وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن حشدا من المعلمين والتربويين من مختلف أنحاء البلاد، التقى سماحة قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي في حسينية الإمام الخميني (رض) اليوم السبت.
يذكر أنه في الأعوام السابقة كان مثل هذا اللقاء يقام غالباً في ذكرى استشهاد آية الله مرتضى مطهري ويوم المعلم، الا انه ارجئ هذا العام بسبب تزامنه مع موسم إيفاد الحجاج الى الديار المقدسة واستقبال سماحته لمسؤولي بعثة الحج.
وفي كلمته أشار سماحته إلى أنه بعض التصريحات التي أُطلقت خلال زيارة الرئيس الأمريكي إلى المنطقة لا تستحق الرد نهائياً. هذا المستوى من الحديث متدنٍ إلى درجة يُشكّل فيها خجلاً على قائله وخجلاً على الشعب الأمريكي. لا نُعير كل ذلك اهتماماً، لكن ينبغي التوقف عند جملة أو جملتين.
وأضاف، قال ترامب إنه يريد استخدام القوة لتحقيق السلام؛ لقد كذب. هو والمسؤولون الأمريكيون، والحكومات الأمريكية المتعاقبة، استخدموا القوة لارتكاب المجازر في غزة، ولإشعال الحروب أينما استطاعوا، ولدعم عملائهم. هذا هو استخدامهم للقوة. متى استخدموا القوة لإحلال السلام؟
وتابع، نعم، يمكن استخدام القوة من أجل السلام والأمن. ولهذا السبب، فإننا، رغم أنف الأعداء، سنواصل تعزيز قوتنا وقوة بلدنا يوماً بعد يوم إن شاء الله. لكنهم لم يفعلوا ذلك. بل استخدموا القوة لتسليم القنابل التي تزن عشرة أطنان للكيان الصهيوني، ليلقيها فوق رؤوس أطفال غزة، وفوق المستشفيات، ومنازل الناس، سواء في لبنان أو في أي مكان آخر استطاعوا فيه ذلك.
وأضاف، الرئيس الأمريكي يقدّم نموذجًا لهذه الدول العربية يقول فيه - بحسب تعبيره - إن هذه الدول لا تستطيع العيش دون أمريكا حتى لعشرة أيام. لقد قالها صراحة: "لو لم تكن أمريكا موجودة، لما تمكنوا من الصمود حتى عشرة أيام؛ أمريكا هي من تحفظهم".
وتابع، ها هو اليوم، من خلال صفقاته، وسلوكياته، وعروضه، يواصل فرض النموذج ذاته عليهم، نموذج يُبقيهم عاجزين عن الحياة من دون أمريكا. لا شكّ أن هذا النموذج مصيره الفشل. وبعزيمة شعوب المنطقة، فإن أمريكا يجب أن ترحل من هذه المنطقة، وسوف ترحل.
وأشار سماحته إلى أن النقطة الأساسية للفساد، ومصدر الحروب والانقسامات في هذه المنطقة، هي بالتأكيد الكيان الصهيوني؛ الكيان الصهيوني الذي هو الورم السرطاني الخبيث والخطير في هذه المنطقة، لا بد أن يُستأصل، وسيُستأصل حتماً.
وأضاف، إن الجمهورية الإسلامية لديها مبادئ واضحة، ومنظومة قيم محددة. ورغم كل التحولات والتقلبات التي شهدها محيطنا، فقد تمسّكت بهذه المبادئ، وسارت بالبلاد قُدماً على هذا الأساس.
وأكد قائد الثورة الإسلامية أن إيران اليوم ليست إيران قبل ثلاثين أو أربعين أو خمسين عاماً. إيران اليوم، بتوفيق الله وفضله، رغم أنوف الأعداء، ورغم حقد الحاقدين، قد تقدّمت، وستواصل بإذن الله التقدّم أضعافاً مضاعفة. والجميع سيرى ذلك، وشبابنا سيشهدونه بأبهى صورة، وسيتعاون الجميع إن شاء الله في بناء إيران الإسلامية المنشودة.
وفي مستهل كلمته، اعتبر سماحة آية الله الخامنئي أن الهدف من هذا اللقاء هو التعبير عن التقدير للمعلمين وتكريم مكانتهم، مشدداً على أن كل ما يُنفق في قطاع التعليم يُعد في الحقيقة استثماراً لمستقبل البلاد، وأضاف: "لحسن الحظ، يُبدي رئيس الجمهورية اهتماماً خاصاً بقضايا التعليم، كما أن معالي الوزير من الكفاءات البارزة والعارفة بشؤون هذه المؤسسة".
ورأى سماحته أن تحقيق الأهداف والأفكار الطموحة مرهون بالمتابعة الجادة، ثم انتقل إلى طرح عدة نقاط تتعلق بالمعلمين.
وعدّ قائد الثورة تكريم المعلم—سواء عبر تحسين أوضاعه المعيشية أو من خلال رسم صورة مبدعة وجذابة ومرحة ومحببة عنه في الأذهان العامة—مهمةً أساسية، وأضاف: "يجب أن يكون ثمرة هذا التكريم وصناعة الصورة أن ينظر المجتمع إلى المعلم كشخصية جذابة، نشطة، مجتهدة، معتزة بمكانتها، شامخة، وأن تصبح مهنة التعليم في مقدمة المهن التي يطمح إليها الشباب".
واعتبر سماحته رسم مثل هذه الصورة للمعلم عملاً يتطلب جهداً إعلامياً وفنياً، كإنتاج الكتب القصصية والأفلام والرسوم المتحركة، وقال: "هذه الأعمال تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية كهيئة الإذاعة والتلفزيون ووزارة الإرشاد، ومن المؤكد أن وزارة التربية والتعليم ينبغي أن تتابع هذا الأمر أيضاً".
وفي نقطة أخرى، شدد سماحته على ضرورة إدراك أهمية النشاط التعليمي للمعلمين، مضيفاً: "المعلم ليس مجرد ناقل لمحتوى الكتب الدراسية، بل إن أخلاقه، سلوكه، حضوره في الصف، أسلوب تدريسه، وسماته الشخصية كالتواضع أو التكبر، والفرح أو الإحباط، كلها عناصر تسهم في تشكيل شخصية الطالب، بل قد تؤثر فيه أكثر من الأبوين، وإذا دخل المعلم الفصل بهذا الفهم، فسيراقب أقواله وأفعاله بدقة".
وفي سياق تأكيده على أهمية جامعة "فرهنكيان" ومراكز إعداد المعلمين، قال سماحته: "هذه الجامعة تابعة لوزارة التعليم، وبعض الآراء المطروحة حول ضمّها إلى مؤسسات أخرى ليست في محلّها".
وأشار إلى الضوابط التي تم إقرارها في عهد الشهيد رئيسي لقبول الطلبة في هذه الجامعة، مؤكداً: "يجب عدم السماح بتقويض هذه الضوابط، لأن جودة هذه الجامعة يجب أن تضمن إنتاج معلم بمستوى رفيع يلبي احتياجات البلاد".
وفي جزء آخر من كلمته، تطرق قائد الثورة إلى بعض القضايا المتعلقة بجهاز التعليم.
في أولى هذه النقاط، شدد سماحته على أن التعليم هو مؤسسة حكومية تابعة للدولة، واعتبر أن من واجبات الدولة الإسلامية الارتقاء بالطلاب علمياً، وتقنياً، ومهنياً، وإيمانياً، وأضاف: "الحديث أحياناً عن تفويض بعض مهام التعليم إلى جهات خارجية، حتى داخل الوزارة نفسها، يعني خلق نوع من الإقطاعية التربوية، وهو أمر مرفوض تماماً".
وأشار إلى رفضه القاطع لطلبات بعض كبار المسؤولين السابقين ممن سعوا إلى هذا التفويض بذريعة ارتفاع التكاليف، وقال: "تنمية الفكر والثقافة لدى الجيل الجديد مسؤولية وحق للدولة، والتعليم أيضاً من مسؤولياتها، وعليها، إلى جانب تحملها لهذه المسؤولية، أن تفتخر بإنفاقها عليه وتطوره".
واعتبر سماحته أن ارتباط ملايين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و18 سنة بجهاز التعليم يمثل فرصة فريدة، وتساءل: "إذا لم نحسن تربية هذا العدد الكبير من الناشئة، فبماذا سنجيب الله والأجيال القادمة؟"، ومن هذا المنطلق، انتقل للحديث عن النقطة الثانية، وهي إصلاح هيكلية التعليم.
وأكد أن هيكلية التعليم يجب أن تهدف إلى تربية الطلاب علمياً وثقافياً وإيمانياً، واعتبر أن الهيكلية الحالية غير كفوءة في هذا المجال، مضيفاً: "من مهام الحكومة في خطة التنمية السابعة تصميم هيكل تنظيمي جديد لجهاز التعليم، ويجب أن يتم ذلك بروح تجديدية ووفقاً للاحتياجات الحقيقية وبأفضل صورة".
وعدّ سماحته ترميم وثيقة التحول التعليمي ومنع توقف خريطة الطريق التي بدأ تنفيذها في عهد الشهيد رئيسي، من الأمور الضرورية، وقال: "يجب أن يتولى وضع الهيكلية الجديدة أشخاص ماهرون من داخل هذا الجهاز، على دراية به، ومؤمنون بالدين واستقلال البلاد، ليتمكنوا من تربية شباب متعلمين، مؤمنين، محبين للوطن، نشيطين، ومتفائلين بالمستقبل".
وفيما يخص الكتب المدرسية، أشار إلى توصياته السابقة، معتبراً إدراج أسماء العلماء المسلمين أو وثائق من وكر التجسس الأمريكي أمراً ضرورياً لكنه غير كافٍ، وأضاف: "الكتاب المدرسي يجب أن يكون من حيث المحتوى ممتعاً وجذاباً، بحيث تُنقل المفاهيم العلمية الثقيلة بلغة مبسطة وشيقة، كما يجب أن يكون تصميمه وشكله متناسقاً مع معايير الجماليات، وهذا للأسف غير متحقق حالياً".
وأكد أن المؤسسة والمشرفين على إعداد الكتب الدراسية يجب أن يكونوا مئة بالمئة ملتزمين إيمانياً وسياسياً، ومخلصين للمبادئ والقيم الإسلامية والثورية.
ورأى قائد الثورة أن توسيع المراكز الفنية والمهنية أمر ضروري، لأنه يتيح إدخال الشباب المهرة إلى سوق العمل في وقت مبكر ويحد من البطالة، كما أشار في نقطة أخرى إلى قضية أخرى تتطلب الاهتمام في التعليم، وهي "العدالة التعليمية"، مؤكداً أنها كانت دائماً محط تأكيد، لكن ذلك لا يعني التغافل عن أصحاب المواهب، بل إن دعم مؤسسات مثل "سمپاد" ومساعدة الشباب الموهوبين لتحقيق قفزات كبرى ليس منافياً للعدالة، بل هو عينها.
وفي آخر ملاحظاته حول التعليم، أشار سماحته إلى الإهمال الذي تعرضت له معاونيات التربية والتنشئة في السابق وإلغاؤها بذريعة تبريرات خاطئة، وأضاف: "لحسن الحظ، هناك الآن اهتمام جيد بالقضايا التربوية، ويجب أن تُنجز الأعمال في هذا المجال بأفضل صورة ممكنة".
/انتهى/