صراع القوى العظمى على مفترق طرق إيران


برزت الآن "اللعبة الكبرى"، المعركة الصامتة بين الإمبراطوريات القديمة، بين الولايات المتحدة والصين. لكن إيران، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة التي تُعدّ مسرحًا للمعركة بين هاتين الدولتين، يُمكنها أن تُهيئ لنفسها فرصة تاريخية مميزة.

  إن عبارة "اللعبة الكبرى" كلمة تكشف عن تنافس عميق ومعقد بين القوى العظمى في العالم؛ فرغم أن تاريخ هذه المعركة الصامتة يعود إلى عصر الإمبراطوريتين القديمتين، بريطانيا وروسيا، في القرن التاسع عشر، إلا أن هذه اللعبة عادت اليوم إلى الحياة في ثوب جديد بين الولايات المتحدة والصين، العملاقين العظيمين في القرن الحادي والعشرين.

تُعدّ المنافسة بين القوى العظمى، كقوة كامنة لكنها جبارة، أحد المحركات الرئيسية لتكوين نظام عالمي جديد؛ نظام يُحدد مصير الدول ومصالحها، بل وأحلامها.

على أعتاب الألفية الجديدة والازدهار الاقتصادي المذهل الذي تشهده الصين، لم تعد البلاد ترى نفسها محصورةً بحدودها القديمة. لاح في أذهان صانعي السياسات الصينيين حلم إعادة تعريف مكانتها ونفوذها ومصالحها في العالم، لكن مسار هذا الحلم كان يتبلور في بيئةٍ يرزح تحت وطأة النفوذ الأمريكي الراسخ، ولن تقف واشنطن، بلا شك، مكتوفة الأيدي.

لعبة الربح والخسارة

وقد كتب موقع "مودرن دبلوماسي" الاميركي:

مع التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا، تلوح في الأفق رائحة المنافسة؛ فقد أصبحت اللعبة، أكثر من أي وقت مضى، لعبةً صفريةً قاسية، حيث يكون مكسب أحد الطرفين على حساب خسارة الآخر.

حاولت الصين، هذا التنين المستيقظ، ثاني أكبر اقتصاد في العالم والعملاق الصاعد، انتزاع القوة الناعمة من عضلاتها الاقتصادية، ونجحت في ذلك.

فقد أسست سياستها الخارجية على أساس متين من تراثها الثقافي والحضاري والتاريخي. انعكس سعي الصين لتوسيع نفوذها العالمي في مبادرات مثل "طريق الحرير الرقمي" و"مبادرة الحزام والطريق" (BRI). تُعدّ الصين شريكًا تجاريًا حيويًا ومنافسًا رئيسيًا للولايات المتحدة في آنٍ واحد. شريكٌ ولكن منافس في حين تُعدّ الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا، فهي أيضًا منافسٌ قوي؛ فقد بدأ ما يُمكن تسميته بالصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين في يناير 2018 بفرض دونالد ترامب للرسوم الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية.

كان الهدف من هذه الإجراءات إجبار بكين على تصحيح ما تعتبره واشنطن "ممارسات تجارية غير عادلة راسخة"، ولكن يُمكن رؤية هذا الوضع في شكل نظرية طرحها غراهام إليسون، الأستاذ المرموق في جامعة هارفارد، والتي أطلق عليها "فخ ثوسيديدس"، والتي حللت التنافس على السيطرة والوصول إلى السلطة كموردٍ نادرٍ واضحٍ في العلاقات الأمريكية الصينية.

"اللعبة الكبرى" وموقع إيران في ساحة صراع القوتين العظميين

يمكن تحليل استثمارات الصين ووجودها في جنوب غرب آسيا، وخاصةً في دول الخليج الفارسي، في سياق "توجهها غربًا" وسعيها إلى اكتساب حصة أكبر من النفوذ العالمي.

مع تنامي نفوذ الصين في المنطقة، بدأت الولايات المتحدة أيضًا في إعادة تعريف موقع جنوب غرب آسيا، وخاصةً منطقة الخليج العربي، كجزء استراتيجي من "اللعبة الكبرى" ضد منافسها. بعد أن سيطرت الصين على بعض الموازين على هذه الرقعة، بدأت الولايات المتحدة في إعادة تعريف موقع جنوب غرب آسيا، وخاصةً منطقة الخليج الفارسي، كجزء استراتيجي جديد من "اللعبة الكبرى" ضد منافسها.

والآن، يُصرّح المسؤولون الأمريكيون، من دونالد ترامب إلى الممثل الخاص للولايات المتحدة للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بأن منطقة الخليج الفارسي منطقة استثنائية، ويشتكون من توجه دول هذه المنطقة وإيران نحو الصين؛ وقد صرّح ويتكوف بأن السوق الإيرانية قد تكون أكبر من أوروبا.

إيران على مفترق طرق التجارة العالمية بصفتها إحدى الدول الرائدة في مجال الطاقة (ثاني أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي وأحد أهم مصادر النفط)، وبطول ساحلي يبلغ 2700 كيلومتر، تلعب إيران دورًا هامًا في جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط.

تسيطر البلاد على جزء كبير من مضيق هرمز، وهو ممر رئيسي لنقل النفط العالمي، وتقع على مفترق طرق استراتيجي بين العالم العربي والتركي والروسي والهندي. تتمتع إيران بأهمية جغرافية خاصة فيما يتعلق بالمرور العابر للشرق الأوسط وآسيا الوسطى والخليج العربي والقوقاز وشبه القارة الهندية؛ أي أنها تقع على مفترق طرق تجارية رئيسية بين آسيا وأوروبا.

تُعتبر منطقة الخليج الفارسي، على وجه الخصوص، العمود الفقري للاقتصاد العالمي؛ فهي ممر ضيق يمر عبره حوالي 20 مليون برميل من النفط يوميًا؛ أي حوالي 30% من تجارة النفط العالمية، 70% منها تذهب إلى آسيا.

تشير مصادر أخرى أيضًا إلى أن ثلث الغاز الطبيعي المسال في العالم وحوالي 25-30 في المائة من استهلاك النفط العالمي يمر عبر هذا المضيق؛ لذلك، أصبح مضيق هرمز نقطة استراتيجية مهمة للغاية للتجارة العالمية، وقد منحت السيطرة على هذا المضيق إيران نفوذًا في تفاعلاتها مع القوى العالمية وجيرانها.

كيف اكتسبت الجغرافيا الجيوستراتيجية لإيران أهمية في عالم اليوم؟

أولاً، تقع إيران عند مفترق طرق الممرات الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية.

ثانيًا؛ إيران هي أقصر طريق لتنفيذ خطة مبادرة الحزام والطريق بكفاءة؛ يمكن أن تكون الطريق الأكثر كفاءة في ثلاثة من المسارات الستة لهذه المبادرة.

ثالثًا؛ بالتوازي مع مبادرة الحزام والطريق، خططت الهند أيضًا لممر آخر يسمى IMEC (ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا)، والذي يمكن أن يكون أكثر كفاءة بكثير بتعاون إيران.

رابعًا؛ إيران دولة ذات كثافة سكانية عالية، ولديها سوق استهلاكية كبيرة وغير مستغلة للاستثمار والتمويل من الولايات المتحدة والصين واقتصادات أخرى في المنطقة.

خامسًا: إيران دولة فريدة من حيث الموارد المعدنية والجوفية. يحتوي جزء من إحدى المحافظات الإيرانية الوسطى على كميات هائلة من الليثيوم (مورد نادر واستراتيجي).

سادسًا؛ مع حوالي 300 يوم مشمس سنويًا، تمتلك إيران القدرة على أن تصبح مركزًا للطاقة المتجددة.

سابعًا؛ يمكن لإيران أن تكون الضامن الأفضل والأقوى لنقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز.

يمكن لموقع إيران الاستراتيجي وعلاقاتها الجيدة مع الصين أن تُشكّل نقطة تحول حاسمة بالنسبة لها، وأن تُشكّل "لحظة إيرانية"، أي "فرصة تاريخية مميزة".

/انتهى/