أحمد أبو لافي.. شاب من نور شمس هُدم منزله وبقي حلمه يقاوم تحت الركام

في مخيم نور شمس شرق مدينة طولكرم، يتجول أحمد أبو لافي بين أنقاض منزله بثقل الصدمة ووجع الفقد. كان المنزل المؤلف من ثلاثة طوابق قد شُيّد حجراً حجراً ليكون بداية حياة زوجية شابة، ومصدر أمان لعائلة فلسطينية تبحث عن الاستقرار في مكان لم يعرف الطمأنينة منذ النكبة.

 

 

 

مخيم نور شمس – الضفة الغربية المحتلة | خاص

لم تمهلهم جرافات الاحتلال وقتاً للحلم، فهدمت البيت على ماضيه وآماله. وفي مشهد يحبس الأنفاس، جلست والدته وسط الركام، تحتضن بعض الصور التي نجت من الدمار، وقالت والدموع تخنق صوتها:

"أحمد مش قادر يحكي.. كل شيء انكسر فيه. حلمه اللي بناه بإيده ضاع بلحظة. كنا نجهز فرحُه، واليوم بندوّر عالفرشة تحت الركام".

 

وتابعت بصوت يقطعه البكاء: "كأنهم بدهم يقولوا لنا ما إلكم مكان، لا هون ولا في أي محل. بس إحنا رح نضل، لو هدموا ألف بيت".


 

أما والد أحمد، فكان أكثر صمتًا، لكن صوته حمل ثباتًا عتيقًا، قائلاً: "في هذا المخيم، مثل كل فلسطين، تُهدم البيوت.. بس ما تُهدم العزائم. أحمد رح يرجع يبني من جديد، مثل ما كل الفلسطينيين يرجعوا من تحت الركام".
 

 

استهداف ممنهج للمخيمات

ما حدث لعائلة أبو لافي ليس حالة فردية. بل هو جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية، خاصة مخيمات جنين ونور شمس وبلاطة، في محاولة لتفكيك البنية المجتمعية والسياسية فيها، ودفع سكانها نحو النزوح مجدداً.


 

الخبير في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد يرى أن هناك ثلاثة أهداف رئيسية وراء التصعيد الإسرائيلي في هذه المناطق: 1. تفكيك البنية المقاومة: حيث تعتبر المخيمات حواضن لفصائل المقاومة الفلسطينية.
 2. تفريغ جغرافي: تسعى إسرائيل لخلق مساحات فارغة تتيح التوسع الاستيطاني. 3. الضغط نحو التهجير الطوعي: خلق بيئة طاردة لدفع السكان إلى المغادرة دون قرار رسمي بالترحيل.

 

 


ذاكرة المكان ومقاومة البقاء

رغم محاولات الطمس، فإن سكان المخيم يواجهون الهدم بالبناء، والدمار بالصمود. الركام بالنسبة لهم ليس نهاية، بل بداية جديدة على طريق العودة. تقول إحدى الجارات، وهي تنقل بعض الأثاث المتناثر خارج المنزل:
"هدموا البيت.. لكن لا يستطيعون هدم الحلم".
 

في نور شمس، كما في كل المخيمات الفلسطينية، تنبض الجدران بالشهداء، وتُزيّن الأزقة برسومات العودة، وتحمل كل زاوية ذاكرة النكبة، وكأن المكان يصرخ: "هنا وُلدنا، وهنا سنبقى".
 


ما بعد الهدم.. ما قبل الرحيل

تحاول "إسرائيل"، كما يرى كثير من المراقبين، أن تعيد صياغة النكبة، لكن بثوب عصري، وأدوات متطورة. فالهدم لم يعد فقط جرافة تزيل بيتًا، بل سياسة تنخر في الجغرافيا والإنسان والتاريخ.

قصة أحمد أبو لافي ليست إلا واحدة من آلاف القصص، لكنها تذكّر بأن الفلسطيني، وإن سُحق حلمه، لا يزال يحمل راية الصمود، وينتظر فجر العودة.

/انتهى/