمد يجعل حتى مجرد صهريج ماء حلمًا بعيد المنال.

في خلفية هذا المشهد القاسي، تلوح الحقيقة الكبرى: ما يجري في نهر العوجا ليس حالة طبيعية، بل جريمة مُمنهجة ضد حق أساسي من حقوق الإنسان – الحق في الماء. نبع العوجا، الذي كان شاهدًا على حياة الفلسطينيين لعقود، بات اليوم شاهدًا على واحدة من أخطر جرائم السيطرة على الموارد التي تمارسها إسرائيل في الأراضي المحتلة، على مرأى من العالم.

/انتهى/